الفلاح: الدبيبة وتيار المفتي يلعبون على ورقة الاستفتاء والدستور لأنهم لا يملكون مشروعاً حقيقياً

أعاد أستاذ التاريخ بجامعة بنغازي وعضو لجنة الحوار سابقًا، د. علام الفلاح، تسليط الضوء على المشاريع السياسية المطروحة محليًا ودوليًا لحل الأزمة الليبية، بما في ذلك مبادرة المشير خليفة حفتر، مؤكدًا أن أي معالجة جادة للوضع الليبي يجب أن تبدأ من جذور الخلل الدستوري والسياسي.
وقال الفلاح، في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها صحيفة الساعة 24، إن ما يُعرف بـ “دستور صلالة” هو دستور تمت صياغته ــ بحسب تعبيره ــ تحت “أزيز الرصاص”، ولم تشارك فيه المدن التي كانت تحت سيطرة الإرهاب، مشيرًا إلى أن معظم أعضاء الهيئة التأسيسية كانوا إما متوفين أو مقيدين بإجراءات قضائية تتعلق بازدواجية الجنسية، بما في ذلك رئيس الهيئة نفسه.
وأضاف أن الانتخابات التي جاءت بتلك الهيئة أقصت أكثر من 60% من الليبيين نتيجة قانون العزل السياسي آنذاك، فضلًا عن أن مدنًا عديدة لم تشارك ولم تُتح لها فرصة انتخابات ديمقراطية، الأمر الذي جعل هذا الدستور ــ وفق قوله ــ فاقدًا للشرعية الشعبية.
وأوضح الفلاح أن الليبيين، كمجتمع يسعى للاستقرار والمصالحة، تجاوزوا هذا الدستور ووضعوه خلف ظهورهم، مضيفًا أنهم يتطلعون إلى كتابة دستور جديد، سواء عبر انتخاب هيئة تأسيسية جديدة، أو من خلال اختيار مشترك بين مجلس النواب ومجلس الدولة الاستشاري.
واعتبر أن ما جرى تسميته بالدستور مجرد “مجلد ضخم” تضمن تفاصيل لا علاقة لها بجوهر الدساتير، والتي لا تتجاوز عادة 20 إلى 30 مادة، مشيرًا إلى أن مسودته تضمنت نصوصًا لا تمت للواقع الليبي بصلة.
وأضاف أن اعتماد دستور في وقت كانت فيه مدن رئيسية مثل بنغازي ودرنة وسرت تحت سيطرة تنظيم داعش هو أمر غير مقبول منطقيًا أو سياسيًا، مؤكدًا أن الظروف التي كتبت فيها المسودة لم تكن طبيعية، ولا يمكن أن يبنى عليها مستقبل الدولة الليبية.
واعتبر الفلاح أن تخصيص مرتبات ومزايا ومباني خاصة بالهيئة التأسيسية من قبل رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، ووزيره وليد اللافي، هو محاولة لاستخدام الدستور كأداة لخلط الأوراق، والتأثير على استحقاقات تشكيل حكومة وطنية، وتوحيد المناصب السيادية.
وأشار إلى أن بعض أعضاء الهيئة في طرابلس تحولوا إلى مطية لتعطيل أي مشروع سياسي آخر، وهو أمر بات واضحًا للرأي العام.
وفي سياق متصل، قال الفلاح إن المبعوثة الأممية لديها مشروع للحوار المهيكل، غير أن البراغماتية الغربية – خصوصًا الولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا – تدفع باتجاه تجميع القوى المسيطرة على الأرض، معتبرًا أن هذا التوجه هو الأقرب لإيجاد حل حقيقي للأزمة الليبية. وقال إن الواقع يفرض التعامل مع الأطراف التي تملك السيطرة العسكرية والأمنية والنفوذ الفعلي.
وأشار إلى أن الدبيبة يروج لفكرة إجراء استفتاء، إلا أن هذا الاستفتاء – حسب وصفه – لن يشمل إلا مناطق مصراتة وطرابلس، في حين أن مناطق واسعة من الجبل الغربي وغريان والقواليش وزوارة وبني وليد وترهونة تميل للتواصل مع حكومة أسامة حماد والقيادة العامة ومجلس النواب.
وأضاف الفلاح، أن تصريحات الدبيبة الأخيرة أمام الإعلام الدولي لا تليق برئيس حكومة يمثل الدولة الليبية، مؤكدًا أن هذا الخطاب “مدعاة للأسى” لأنه يصدر عمن يفترض أن يعكس صورة الدولة في الخارج، معتبرًا أن الأزمة لا يمكن حلّها إلا بالنظر إلى المتنفذين على الأرض فعلًا.
