محفوظ: اعتذار ألمانيا عن تحليل الصندوق الأسود زرع الشك لدى الليبيين

قال المحلل السياسي، محمد محفوظ، إن الموقف الألماني المتعلق بالاعتذار عن تفريغ بيانات الصندوق الأسود الخاص بطائرة الحداد ومرافقيه، لا يمكن تفسيره من زاوية فنية بحتة، مرجحًا أن تكون خلفياته سياسية بالدرجة الأولى، في ظل تعقيدات إقليمية ودولية متشابكة تحيط بالحادثة.
وأوضح محفوظ، في مداخلة عبر قناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها صحيفة24، أنه رغم عدم اختصاصه الفني، يستبعد أن يكون نقص الخبرات أو التقنيات هو السبب الحقيقي وراء اعتذار ألمانياً، مشيرًا إلى أن برلين لا ترغب في الانخراط في حالة التجاذبات السياسية التي تصاعدت خلال اليومين الماضيين، لا سيما مع تعدد السيناريوهات والاتهامات المتبادلة التي تداولها الإعلام التركي، سواء الموالي للحكومة أو المعارض لها.
وأضاف أن توقيت الحادثة جاء في ظرف بالغ التعقيد، ما قد يدفع بعض الدول إلى تفادي فتح الصندوق الأسود وتفريغ بياناته، خشية الانجرار إلى صراعات أو أزمات سياسية هي في غنى عنها، معتبرًا أن الاكتفاء بتبريرات فنية لا يبدو منطقيًا في هذا السياق.
وأشار محفوظ، إلى تضارب الروايات بشأن سلامة الصندوق الأسود، حيث تحدثت أنباء عن كونه سليمًا، مقابل روايات أخرى أفادت بتعرضه لأضرار نتيجة سقوط الطائرة من ارتفاع يزيد عن 26 ألف قدم.
ونقل المحلل السياسي، ما تداوله الإعلام التركي حول ارتباط توقيت الحادثة بالتطورات الإقليمية، وعلى رأسها الاتفاقية البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا، والاجتماع الذي جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع رئيس وزراء اليونان ورئيس قبرص، وهي أطراف تعارض تلك الاتفاقية، ما يفتح – بحسب هذه الروايات – الباب أمام فرضيات تتعلق بمحاولات إحراج تركيا أو إرباك علاقتها مع طرابلس.
كما لفت إلى أن الحادثة وقعت بعد أقل من 24 ساعة من قرار البرلمان التركي بتمديد مهمة القوات التركية في الغرب الليبي لعامين إضافيين، معتبرًا أن تزامن هذه الأحداث يعزز حالة التعقيد، ويدفع أطرافًا دولية وإقليمية إلى الابتعاد عن الخوض في تفاصيلها.
وأكد محفوظ، أن الأهم بالنسبة لليبيين، على المستويين الشعبي والرسمي، هو ضمان سير التحقيقات بشكل مهني وشفاف، بعيدًا عن التراشق السياسي أو الابتزاز، مشددًا على أن المطلوب هو كشف الحقيقة كاملة، سواء كانت الحادثة ناجمة عن خلل فني أو تقني أو عمل مدبر.
وأعرب عن خشيته من أن تتحول القضية إلى ساحة صراع سياسي بين قوى متنافسة، يدفع ثمنه الليبيون وأهالي الضحايا، الذين – بحسب قوله – لا يطالبون إلا بكشف الحقيقة كما حدثت فعليًا، حتى تتضح الصورة كاملة أمام الرأي العام.
وفي سياق متصل قال محفوظ، إن بريطانيا تُعد من الدول المتقدمة تقنياً في مجال التحقيق في حوادث الطيران، لامتلاكها فرع التحقيق في الحوادث الجوية (AAIB)، وهو جهاز معروف عالمياً بخبرته الواسعة وتجربته الطويلة في هذا المجال. معتبراً أن السيناريو الحالي المتعلق بحادثة سقوط الطائرة “مزعج للغاية”، لأنه ينقل القضية من إطار الوقائع المؤكدة إلى دائرة التكهنات التي قد تتحول مع الوقت إلى فرضيات ملموسة تبحث عن أدلة تثبتها أو تنفيها.
وأوضح أن لجوء الجانب الليبي والتركي في البداية إلى ألمانيا، باعتبارها طرفاً يمتلك قدرات تقنية، ثم صدور اعتذار ألماني عن تحليل بيانات الصندوق الأسود، أدخل القضية في دائرة شكوك لن تنتهي بسهولة.
وأضاف أن هذه الشكوك قد تستمر حتى بعد صدور بيانات الصندوق الأسود، لأن الأسئلة ستظل مطروحة حول مدى اكتمال الحقيقة وشفافية الإجراءات.
