الغرياني: توحيد المؤسسات شرط أساسي لأي تسوية في ليبيا

أكد الناشط السياسي، عبد الله الغرياني، أن مخرجات الحوار المهيكل المنتظر الإعلان عنها خلال الجلسة الختامية، لن تكون كافية لإحداث تغيير فعلي على الأرض ما لم تسبقها عملية سياسية شاملة تقود إلى توحيد المؤسسات والسلطات في ليبيا، مشدداً على أن المواطن الليبي يدرك منذ البداية أن هذه المخرجات لا تتمتع بصفة الإلزام القانوني ولا تمتلك أدوات التنفيذ المباشر.
وأوضح الغرياني، خلال تصريحات على قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها “الساعة 24” أن الإطار الذي تأسس عليه الحوار المهيكل، اتسم منذ انطلاقه بالاتساع والتعقيد وطول المدة الزمنية، الأمر الذي جعله غير قادر بمفرده على إنتاج حلول حاسمة للأزمة الليبية، مبيناً أن البلاد تحتاج أولاً إلى ترتيبات سياسية واقعية تفضي إلى توحيد المؤسسات قبل الانتقال إلى تنفيذ أي توصيات أو مخرجات تصدر عن مختلف المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وأشار إلى أن الدعوات المطالبة بتوحيد المؤسسات سبقت التحرك الأمريكي الذي يقوده المبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا، مسعد بولس، مؤكداً أن أي مخرجات سياسية أو اقتصادية أو أمنية ستظل ثقيلة ومعقدة وتحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة وسلطة موحدة قادرة على تطبيقها، لافتاً إلى أن اللقاءات التي احتضنتها باريس وروما وعدد من العواصم الأخرى شكلت خطوات تمهيدية في هذا الاتجاه قبل أن تحظى بدعم أمريكي مباشر عزز فرص التقدم نحو التوافق.
وأضاف أن بولس، أوضح منذ بداية تحركاته أن المسارات الاقتصادية والسياسية والأمنية تصب جميعها في هدف واحد يتمثل في التوحيد السياسي والمؤسسي، معتبراً أن مخرجات اللجان الاقتصادية وغيرها من المسارات ستظل بحاجة إلى إطار سياسي موحد يضمن إمكانية تنفيذها وتحويلها إلى واقع عملي.
وفيما يتعلق بإصرار بعض المشاركين على تضمين تحفظاتهم في التقرير الختامي، رأى الغرياني، أن بعثة الأمم المتحدة تسعى إلى الحفاظ على خصوصية المسار الأممي وإبراز استقلالية دورها رغم وجود تقاطعات مع المبادرات الدولية الأخرى، وفي مقدمتها التحرك الأمريكي، موضحاً أنها تعمل في الوقت ذاته على الدفع نحو حلول توافقية تحظى بدعم دولي وإقليمي.
وأكد أن الدعم الذي حظيت به التحركات الأمريكية من عدد من الدول الأوروبية والغربية يعكس وجود إرادة دولية لدفع الحل السياسي في ليبيا، مشيراً إلى أن الجهود تشمل المسارات العسكرية والاقتصادية والسياسية، بما في ذلك اجتماعات مجموعة “4+4+4″، التي شهدت سلسلة لقاءات في أكثر من دولة حول القوانين الانتخابية والسلطة التشريعية والإدارة العامة للدولة.
وأضاف أن تكرار الاجتماعات بين الأطراف المختلفة يعكس رغبة في بناء توافقات تدريجية ومعالجة الملفات العالقة، مبيناً أنها أسهمت في تقريب وجهات النظر وفتح مساحات للحوار حول الإشكاليات السياسية والمؤسساتية.
وشدد الغرياني، على أن تنفيذ مخرجات الحوار المهيكل سيظل بالغ الصعوبة في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، موضحاً أن وجود حكومتين وسلطات متوازية يجعل تحويل التوصيات إلى إجراءات عملية أمراً معقداً، مؤكداً أن التنفيذ يتطلب حكومة موحدة وسلطة تنفيذية قادرة على إدارة المؤسسات.
كما أشار إلى أن عدداً من الملفات الجوهرية ما يزال محل خلاف، من بينها المناصب السيادية وتوحيد المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، معتبراً أن معالجتها شرط أساسي لأي تسوية مستقبلية.
وأوضح أن مخرجات الحوارات المختلفة، بما فيها تلك التي جرت برعاية دولية وإقليمية، تحتاج إلى بيئة مستقرة قائمة على توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وإنهاء الانقسام والتغول المسلح، باعتبار ذلك المدخل الحقيقي لتنفيذ أي اتفاقات.
وفي السياق ذاته، أكد الغرياني، أن مخرجات الحوار المهيكل لا تحمل صفة الإلزام ولا يمكن أن تحل محل المؤسسات الرسمية، مشدداً على أنها تظل في إطار المقترحات التي يمكن للسلطات تبنيها أو الاستفادة منها.