وأبرز الفلاح، أن المشير خليفة حفتر هو القائد العام للجيش الليبي باعتراف العالم، مستشهدًا بمراسلات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ورؤساء الدول، موضحًا أن عملية الكرامة ليست إلا جزءًا من مشروعه الأكبر، وأن القيادة العامة تمثل القوة العسكرية والنفوذ الحقيقي في شرق البلاد وجنوبها.
ونوه بأن طرابلس تضم مجموعات مسلحة “تم تأطيرها قانونيًا” مثل قوة دعم الاستقرار، ومجموعات تابعة لوزارة الداخلية والمجلس الاستشاري والمجلس الرئاسي، بينما يسيطر في بنغازي وبرقة وفزان الجيش ومجلس النواب وحكومة أسامة حماد.
وقال إن الواقع يشير إلى وجود ستة أطراف أساسية، وإن جمع مئة وعشرين شخصية في جلسة واحدة – كما تخطط بعض الدول – لا معنى له ما لم يكن هؤلاء ممثلين حقيقيين لقوى تمتلك قواعد شعبية أو نفوذًا على الأرض.
وأكد الفلاح أن الولايات المتحدة، في اجتماعاتها المغلقة، تميل إلى أن الحل يجب أن يكون عبر القوى المتنفذة والقادرة على فرض الاتفاق، بحيث تتوافق على تشكيل حكومة وحدة وطنية تتولى معالجة الانقسام السياسي والمالي، وتمهد للانتخابات التي ستفرز مجلس نواب جديدًا ورئيسًا للدولة، ثم هيئة تأسيسية جديدة لصياغة دستور واقعي ينسجم مع طبيعة المجتمع الليبي.
وشدد الفلاح بالتأكيد على أن كل ما جرى في الماضي من كتابات دستورية تم تحت الاشتباكات والصواريخ وفي ظروف قسرية لا يمكن أن توضع كأساس لبناء المستقبل، مشيرًا إلى أن ليبيا تحتاج إلى عملية دستورية جديدة تُبنى في بيئة مستقرة، ووفق توافق وطني حقيقي، لا عبر مسودات كتبت في زمن الحرب.
أوضح الفلاح أن ما يُعرف بـ “دستور صلالة” الذي سلّمته الهيئة التأسيسية عام 2017 أصبح غير صالح اليوم، لأن ثماني سنوات مرت شهدت تطوراً كبيراً في الأحداث والسياسة والمصالح الوطنية، بينما شارك في صياغته فقط 12% من الليبيين، وهو ما يجعله غير ممثل للشعب، كما أن الهيئة نفسها ورد اسمها في تقارير ديوان المحاسبة المتعلقة بالفساد، وهي منقسمة داخلياً وغير قادرة على العمل بشفافية.
وانتقد الفلاح ضخامة عدد مواد الدستور الذي بلغ قرابة 300 مادة، معتبراً أنه أشبه بلائحة وقوانين مقارنة بالدساتير المختصرة في دول كأمريكا وألمانيا وسويسرا.
ثم انتقل إلى قضية توزيع عائدات النفط، مؤكداً أن برقة وفزان والعديد من مناطق الغرب راضية عن حجم المشاريع المنفذة على الأرض عبر حكومة أسامة حماد وصندوق الإعمار والمؤسسات التابعة لها، مشيراً إلى الطرق والجامعات والكباري والمستشفيات التي تم تنفيذها خلال العامين الماضيين. وفي المقابل تساءل عن مصير الـ 40 مليار التي ينفقها الدبيبة في طرابلس دون وضوح.
وأكد الفلاح أنه لا حل إلا بالتعامل مع القوى الفاعلة على الأرض، متهماً الدبيبة باستخدام الهيئة التأسيسية للدستور كـ “أداة سياسية” أمام الداخل والخارج، بينما في الواقع يتجاهلها. وشدد على أن الهيئة انتهى دورها منذ تسليم مسودة الدستور عام 2017.
ويرى الفلاح أن الأزمة ليست في الدستور، بل في وجود حكومتين وغياب التوافق السياسي. ورغم ذلك، يشير إلى وجود حالة من السلم الاجتماعي وتفاهم نسبي بين المؤسسات الأمنية والعسكرية، إضافة إلى توافقات في الملفين المالي والاقتصادي، ما يُمكّن –برأيه– من الذهاب نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة.
