ليبيا

البوري: الجنائية الدولية أداة سياسية أحيانًا وليست بديلًا للقضاء الليبي

اعتبر الباحث في القانون الدولي الدكتور محمد البوري أن الإحاطة الدورية الأخيرة التي قدمتها المحكمة الجنائية الدولية أمام مجلس الأمن، رغم أنها تكرر متابعة الملفات الليبية السابقة، الا أنها حملت مؤشرات جديدة قد تكون سياسية في طبيعتها.

وأوضح البوري في تصريحات لقناة “الوسط” أن جميع الأطراف السياسية في ليبيا تحرص اليوم على تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي، سواء من خلال الانخراط في القضاء الليبي أو الملاحقة الدولية لشخصيات نافذة من المليشيات أو الجهات المسلحة. وأضاف أن ذلك يأتي في سياق محاولات لإظهار الالتزام بالقانون، وتجنب تحميل أنفسهم مسؤولية استمرار ظاهرة الإفلات من العقاب والعنف المتنامي في البلاد.

وأشار إلى أن المجتمع الدولي يرى في تدخل المحكمة الجنائية الدولية ضرورة لوقف موجة العنف التي تشمل القتل والاختطاف والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، خاصة حين تكون الجهات المسؤولة عن حماية القانون نفسها جزءًا من الانتهاك.

ومن الناحية القانونية، أكد البوري أن ليبيا ليست طرفًا في نظام روما الأساسي، ولكن مجلس الأمن منح المحكمة الجنائية الدولية ولاية متابعة شخصيات سياسية متصلة بالنظام السابق، ما أتاح توسيع نطاق الملاحقات لتشمل قضايا فرعية أخرى مرتبطة بالعنف المستمر.

وأضاف أن السلطات الليبية القائمة اليوم، سواء كانت شرعية أو دستورية، تتماهى جزئيًا مع مهام المحكمة الجنائية الدولية، لأسباب متعددة: أولها الرغبة في تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي، وثانيها محاولة الابتعاد عن أي دور في سياسات الإفلات من العقاب، بما يعكس التزامًا مبدئيًا بوقف الانتهاكات داخل البلاد.

وأكد البوري أن الجنائية الدولية، على الرغم من كونها هيئة قانونية دولية تهدف لملاحقة الأفراد المتهمين بجرائم حرب وانتهاكات جسيمة، قد تُستخدم أحيانًا لأغراض سياسية من قبل القوى الكبرى.

ونوه إلى أن الفرق بين الملاحقة الجنائية الحقيقية للمجرمين، والتي تُجرى في إطار دولة مستقرة ذات قضاء فعّال، وبين الملاحقات السياسية، مثل متابعة قيادات النظام السابق في ليبيا، والتي غالبًا ما تكون الملفات فيها هشة وتخضع لتأثيرات سياسية واضحة.

ورأى البوري، أن مجلس الأمن، بوصفه أداة سياسية، يلعب دورًا في تجيير هذه الملاحقات القضائية لمصلحة بعض الأطراف داخل الدولة أو خارجها، بما يعقد إمكانية التنفيذ الفعلي للأحكام. وأشار إلى أن أمثلة مثل قضية خالد الهيشري وأسامة انجيم تظهر كيف يمكن أن تتداخل السياسة والمصالح الاقتصادية مع مسار العدالة.

وأضاف أن المحكمة الجنائية الدولية قد تُعتبر محكمة استثنائية بالنسبة لليبيا، نظرًا لأنها تمارس ولايتها على المواطنين الليبيين بشكل استثنائي، خارج النظام القضائي الوطني المعتاد.

في المقابل، شدد على أن القضاء الليبي العادي قادر على متابعة ومحاسبة المواطنين وفق القانون دون اللجوء إلى آليات استثنائية، وهو ما يمثل انتصارًا لمبدأ عدم المحاكمات الاستثنائية. مبيناً أن الاستخدام السياسي للمحكمة قد يضعف من فاعليتها في تحقيق العدالة الحقيقية، خصوصًا في ظل تدخلات القوى السياسية والاقتصادية على الساحة الليبية.

وأوضح أن الأمل الذي عبرت عنه نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بشأن محاكمة مرتكبي الجرائم في ليبيا واقعي لكنه “هش”، بسبب ضعف التعاون من السلطات التنفيذية الليبية، رغم أن القضاء الوطني القائم ما زال يعمل ويصدر الأحكام بشكل قانوني.

ولفت البوري إلى أن العديد من الأحكام القضائية الصادرة عن القضاء الليبي لا تُنفذ على الأرض، بسبب امتناع الحكومة عن احترامها، ما يعكس فجوة بين القانون والنظام الفعلي للسلطة.

كما بين أن تدخل المحكمة الجنائية الدولية في ليبيا يأتي بناءً على إحالات مجلس الأمن، لأن ليبيا ليست عضوًا في نظام روما الأساسي. لذلك، فإن مفعول أي قرار للمدعية العامة مرتبط بالقرارات السياسية لمجلس الأمن، ويمكن تغييره سياسيًا في أي وقت، ما يجعل الأمل في إنفاذ العدالة “هشًا”.

ورأى الباحث في القانون الدولي، أن السلطات الليبية على الأرض تستخدم الملاحقات القانونية أغراضًا سياسية، وتسعى لتلميع صورتها من خلال ملاحقة بعض الأشخاص، بينما تمتنع عن تنفيذ أحكام القضاء الوطني، ما يزيد من هشاشة الوضع القانوني. واختتم البوري حديثه بالإشارة إلى أن الحل الحقيقي في ليبيا يتطلب مصالحة وطنية وبناء مؤسسات مستقرة، مع وجود قضاء مستقل قادر على الفصل في جميع القضايا، لضمان تحقيق العدالة بشكل دائم وفعّال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى