الشحومي: ليبيا ليست مفلسة.. وغياب الرقابة والحوكمة يبددان الموارد

قال الناشط السياسي أسامة الشحومي إن الأزمة الاقتصادية والمالية في ليبيا لا تعود إلى نقص الموارد، بل إلى غياب الحوكمة الرشيدة، و”تسييس” المؤسسات السيادية والرقابية، محذّرًا من أن استمرار هذا النهج يهدد ما تبقى من الاستقرار الاقتصادي ويقوّض أي فرص حقيقية للإصلاح.
وأوضح الشحومي، في حديث لتلفزيون “المسار”، أن التأخير المتكرر في نشر تقارير ديوان المحاسبة، والتي تصدر غالبًا بعد نحو عام من انتهاء السنة المالية وتتناول فترات سابقة، يفقدها قيمتها الرقابية، ويفتح الباب أمام التلاعب بالأرقام وتسوية المخالفات بعيدًا عن المساءلة. واعتبر أن منح الديوان لنفسه صلاحية تأخير نشر التقارير يمثل ممارسة سياسية أكثر منها عملاً رقابيًا.
وأشار إلى أن ليبيا ليست دولة مفلسة، مؤكدًا أن الموارد متوفرة، إلا أن سوء الإدارة وغياب الرقابة الفاعلة أدّيا إلى تضخم الدين العام، في ظل إنفاق غير منضبط وغياب الحسابات الختامية.
وكشف الشحومي عن إنفاق ما يقارب 186 مليار دينار خارج إطار رقابة ديوان المحاسبة، دون ميزانيات معتمدة أو رقابة حقيقية، واصفًا الأمر بـ “الخطير”.
وانتقد الشحومي أداء عدد من المؤسسات السيادية، معتبرًا أن ديوان المحاسبة، ومصرف ليبيا المركزي، وهيئة الرقابة الإدارية فقدت حيادها منذ عام 2014، وتحولت إلى أطراف في الصراع السياسي.
وحذّر الشحومي من استبعاد نفقات الحكومة في شرق البلاد من تقارير ديوان المحاسبة، معتبرًا أن ذلك ينعكس سلبًا على دقة الأرقام المعلنة ويشوّه صورة الوضع المالي الحقيقي للدولة أمام الرأي العام.
وفي ملف النفط، أكد الشحومي أن أزمة “المقايضة” لم تكن أزمة فنية أو مالية، بل نتاج صراع سياسي مباشر، مشيرًا إلى أن هذه الآلية تطورت لتدار خارج إطار مصرف ليبيا المركزي.
وأوضح أن الإنفاق عبر المقايضة المباشرة للنفط مقابل الوقود بلغ خلال عام 2024 نحو 9.2 مليار دولار، دون قيود أو إثباتات واضحة في سجلات وزارة المالية، معتبرًا أن هذا المسار كان يستوجب تحقيقًا برلمانيًا شاملاً.
كما انتقد السياسات النقدية المتبعة خلال السنوات الماضية، محمّلًا إياها مسؤولية تدهور قيمة الدينار الليبي، بسبب غياب الشفافية والعدالة في توفير النقد الأجنبي والسماح باستيراد سلع وهمية أو مبالغ في قيمتها. وأكد أن ليبيا تفتقد أدوات فعالة لمكافحة التضخم، وعلى رأسها سياسة سعر الفائدة، داعيًا إلى تبني نموذج اقتصادي واقعي يراعي الخصوصية دون تعطيل أدوات الاقتصاد الحديثة.
وسلّط الشحومي الضوء على ما ورد في تقرير ديوان المحاسبة بشأن عدم إدراج نحو 27 مليار دينار من حصيلة رسوم بيع النقد الأجنبي ضمن الإيرادات العامة لسنة 2024، مطالبًا بتحديد المسؤوليات ومحاسبة جميع المتورطين دون استثناء.
وشدد الشحومي على أن أي إصلاح اقتصادي سيظل محدود الأثر ما لم يُحسم الانقسام السياسي وتتوحد مؤسسات القرار والإنفاق والرقابة، مؤكدًا أن استمرار وجود حكومتين ومصرفين مركزيين وهيئات رقابية منقسمة هو السبب الجوهري لما تعانيه البلاد اليوم.
وفي ختام حديثه، عبّر الشحومي عن عدم تفاؤله بتحسن الأوضاع في المدى القريب، محذرًا من أن العام الجديد لا يحمل مؤشرات جدية على تصحيح مسار الإنفاق أو ضبط المالية العامة، مؤكدًا أن الاستمرار في استخدام الأدوات نفسها سيقود إلى النتائج ذاتها، وأن الخاسر الأكبر من “تسييس” المؤسسات وغياب الحوكمة سيظل المواطن والاقتصاد.









