الحاجي: حادث الطائرة أكبر من مجرد خلل فني والجميع بات يتنصل من تبعاته

اعتبر المحلل السياسي إسلام الحاجي، أن الفصل بين المسار الفني للتحقيق في حادث سقوط الطائرة وبين التداعيات السياسية والعسكرية المترتبة على غياب رئيس الأركان في المنطقة الغربية بات أمرًا بالغ الصعوبة، في ظل القرارات المتخذة والتضارب الذي رافق القضية من مجرد تحقيق في حادث طيران، إلى محاولة لإدارة الحقيقة، وتقاسم مسؤولية إظهارها بين عدة دول.
ورأى الحاجي، في تصريحات لقناة “الوسط”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن أي بطء في سير التحقيقات، حتى وإن كان تقنيًا أو إجرائيًا، سيفضي حتمًا إلى تسييس الملف، ويعزز القناعة بأن ما حدث يتجاوز كونه خطأً عرضيًا. مشيراً إلى أن هذا الحادث لا يُنظر إليه كواقعة عابرة، بل كحدث تحاول أطراف متعددة التنصل من تبعاته، ما يعمّق الشكوك حول طبيعته.
وأشار إلى أن غياب الفريق محمد الحداد، سيخلّف فراغًا واضحًا داخل المؤسسة العسكرية، مذكرًا بأنه كُلّف منذ فترة حكومة الوفاق، في عهد فايز السراج، وأنه كان يتمتع بمكانة تجعل إزاحته بقرار بسيط أمرًا صعبًا، حتى لدى بعض الأطراف الداخلية، نظرًا لارتباطاته وعلاقاته الجيدة، لا سيما مع واشنطن خلال المرحلة الأخيرة.
وبيّن الحاجي، أن الحداد كان يُنظر إليه كمرشح طبيعي لتولي رئاسة الأركان في الغرب الليبي، بحكم علاقاته المتوازنة مع الأطراف المؤثرة، بما في ذلك تركيا، إضافة إلى أن الجيش في الشرق لم يكن يعتبره خصمًا، بل شخصية عسكرية تكنوقراطية يمكن التوصل معها إلى تفاهمات وتوافقات.
وأكد أن هذا الغياب سيؤدي إلى إعادة خلط موازين النفوذ داخل المؤسسة العسكرية، وسيُحدث ارتدادات داخلية مؤثرة، من شأنها إعادة ترتيب مراكز القوة وفتح المجال أمام صراعات أو تجاذبات جديدة في الداخل الليبي.
وفي السياق ذاته، أوضح الحاجي، أن الدول، من منطلق مصالحها، قد تكون قادرة على دعم أو فرض أسماء بعينها داخل معسكر الغرب أو في إطار الحكومة القائمة، عبر قرارات تصدر بشكل مباشر، إلا أن هذه المقاربات، وإن بدت ممكنة على المدى القصير، قد تنقلب لاحقًا.
وقال إن الحقائق، حتى وإن تأخرت، ستظهر في نهاية المطاف، وقد تضع بعض الأطراف في موقف حرج أو تسهم في تدهور علاقاتها، بما في ذلك مع قوى دولية كانت منخرطة في المشهد الليبي، مشيرًا إلى أن التجارب السابقة تؤكد أن تداعيات مثل هذه الملفات لا تُغلق بسهولة، بل تمتد آثارها لسنوات طويلة.
ووصف الحاجي، الحادث بالمأساة الكبيرة. موضحا أن التعامل مع الواقعة لا يمكن أن يقتصر على البعد التقني فقط، بل يفرض نفسه أيضًا ضمن سياقات سياسية وأمنية معقدة.
ودعا إلى ضرورة النظر أولًا إلى الحادثة في حد ذاتها، سواء من حيث الجانب التقني أو من حيث هوية الركاب، موضحًا أن الحديث يدور عن شخصيات بالغة الأهمية، في مقدمتها رئيس أركان الجيش في الغرب ومرافقوه، إضافة إلى طاقم الطائرة. ولفت إلى أن أي حادث يمس رأس الهرم العسكري لا يمكن عزله عن حسابات سياسية أخرى، نظرًا لحساسية الموقع والأدوار التي تشغلها هذه القيادات.
وأوضح أن بعض هذه القيادات، وعلى رأسها الحداد، يتمتعون بخبرة عسكرية تمتد لعقود، تصل إلى نحو 35 سنة، ويُعرفون بالانضباط العسكري والإيمان العميق بطبيعة الحياة العسكرية، معتبرًا أن هذه الخبرات تجعل من الحادثة أمرًا بالغ الحساسية، خاصة مع وجود شخصيات قيادية كبيرة كانت مرشحة أو مكلفة بمهام عليا.
وأكد الحاجي، أن أهمية الحادث لا يمكن مقارنتها بسقوط طائرة مدنية خاصة، إذ إن السياق مختلف تمامًا، نظرًا لكون الضحايا قيادات عسكرية وفي توقيت بالغ الحساسية، في ظل وضع أمني وعسكري دقيق تمر به البلاد.
وأضاف أن تعدد الأبعاد المرتبطة بالحادث، إلى جانب اللغة المستخدمة في مسار التحقيقات، يثير تساؤلات إضافية.
وبينّ أن الحديث عن تقارير فنية معقدة، ونقل الصندوق الأسود أو البحث عن دولة أخرى للمساعدة في تحليله، يجعل من الصعب التعامل مع الواقعة على أنها حادث عابر. لافتاً إلى أن الإجراءات المتبعة عادة في حوادث الطيران، سواء كانت مدنية أو غيرها، تقوم على بروتوكولات واضحة تشمل الدولة التي سقطت فيها الطائرة، والدولة المصنعة، والدولة المالكة، إلى جانب جنسية أو هوية الأشخاص الموجودين على متنها.
وتساءل الحاجي، عن أسباب الخروج عن هذا المسار المعروف والمتبع في غالبية حوادث الطيران، معتبرًا أن اتساع دائرة التحقيقات واتجاهها نحو أبعاد سياسية أكثر من كونها تقنية يعكس حجم وتعقيد القضية، ويؤكد أن الحادث يحمل دلالات أكبر من مجرد خلل فني أو خطأ تقني.
واعتبر الحاجي أن اللجوء إلى جهة محايدة لتحليل الصندوق الأسود للطائرة كان خيارًا صحيحًا من حيث المبدأ، مشيرًا إلى أنه دعا إلى ذلك منذ يوم وقوع الحادث، مطالبًا بأن يُسند التحقيق إلى طرف خامس، خارج الدول الأربع المعنية مباشرة بالحادثة، وهي فرنسا وتركيا وليبيا ومالطا، نظرًا لكون الحادث غير عادي ولا يمكن التعامل معه كحادث طيران تقليدي.
وأوضح أن مثل هذه الحوادث، عندما تتعلق بطائرات مدنية عادية أو برحلات تضم مدنيين أو رجال أعمال، قد تُفسَّر أحيانًا في إطار منافسة تجارية أو شبهات محدودة، إلا أن الأمر يختلف جذريًا عندما يتعلق بقيادات عسكرية رفيعة المستوى، معتبرًا أن طبيعة الضحايا تستبعد المقارنات المعتادة مع حوادث الطيران الأخرى.
وأشار إلى أن طرح خيار التحقيق المحايد لا يعني التشكيك المباشر في أطراف بعينها، موضحًا أن علاقات تركيا كانت جيدة مع مختلف الأطراف الدولية، وأنها تحرص على إبعاد أي شبهات عنها، خاصة في ظل حساسيتها تجاه صورتها الأمنية، واستحضارًا لتجارب سابقة أثّرت على دول أخرى جراء حوادث طيران ذات طابع أمني. وأضاف أن تركيا لا ترغب في أن تُسجل كنقطة سوداء في هذا الملف، لكونها دولة تمتلك منظومة أمنية متقدمة وتسعى باستمرار إلى تطوير إجراءاتها داخل مطاراتها.
ولفت الحاجي، إلى أن فرنسا، رغم كون الطائرة تتبع لها “تصنيعياً” لا تُعد طرفًا محايدًا بالكامل، ما يفتح الباب أمام تساؤلات ذات طابع استخباراتي، خاصة فيما يتعلق بإمكانية حدوث تدخلات من مالطا “المؤجر للطائرة”، معتبراً ا بأن الأمر أصبح بيئة يسهل فيها الاختراق الاستخباراتي مقارنة بدول أخرى أكثر تحصينًا.
وأوضح أن الدور الليبي في مثل هذه التحقيقات يكون بروتوكوليًا في الغالب، إذ يقتصر على مشاركة فنية محدودة عبر ممثل تقني واحد من الطيران المدني، يحضر إجراءات تحليل الصندوق الأسود دون أن يكون له تأثير فعلي في توجيه مسار التحقيق أو إبداء الرأي، رغم أن الضحايا ليبيون.
وأشار الحاجي، إلى أن التحول من المسار التقني إلى المسار السياسي في التحقيقات يفتح المجال أمام استغلال الحادث من أطراف متعددة، لافتًا إلى أن الشبهات قد تمتد نظريًا إلى أطراف دولية كبرى، من بينها روسيا، في ظل التوترات القائمة والحديث عن ملفات حساسة مثل النفط، وما رافقها من رسائل وردود فعل معلنة.
وفيما يتعلق ببريطانيا، شدد الحاجي، على أنه لا يعتبرها طرفًا محايدًا تمامًا، نظرًا لعلاقاتها الواسعة واختراقاتها الاستخباراتية وعلاقاتها الوثيقة مع تركيا وغيرها من الأطراف. موضحا أن دولًا أخرى، مثل جنوب أفريقيا، ربما كانت خيارًا أفضل للوصول إلى حقيقة أكثر استقلالية.
وأكد أن جميع هذه الأطروحات تظل في إطار الفرضيات والاحتمالات، موضحًا أن المحلل السياسي لا يستطيع الجزم بإجابات قاطعة، سواء فيما يتعلق بإمكانية وجود علم مسبق لدى أطراف عسكرية، أو باحتمال أن يكون الحادث جزءًا من رد أو انتقام استخباراتي.
وتابع: أن مسار التحقيق بات سياسيًا بامتياز، ما يرجّح أن ينتهي بتوصيف تقني للحادث دون الوصول إلى حقيقة أعمق.
وختم الحاجي بالقول إن السؤال لم يعد يتركز على كيفية سقوط الطائرة، بل أصبح يتمحور حول من يدير الحقيقة ومتى سيتم الكشف عنها، في ظل تعقّد المشهد وتداخل العوامل التقنية مع الحسابات السياسية والاستخباراتية.