وأشار محفوظ، إلى أن فرضية العطل الكهربائي، التي طُرحت في الساعات الأولى من الحادثة على لسان وزير النقل التركي، قد يتم تثبيتها أو نفيها عبر بيانات الصندوق الأسود. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن تطور التقنيات الحديثة يجعل من الممكن – نظرياً – التأثير على الأنظمة أو تعطيلها، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كان العطل الفني قد يكون عرضياً أو مُعداً له مسبقاً.
وأكد أن استمرار رفض الدول التي تمتلك تقنيات متطورة تحليل بيانات الصندوق الأسود أو عرض نتائجها بشفافية، يطرح سؤالاً جوهرياً حول ما الذي ستفعله السلطات الليبية في هذا الملف. معتبراً أن غياب موقف ليبي واضح سيؤكد وجود حالة صراع إقليمي بين أطراف عدة، من بينها تركيا واليونان وإسرائيل وقبرص، إضافة إلى دول فاعلة أخرى لها تأثير في هذه المعادلة، متسائلاً عن موقع ليبيا وسط هذا التشابك الإقليمي.
وتساءل محفوظ: نحن أهالي الضحايا، ونحن من ننتظر الحقيقة والعدالة بشكل سريع وواضح، فما الذي ستقوم به السلطات الليبية في هذه الحالة؟ وأضاف أن اعتذار ألمانيا زرع الشك في أذهان كثير من الليبيين، ما يجعل من الضروري طرح جميع السيناريوهات الممكنة، بما فيها فرضية أن يكون الحادث مدبراً، رغم أن التصريحات الرسمية التركية في البداية تحدثت عن عطل فني وأكدت أن نداءات قائد الطائرة مع برج المراقبة في مطار أنقرة تدعم هذه الرواية.
وبينّ أن تطور الأحداث وظهور الاعتذار الألماني يدفعان إلى إعادة تقييم المعطيات، وطرح أسئلة جديدة. ولم يستبعد، محفوظ، بنسبة ضئيلة قد تتراوح بين 5 و10 في المئة، أن يكون الرفض الألماني ناتجاً فعلاً عن أضرار لحقت بالصندوق الأسود تجعل الإمكانيات المتاحة غير كافية لتحليل بياناته. لكنه شدد في المقابل على أن بريطانيا تمتلك، “قولا واحداً”، القدرة التقنية اللازمة للقيام بهذه المهمة.
وتابع: في حال استمرار الرفض، سواء من ألمانيا أو حتى افتراضاً من بريطانيا، فإن ذلك يعني أن الإشكال لم يعد فنياً بحتاً، بل يتجاوز إلى أبعاد أخرى. وتساءل: “إذا اعتذرت بريطانيا أيضاً، ما الذي سنفعله حينها؟”، معتبراً أن هذا السؤال يجب أن يُطرح بوضوح وصراحة.
ودعا محفوظ، إلى ممارسة ضغط حقيقي على السلطات الليبية، مؤكداً عدم ثقته فيها، ومطالباً باتخاذ موقف مستقل وواضح بعيداً عن الاصطفاف مع أي طرف خارجي، بما في ذلك الموقف التركي. وقال إن الطائرة التي سقطت كان على متنها ضحايا، وإن أهاليهم هم المعنيون أولاً وأخيراً بمعرفة الحقيقة.
وأردف بالقول: إن اتفاقية شيكاغو تُحمّل الدولة التي وقع فيها الحادث، وهي تركيا، مسؤولية أساسية في التحقيق، خاصة أن الطائرة أقلعت من الأراضي التركية قبل دقائق من سقوطها. لكنه حذر من أن انزلاق القضية إلى صراعات بين الدول سيبعد الحقيقة عن أهالي الضحايا، وهو ما يجب تفاديه.
وقال محفوظ، إن ما حدث هو قضاء وقدر، ولا يمكن إعادة الضحايا إلى الحياة، لكن ما نريده اليوم هو الحقيقة فقط، معتبراً أن هذا المطلب لا يخص أهالي الضحايا وحدهم، بل جميع الليبيين.
وأكد أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل الوضع الراهن الذي تمر به ليبيا، في ظل حالة الانقسام الكبير والصراعات المستمرة، ولا سيما في المنطقة الغربية، حيث تشهد البلاد اصطفافات سياسية وعسكرية واضحة يعلم بها الجميع.
ورأى أن الحادثة وقعت في ظرف سياسي بالغ الحساسية، تزامن مع دخول منصب جديد ضمن معادلة سياسية قائمة أساسًا على مبدأ المحاصصة بين الأطراف المختلفة، وهي معادلة جرى الإعداد لها خلال الفترة الماضية.
وأشار محفوظ، إلى أن البلاد كانت على بعد أيام، وربما ساعات، من الإعلان عن تعديل وزاري شامل، يشمل حتى وزارات سيادية، وسط تسريبات متكررة عن وجود حالة من عدم التوافق بشأن عدد من المناصب، من بينها وزارة الخارجية.
