أوغلو: شرق المتوسط لن يشهد مواجهة عسكرية والحل عبر الحوار

أكد المحلل السياسي يوسف كاتب أوغلو، أن التصريحات اليونانية الأخيرة بشأن الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا تُعد “استفزازًا صريحًا” وتمثل انتهاكًا لسيادة دولة مستقلة هي ليبيا، مشددًا على أن أي تدخل يوناني في هذا الشأن “مرفوض تمامًا”. وأوضح أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية هو اتفاق ثنائي بين دولتين تتمتعان بالسيادة، وأن محاولة اليونان “الصيد في المياه العكرة” لن تغيّر من هذه الحقيقة.
وأضاف أوغلو في تصريحات لتلفزيون “المسار” رصدتها الساعة24 أن ليبيا – سواء عبر برلمانها أو من خلال موقف سياسي موحد، تتحمل كامل المسؤولية عن مصالحها وحقوقها واتفاقياتها الدولية، مؤكداً أنه “لا وصاية لا من اليونان ولا من غيرها”.
وبيّن أن مصلحة البرلمان الليبي تنسجم مع مصلحة الدولة الليبية، معتبرًا أن الاتفاق البحري يمثل إطارًا لحماية الحقوق وفق معادلة “الكل رابح” من خلال التعاون والمصالح المتبادلة.
وتناول الجدل القانوني، مؤكدًا أن الاتفاقية “الليبية – التركية” لا تتعارض مع القانون الدولي، لاسيما وأن البلدين ليسا عضوين في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الأمر الذي يجعل التفاهمات الثنائية بينهما الإطار القانوني الحاكم. وفي هذا السياق، أعرب عن استغرابه من تحفظ مصر، لافتًا إلى أن القاهرة نفسها “مستفيدة من الاتفاقية”، إذ تحصل – بحسب تقديره – على 15 ألف كيلومتر من المياه الإقليمية، إضافة إلى 28 ألف كيلومتر أخرى تُحتسب وفق مبدأ تساوي المسافات بين السواحل الليبية والتركية والمصرية. وأشار إلى أن الخاسر الأكبر هو اليونان، التي – على حد قوله – تحاول إعاقة الاتفاق.
وشدد أوغلو على أن مصر لها الحق في قبول الاتفاق أو رفضه، لكن ليس لها التدخل في تفاهمات تعقدها دولتان ذاتا سيادة هما ليبيا وتركيا.
وذكّر بأن أنقرة والقاهرة نسقتا سابقًا في ملف ترسيم الحدود، وهو ما يؤكد إمكانية التعاون بعيدًا عن الحسابات اليونانية.
وانتقد أوغلو الحملة الإعلامية المؤيدة لليونان، متسائلًا عن دوافعها، خصوصًا في ظل اتجاه أثينا لتعزيز تسليح جزرها عبر صفقات مع إسرائيل، وهو ما اعتبره مخالفًا لاتفاقيات دولية.
وعلّق أوغلو على زيارة رئيس مجلس النواب الليبي المستشار عقيلة صالح إلى أثينا السبت الماضي، موضحًا أنها لا تعكّر صفو العلاقات الليبية – التركية، بل تأتي ضمن فتح قنوات الحوار في ظل وجود خلافات قائمة. وأضاف أن للزيارة بعدًا يتعلق بتوضيح الموقف الليبي لأثينا، دون أن يكون الهدف منها إرضاء اليونان، وإنما تعزيز وضوح المواقف وحماية السيادة الليبية.
مؤكدا على أن ليبيا وتركيا دولتان ذات سيادة تربطهما مصالح مشتركة، وأن اتفاق أعالي البحار ليس ملزمًا لهما نظرًا لغياب عضويتهما فيه. وبناء عليه، فإن الاتفاق البحري يصبح رسميًا وملزمًا فور مصادقة البرلمان الليبي عليه، دون حاجة لأي مرجعيات إضافية، مؤكدًا أن الموقف النهائي في هذه القضايا “يعود لليبيين وحدهم”.
وأكد أن الانتقادات اليونانية للاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا تأتي في إطار خطاب “استفزازي” يهدف إلى التشويش على تفاهمات ثنائية مشروعة بين دولتين ذات سيادة، مشددًا على أن الاتفاق البحري “متوازن” ويضمن مصالح مشتركة للطرفين، وليس كما يروَّج بأنه يصب في مصلحة تركيا وحدها. مبيّناً أن ليبيا وتركيا غير ملتزمتين باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعدم عضويتهما فيها، وبالتالي فإن حجج اليونان “لا تنطبق ولا يمكن الاحتجاج بها على الطرفين”.
منتقدا التشبيه بين موقفي القاهرة وأثينا، موضحًا أن مصر وتركيا بينهما تفاهمات إيجابية في قضايا شرق المتوسط، وأن القاهرة نفسها سبق أن استفادت من ترتيبات الترسيم عبر ما يسمى نظرية الجرف القاري وسياسة المنتصف.
واوضح أوغلو خلفية الموقف اليوناني، مبينًا أن أثينا “تحاول استرجاع ما فقدته” بعد توقيع الاتفاق الليبي – التركي، وأن اعتراضها يستند إلى محاولة توظيف قانون البحار رغم أنه لا ينطبق على الطرفين. وأضاف أنه من الصعب تطبيق قاعدة الـ 12 ميلاً في مناطق تلاصق فيها الجزر اليونانية السواحل التركية بمسافة لا تتجاوز ميلين، وهو ما يجعل العديد من القوانين البحرية “غير قابلة للتطبيق عمليًا” في الحالة اليونانية.