وتساءل عن أسباب تشبث الدبيبة بالسلطة رغم إعلان أسامة حماد استعداده للتسليم في أي وقت، مضيفاً أن حجم “النهب والتزوير” ووجود عائلات خارج البلاد يكشف، حسب وصفه، عن حجم الإشكاليات المرتبطة بالسلطة الحالية.
شدّد الفلاح على أن إجراء الانتخابات يتطلب بيئة أمنية منضبطة، موضحاً أن المناطق الخاضعة لمديريات أمن وسلطة عسكرية رسمية قادرة على إجراء انتخابات، بخلاف طرابلس والزاوية التي يرى أنها تفتقر للسيطرة الأمنية الكافية.
وحول المؤسسة العسكرية، أوضح الفلاح أن المؤسسة العسكرية اليوم تتميز بالانضباط والتراتبية، وأن القائد العام هو المسؤول الأعلى عن كامل المؤسسة العسكرية. مبيناً أن الفريق صدام حفتر يشغل منصب نائب القائد العام، ومكلف بملفات استراتيجية وحساسة تشمل أمن الحدود والعلاقات الخارجية والملفات الأمنية الدولية. أما الفريق خالد حفتر فهو رئيس الأركان، ويشرف على الاجتماعات وقضايا البناء العسكري والمؤسساتي.
ونفى تماماً وجود أي خلاف أو صراع بين صدام وخالد، مؤكداً أن الحديث عن صراع داخلي مجرد “أضغاث أحلام” ومحاولات لإثارة الفتن يروجها من يعادون مشروع القيادة العامة.
وبيّن أن المجتمع الدولي يتعامل مع الملف الليبي كملف أمني أكثر منه سياسي، ولذلك فإن التواصل الدولي يتم غالباً مع الفريق صدام حفتر لصلته بالملفات الأمنية.
وجدّد الفلاح رفضه لأي استفتاء على مسودة الدستور، واعتبره بحسب قوله” “مسرحية لن ندخلها”، موضحاً أن المسودة مرفوضة في معظم المناطق، بما في ذلك برقة وفزان والزاوية وزوارة والجبل الغربي، مشيراً إلى أن الهيئة التي صاغت الدستور ورد اسمها في تقارير الفساد بديوان المحاسبة. وأنها تشكلت في ظل أوضاع استثنائية وسط أربع مدن محتلة من داعش، قصف صاروخي، فوضى أمنية، وشخصيات إرهابية تتحرك داخل البلاد.
وأكد أن الأزمة الحقيقية ليست الدستور، بل وجود حكومتين وغياب سلطة تنفيذية موحدة تقود البلاد إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، ليقوم البرلمان الجديد بحل مسألة الدستور بالتوافق.
وانتقد الفلاح استخدام بعض الأطراف لورقة “الملكية” تارة، وورقة الاستفتاء تارة أخرى، واعتبرها محاولات لعرقلة المشروع الوطني لمجلس النواب والقيادة العامة. وأشار إلى أن تيار المفتي – وفق وصفه – يستخدم هذه القضايا كأدوات إعلامية دون امتلاك مشروع فعلي، وأنه سابقاً تم حتى حذف اسم الملك من النشيد الوطني في طرابلس. وأكد أن الملك إدريس ورمزية العائلة السنوسية لهم احترام كبير، لكن إدخالهم في الصراعات الحالية “غير لائق”.
خلص الفلاح إلى أن الحل الوحيد للأزمة الليبية يبدأ بـ توحيد الحكومة، والذهاب بعدها إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية تشرف عليها جهة تنفيذية واحدة، وأن كل ما عدا ذلك – من صراعات دستورية أو إعلامية – مجرد محاولات لصرف الأنظار عن المسار الحقيقي.
وقال الفلاح إن الأطراف المسيطرة في طرابلس، وعلى رأسها ما وصفه بـ “تيار المفتي”، تتعامل مع القضايا الوطنية بمنطق الأدوات المؤقتة، مستغلة كل ملف بشكل دعائي، سواء كان الاستفتاء أو الدستور أو حتى ورقة ولي العهد السنوسي. وأوضح أن هذا التيار – وفق تعبيره – “خالي اليدين ولا يمتلك أي مشروع حقيقي”، لذلك يلجأ في كل مرحلة إلى إثارة قضايا مختلفة بهدف صدّ المشروع الوطني الذي يتبناه مجلس النواب والقبائل والقيادة العامة والقوى الوطنية المتحالفة معها.