واعتبر أن المعلومات المتداولة تفيد بوجود خلاف بين المجلس الرئاسي والحكومة حول حقيبة الخارجية، قبل أن يدخل اليوم منصب رئيس الأركان بدوره في دائرة هذا الصراع. لافتا إلى أن الراحل محمد الحداد، كان شخصية متزنة ومقبولة لدى مختلف الأطراف، وشخصية توافقية بامتياز، ما يجعل مسألة اختيار خليفة له في هذا التوقيت أمرًا بالغ الصعوبة.
وبيّن محفوظ، أن الظرف الحالي لا يُعد ظرفًا مثاليًا، مشيرًا إلى أنه لو كانت ليبيا تعيش حالة من الاستقرار السياسي، لكان الحديث عن شغل منصب رئيس الأركان محكومًا بالمعايير الفنية البحتة، مثل الخبرة العسكرية، والترتيب الوظيفي، والتراتبية، وهي معايير معروفة لدى المؤسسة العسكرية. إلا أن الواقع اليوم – بحسب قوله – يؤكد أن هذه المعايير لن تكون هي الحاسمة، بل ستدخل على الخط معايير أخرى، أبرزها معايير التوازن والمحاصصة الجهوية.
وأشار إلى وجود ثقلين عسكريين وسياسيين بارزين في المنطقة الغربية، موضحًا أن الحداد ينحدر من مدينة مصراتة، في حين أن المكلف برئاسة الأركان، صلاح النمروش، ينحدر من مدينة الزاوية، وهو ما يعكس بوضوح محاولة تحقيق نوع من التوازن بين هذين الثقلين الكبيرين في المشهد الغربي.
وأضاف أن هذا التوازن لا يقتصر على منصب رئاسة الأركان فقط، بل يمتد ليشمل الحكومة ككل خلال المرحلة المقبلة، لافتًا إلى أن الأيام التي سبقت الحادثة المؤلمة شهدت تداول أنباء عن مشاورات جرت مع أطراف في مدينة الزاوية، بعضها كان داعمًا للحكومة وبعضها الآخر معارضًا لها، وكانت لهذه الأطراف مطالب وشروط معينة.
ورأى محفوظ، أن المعادلة السياسية شهدت تغيرًا واضحًا بعد هذه التطورات، ما جعل الوضع الحالي أكثر تعقيدًا، مشيرًا إلى صعوبة إيجاد شخصية قادرة على تحقيق مستوى القبول والتوازن ذاته الذي كان يمثله الحداد.
وأضاف أن منصب رئيس الأركان، بناء على متطلبات المرحلة المطروحة، وما يُتداول حول حالة التغيير، سيُملأ وفق آلية المحاصصة والتوازنات التي تحاول الأطراف الفاعلة في المنطقة الغربية فرضها. موضحا أن قرار التكليف لم يصدر عن النمروش بشكل منفرد، بل جاء نتيجة تشاور واتفاق مسبق على الشخص الذي سيتولى المنصب بديلًا للفريق الفيتوري غريبيل، في إطار المعادلة السياسية والعسكرية القائمة.
وأشار محفوظ، إلى أن البنية القائمة كانت تعتمد على وجود شخصية محورية أساسية لتحقيق التوازن، مؤكدًا أن استمرار هذا التوازن لن يعتمد على عامل واحد فقط، ومشيرًا إلى التساؤل حول الجهة أو الآلية القادرة على ضمان استقراره في المرحلة المقبلة.
ونوه إلى أن المشهد الحالي لا يزال متأثرًا بالصدمة الناتجة عن الحادثة المؤلمة، ما يصعب من التنبؤ بطبيعة الوضع الحالي أو مآلاته القريبة، مرجحًا أن يستمر النمروش في أداء مهامه، سواء بشكل مؤقت نتيجة غياب توافق واضح، أو أن يتحول هذا التكليف إلى وضع دائم.
وبيّن محفوظ، أن هذه القراءة تبقى اجتهادًا في ظل تعقيد المشهد، وأن رئاسة الأركان أصبحت اليوم جزءًا من منظومة المحاصصة القائمة، مما يزيد من صعوبة الحسم بشأن المستقبل.
وشدد على أن إجراء تغيير شامل سيكون صعبًا، موضحًا أن الخيارات المتاحة لإحداث توازن تبقى محدودة رغم تعددها الظاهر، وأن السلطة التنفيذية، على مستوى الرئاسة والحكومة، لا تملك هامشًا واسعًا من الإجراءات لإدارة الملف.
وختم محفوظ، مداخلته بالتأكيد على أن الخلافات القائمة حول بعض القضايا، من بينها وزارة الخارجية وملفات أخرى محتملة، لا توحي بإمكانية حسم الموضوع سريعًا، مؤكدًا أن المشهد العام يشير إلى استمرار حالة التعقيد والتجاذب خلال المرحلة المقبلة.