وأشار إلى أن مجلس النواب والحكومة يظلان المؤسستين المعول عليهما للخروج من الأزمة، لافتاً إلى أن الحوار المهيكل لا يمكن أن يكون بديلاً عنهما أو يفرض التزامات مباشرة عليهما.
وتطرق الغرياني، إلى مسار “4+4+4″، معتبراً أنه الأكثر أهمية لمعالجة الملفات الجوهرية التي عطلت العملية الانتخابية منذ 2021، موضحاً أنه يناقش القوانين الانتخابية ومستقبل السلطة التنفيذية والتشريعية.
وأضاف أن الاجتماعات المتتالية في روما وتونس وغيرها تؤكد تطور هذا المسار إلى مشاورات مستمرة تضم ممثلين عن مجلسي النواب والدولة وشخصيات سياسية، بما يعكس وجود رغبة في التوصل إلى تفاهمات قابلة للبناء عليها.
ورأى الغرياني، أن هذه الحوارات تنتج مقترحات يمكن للسلطات تبنيها لاحقاً، غير أن تنفيذها يظل مرهوناً بالتوافق السياسي وتوحيد المؤسسات، مؤكداً أن أي مخرجات لن تكون قابلة للتطبيق في ظل استمرار الانقسام.
وفيما يتعلق بالانتخابات، أوضح الغرياني، أن الوصول إليها يتطلب معالجة الإشكاليات البنيوية للدولة، لافتاً إلى أن المؤسسات القائمة تمتلك مبادرات اقتصادية وسياسية ومشاريع مصالحة، غير أن نجاحها يحتاج إلى بيئة أكثر استقراراً.
وأكد أن السنوات الماضية شهدت استقطاباً سياسياً حاداً عمّق فجوة الثقة بين الأطراف، ما يستدعي تعزيز التوافق الوطني وتوحيد المؤسسات باعتباره المدخل الأساسي لأي تسوية مستدامة.
ولفت الغرياني، إلى أن التحركات التي يقودها مسعد بولس، أصبحت جزءاً من الإطار الدولي لمعالجة الأزمة، موضحاً أن الاجتماعات التي تُعقد ضمن صيغة “4+4+4” تتم بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة، بما يعكس تقاطع المسارين الأممي والأمريكي.
وأشار إلى أن أهمية هذه اللقاءات تكمن في إشراك الأطراف الفاعلة على الأرض، بما في ذلك القوى ذات النفوذ السياسي والأمني والعسكري، مؤكداً أن أي تسوية لا يمكن أن تنجح دون إشراكها.
وأضاف أن المشهد الأمني في طرابلس، ما يزال متأثراً بالتنافس بين القوى المختلفة، ما يجعل الحاجة إلى التوافق أكثر إلحاحاً، مشيراً إلى أن بعض التفاهمات الأمنية تمثل خطوات نحو تخفيف التوتر.
وحول الجدل بشأن المبادرات الدولية، قال الغرياني، إن التحرك الأمريكي أثبت قدرة على التعامل مع الواقع الليبي عبر التواصل المباشر مع الأطراف الفاعلة، مشيراً إلى أنه دفع نحو حوارات أكثر واقعية.
وأوضح أن الأمم المتحدة أدركت لاحقاً أهمية إشراك القوى المؤثرة، وأصبحت تتعامل مع هذا المسار ضمن الجهود الدولية الرامية لدفع العملية السياسية.
وفي ملف الهجرة غير النظامية، أكد الغرياني، أنها من أبرز التحديات التي تواجه ليبيا، مشدداً على أن معالجتها تتطلب توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية وأجهزة إنفاذ القانون تحت سلطة واحدة قادرة على إدارة الحدود.
وانتقد الغرياني، أداء مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، معتبراً أن بعض الإجراءات ساهمت في زيادة تدفقات الهجرة نحو ليبيا، داعياً إلى إخضاع أنشطة المنظمات الدولية لرقابة الدولة.
وأشار إلى أن معالجة الهجرة لا تنفصل عن الانقسام السياسي، موضحاً أن تعثر العملية الانتخابية عام 2021 ساهم في تفاقم الأزمة، وأن استمرار الانقسام أضعف إدارة الحدود ومكافحة التهريب.
ورحب الغرياني، بالإجراءات الأمنية المتخذة لمكافحة الهجرة غير النظامية، لكنه شدد على أن الترحيل وحده لا يكفي لمعالجة الظاهرة، في ظل محاولات متكررة للعودة عبر طرق مختلفة.
وختم الغرياني، بالتأكيد على أن الحوار المهيكل يمثل جزءاً من مسار أوسع متعدد الاتجاهات، وأن المبادرات الدولية، بما فيها الأمريكية والأممية، باتت تتقاطع ضمن عملية سياسية واحدة تهدف إلى توحيد المؤسسات والوصول إلى تسوية قابلة للتنفيذ على الأرض.