وأوضح أنه شخصياً كتب تاريخياً عن العائلة السنوسية، وعن امتداد تأثيرها في شمال أفريقيا، وعن حضورها التاريخي، مؤكداً احترامه للمكانة التاريخية للأسرة السنوسية. ثم تساءل موجهاً حديثه للتيار الذي يلوّح اليوم بورقة الملكية: “إذا كنتم صادقين، لماذا لم تجلبوا ولي العهد وتنصبوه عندما كنتم تسيطرون على طرابلس بالكامل؟ لماذا لم تفعلوا ذلك حين كان القرار بأيديكم؟”.
وأشار الفلاح إلى أن هذه الأطراف استنفدت كل الخطابات والمواقف السابقة، والآن تحاول – كما يقول – البحث عن “بروباغندا إعلامية” جديدة للتشويش على جهود القيادة العام.
وتابع الفلاح قائلاً: “الآن بعدما استنفدتم كل شيء، تحاولون استخدام هذه الورقة لتحقيق مكاسب إعلامية فقط، وليس من باب مشروع وطني حقيقي”.
وحول اتهامه بمعاداة فبراير قال الفلاح: “إذا كنتم تريدون الحقيقة؟ اقرأوا مذكرات هيلاري كلينتون، وستعرفون حقيقة فبراير”. مجدداً التأكيد على موقفه من أحداث 17 فبراير، قائلاً إن الليبيين يعرفون جيداً رأيه بأنها كانت “مؤامرة دولية على الدولة الليبية”.
وانتقل الفلاح للحديث عن قراءة التاريخ قائلاً إن العالم أصبح مكشوفاً اليوم، والوثائق باتت متاحة للعلن، بما في ذلك وثائق الناتو حول استهداف ليبيا، وكلها منشورة. وأوضح أن الوثائق الرسمية التي كانت تُمنع من التسريب لعقود أصبحت متاحة الآن، بما يشمل وثائق وزارات الخارجية والاستخبارات. وأشار إلى أن مذكرات هيلاري كلينتون، وكذلك تصريحات بيرنارد هنري ليفي، كشفت الكثير حول ما جرى في 17 فبراير، مؤكداً أن فرنسا نفسها كانت تُراجَع وتُطلب منها المشاركة في القصف، وصولاً إلى تخوم سبها.
وتابع: “لذلك أقول إن موضوع التاريخ يجب أن يوضع جانباً، فهو مليء بالتفاصيل والأوجاع والسجون والقوى المختلفة”.
ثم أشار إلى أن الحديث عن وجود خلاف داخل “الكرامة” أو المؤسسة العسكرية في الشرق مجرد “أضغاث أحلام”، مؤكداً: “لا يوجد أي خلاف، وكلنا خلف القائد العام، وخلف نائب القائد العام، والمؤسسة العسكرية ملتفة حول رئيسها ورئيس الأركان”. ولفت إلى أن العمل السياسي كذلك يسير بشكل منضبط بين رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، مشدداً: “تمنّوا ما تشاؤون، قولوا خصام أو مرض أو صراع؛ هذا ما يتمناه العدو، لكنه غير موجود”.
وأضاف الفلاح: “نحن جزء من الدولة الليبية، مواطنون لنا حق تقرير مصير بلادنا مثل غيرنا. ولن نُسلم ليبيا لمن نهبوها، فاليوم من يتحدثون عن الدولة هم من دمروها سابقاً”.
وأشار إلى أن المشير حفتر أعاد بناء المؤسسة العسكرية وحرر مدناً كاملة من داعش والقاعدة وبوكو حرام، مستشهداً بما جرى في درنة وسرت والهلال النفطي.
وقال إن القيادة العامة ومجلس النواب يسيطران اليوم على ثلثي ليبيا “شاء من شاء وأبى من أبى”، مؤكداً أن “ترك الدولة للإخوان المسلمين أو لمجموعة المفتن أو للذين دخلوا من الخارج هو مجرد أحلام”. وأضاف: “دماء الشهداء التي سالت لتحرير الدولة لن تذهب هباءً”.
وتابع موضحاً: “كل من قاتل داعش هو شهيد عند الله”، قبل أن يرد على من يتهمونه بمناصرة سبتمبر قائلاً: “نعم كنت موظفاً في الدولة، وليس لدي وظيفة سياسية، بل وظيفة إدارية، وأنا اليوم موظف في الدولة أيضاً، وداعم للقوات المسلحة، لأنه لا وجود لدولة دون جيش”.