معتبرا أن أثينا تسعى منذ سنوات إلى تهميش الدور التركي في شرق المتوسط، مستشهدًا بعدم دعوتها لتركيا في مؤتمرين متتاليين حول الغاز الأول في أثينا والثاني في القاهرة، رغم أن تركيا تمتلك أطول ساحل في شرق المتوسط.
وأكد أن أنقرة لا تسعى لتهميش أحد، بل تحاول حماية مصالحها، بينما “اليونان هي من تتدخل في جميع الاتفاقيات الأخرى.
وبشأن الدور التركي داخل ليبيا، أكد أوغلو أن أنقرة تلعب دورًا أساسيًا وبنّاءً، في دعم وحدة القرار الليبي في الملفات الدولية، موضحًا أنها فتحت قنصلية في بنغازي ووطّدت علاقاتها مع دوائر صنع القرار في ليبيا، دون التدخل في الشؤون الداخلية، بل مساعدة الليبيين في تعزيز موقف موحد تجاه القضايا الإقليمية.
وحذّر أوغلو من التحالف اليوناني – الإسرائيلي الذي يتقاطع – وفق تعبيره – في ملفات التسليح والطاقة وآليات نقل الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا، معتبرًا أن هذا التنسيق يفسّر الهجوم اليوناني المستمر على تركيا. وأضاف أن سياسة أثينا متقلبة ولا يمكن الوثوق باستقرارها المستقبلي، وهو ما يستوجب – بحسب قوله – الحذر في التعامل معها داخل ليبيا والمنطقة.
وانتقد أوغلو الحديث عن غياب مراعاة تركيا لمصالح دول الجوار، متسائلًا عن سبب تجاهل حقيقة أن ليبيا نفسها استعادت 18 ألف كيلومتر إضافية كانت اليونان تطالب بها، وهي النقطة التي تُفسّر اعتراض أثينا الحاد على الاتفاق.
وانتقل لملف العلاقات الإقليمية، مؤكدًا أن الحوار بين أنقرة وأثينا لم يكن معدومًا، لكن اليونان هي من همّشت الدور التركي، مشيرًا إلى أن المؤتمر الأول لشرق المتوسط الذي عقد في أثينا، ثم المؤتمر الثاني الذي استضافته القاهرة، لم يوجَّه فيهما أي دعوة لتركيا رغم أنها صاحبة أطول سواحل في المنطقة، بينما تمت دعوة دول غير متشاطئة مثل الإمارات والأردن.
وأشار إلى أن ذلك جاء في إطار ظروف سياسية متوترة آنذاك بين القاهرة وأنقرة، قبل أن تُعاد صياغة العلاقات لاحقًا بشكل إيجابي يخدم المصالح المشتركة بين تركيا وليبيا ومصر.
وأكد أنه يتفق مع ضرورة اعتماد الحوار كوسيلة أساسية لحل أي خلافات، لكنه شدّد في الوقت نفسه على أن اليونان تبقى أصل المعضلة في عدد من الملفات، وفي مقدمتها القضية القبرصية.
وأضاف أن الملف ليس مرتبطًا بالاتحاد الأوروبي أو بإظهار القوة العسكرية، موضحًا أن تركيا – صاحبة ثاني أكبر جيش في حلف الناتو – كانت هي الدولة التي وافقت سابقًا على انضمام اليونان إلى الحلف، في إشارة منه إلى أن أنقرة لا تتعامل بعقلية الإقصاء أو فرض الهيمنة.
وانتقد أوغلو ما وصفه بالعقلية اليونانية القائمة على التشريع الأحادي ومحاولة فرض الأمر الواقع، معتبرًا أن هذا النهج ربما كان مجديًا في خمسينيات القرن الماضي لكنه لم يعد مقبولًا مع تركيا اليوم، التي أصبحت – وفق قوله – “قوة إقليمية كبرى” تبني علاقاتها على أساس المساواة واحترام السيادة والمصالح المشتركة.
وبخصوص احتمالات التصعيد، استبعد أوغلو الوصول إلى مواجهة عسكرية، مشددًا على أن تركيا تؤمن بالحوار وفتح قنوات التواصل، لكنها تدرك أيضًا أن اليونان لا تفهم إلا لغة الحزم السياسي والضغط الدبلوماسي. وأشار إلى أن أنقرة تستمر في توطيد علاقاتها مع دول شرق المتوسط، وعلى رأسها ليبيا ومصر، على أسس السيادة المتبادلة بعيدًا عن أي تدخل يوناني.
وبيَن المحلل السياسي يوسف أوغلو أن تركيا مستعدة لمواجهة جميع الاحتمالات في شرق المتوسط، مشددًا على أن قاعدة الدبلوماسية التركية الجديدة تقوم على عدم انتظار التهديدات، بل مواجهتها بشكل استباقي، مع الترحيب بكافة الحوارات الدبلوماسية لتسوية الخلافات.
وأشار أوغلو إلى أن مسألة تسليح الجزر اليونانية تُعد «أمرًا مرفوضًا» وينتهك القانون الدولي واتفاقية لوزان، لكنه لفت إلى أن اليونان مستمرة في سياساتها تجاه هذه الجزر. وأوضح أن تركيا تتخذ كل الإجراءات والاستعدادات اللازمة لحماية نفسها ودرء أي تهديد محتمل، مع الحفاظ على خيار الحوار كأداة أساسية لتسوية النزاعات الإقليمية.









