الدينالي: مجلس الدولة استخدم ملف المفوضية لفرض أمر واقع على البرلمان

قال الناشط السياسي سعد الدينالي، إن ما جري بشأن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات لا يمكن فصله عن حالة الانقسام السياسي المستمرة، معتبرًا أن الخلاف القائم يمثل “عملية تعميق للأزمة” وصناعة متعمدة لعرقلة المسار السياسي في البلاد.
وأوضح الدينالي، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها الساعة24 أن المفوضية في جوهرها جهاز فني تنفيذي يتولى الإشراف على العملية الانتخابية، إلا أنها تحولت، بموجب اتفاق بوزنيقة، إلى أحد المناصب السيادية التي جرى التوافق عليها بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، وهو ما جعلها عرضة للتجاذبات السياسية.
وأشار إلى أن ما يحدث اليوم يعكس استمرار النهج ذاته الذي اعتاد عليه الليبيون من المجلسين، والمتمثل في إدارة الخلافات بطريقة تؤدي إلى تعطيل أي تقدم نحو الانتخابات.
وأضاف الدينالي، مع احترامه لمجلس النواب، أن الجدل الحالي لا يمكن فصله عن عمل اللجنة المشتركة التي ضمت أعضاء من النواب والدولة، والتي ناقشت ملف المفوضية إلى جانب باقي المناصب السيادية، موضحًا أن ما تسرّب من معلومات يفيد بأن اللجنة توصلت إلى اتفاق يقضي بتغيير إدارة المفوضية.
وبيّن أن المجلس الاستشاري يستند في إجراءاته إلى اتفاق بوزنيقة، ويؤكد أن ما قام به يدخل ضمن صلاحياته القانونية، حيث تم اتباع آلية اختيار تبدأ بترشيح سبعة أسماء، ثم تقليصها إلى ثلاثة، ومن ثم اختيار اسم واحد يُحال إلى مجلس النواب لاعتماده، باعتبار أن القرار النهائي يبقى بيد البرلمان.
وأكد أن المسار الطبيعي، وفق الاتفاق السياسي، يقتضي أنه في حال رفض مجلس النواب للمرشح، يتم الرجوع مجددًا إلى لجنة مشتركة من المجلسين، ما يعني العودة إلى نقطة الصفر في هذا الملف.
وقال الدينالي، إنه على الصعيد الشخصي كان يفضّل عدم المساس برئاسة المفوضية، معتبرًا أن هذا الملف بالغ الحساسية ويحتاج إلى نقاش معمّق، إلا أن مجلس الدولة يرى أنه يمتلك الحق، وفق اتفاق بوزنيقة، في اختيار رئيس المفوضية وإحالته إلى مجلس النواب لاعتماده.
وكشف الدينالي أن ما جرى في الكواليس يعكس عملية استباقية متعمدة، مشيرًا إلى أن مجلس النواب سبق وأن ناقش مسألة تغيير إدارة المفوضية، حيث حذّر المستشار عقيلة صالح خلال إحدى الجلسات من أن حل المفوضية أو تغيير إدارتها قد يفتح الباب أمام أزمات جديدة، وهو ما دفع المجلس الأعلى للدولة – بحسب تعبيره – إلى التحرك لوضع البرلمان أمام “أمر واقع”.
ورأى الدينالي أن هذه الخطوة، رغم أنها تستند شكليًا إلى مسار قانوني، إلا أنها في جوهرها عملية دقيقة لقطع الطريق على مجلس النواب، واعتبر أن المشهد العام يعكس صناعة أزمة جديدة، مشيرًا إلى أن مجلس النواب لن ينزعج من هذه الأزمة، بل قد يستثمرها ويوسعها بما يؤدي إلى تعطيل المسار الانتخابي.
وحذر الناشط السياسي من أن استمرار هذه الممارسات من كلا المجلسين يمنح المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والبعثة الأممية مبررات حقيقية لتجاوز المجلسين، لافتًا إلى أن شعبيتهما تشهد تآكلًا واضحًا داخل الشارع الليبي.
وتابع: أن البعثة الأممية قد تجد نفسها، في ظل هذا الانسداد، أمام ذريعة قوية لتجاوز الأجسام الحالية، باعتبارها باتت تشكل عائقًا أمام أي مسار سياسي، خاصة بعد أن منحت هذه الأجسام فرصًا متعددة، ومددت المهل أكثر من مرة، دون التوصل إلى توافق حقيقي، سواء بشأن المفوضية أو القوانين الانتخابية.
واعتبر الدينالي أن ما حدث قد يفتح الباب أمام أصوات ليبية متزايدة تطالب بإزاحة هذه الأجسام عن المشهد السياسي، معتبرًا أن استمرار الخلافات الحالية يخدم هذا الاتجاه ويعززه. محذراً من أن الخلافات الحالية حول هذا الملف تسهم في تعميق الانقسام السياسي القائم وتعرقل الوصول إلى الانتخابات.
ولفت إلى أن اختيار أعضاء مجلس إدارة المفوضية يختلف عن اختيار الرئيس، إذ يخضع لتوازنات جهوية، حيث تقوم أقاليم برقة وطرابلس وفزان بتسمية ممثليها مباشرة دون المرور بالسلسلة الإجرائية ذاتها، على أن يبقى القرار النهائي توافقياً، مع ضرورة حصوله على اعتماد مجلس النواب.
وأردف: في حال عدم تصويت مجلس النواب على الاسم المقترح، يتم الرجوع إلى لجنة المناصب السيادية المشتركة بين المجلسين، لإعادة طرح أسماء جديدة وبدء الإجراءات من جديد، وفق ما ينص عليه اتفاق بوزنيقة.
واعتبر أن ما يجري حالياً يبدو من الناحية الشكلية قانونياً ومنطقياً، إلا أن توظيف الخلافات السياسية القائمة في هذا التوقيت يمثل، في جوهره، محاولة لتعميق الانقسام وإقحام المفوضية في الصراع السياسي، وهو ما وصفه بـ “الأمر غير المناسب” في مرحلة يفترض أن تهيئ للانتخابات.
ودعا الدينالي المؤسستين “النواب والدولة” إلى إعلاء الحس الوطني، وتجنب تغليب الحسابات الضيقة والخلافات الحساسة التي قد تقود البلاد إلى أزمات أعمق، وتفتح الباب أمام مزيد من التدخل الدولي، بما قد يؤدي إلى تقليص السيادة الوطنية.
وأعرب الدينالي عن أمله في عدم المساس بالمناصب السيادية في الوقت الراهن، والعمل على ترميم إدارة المفوضية بما ينسجم مع المسار الأممي، مؤكداً أن الالتزام باتفاق بوزنيقة يمثل الإطار الأنسب لمعالجة هذا الملف بعيداً عن التصعيد السياسي.
من جهة ثانية حذّر الدينالي من خطورة الزج بالهيئات القضائية والمفوضية العليا للانتخابات في أتون الصراع السياسي القائم، مؤكداً أن أي تشويش أو تجاذب سياسي يطال المفوضية ستكون له انعكاسات خطيرة على حيادها، وقد يؤدي إلى عدم قبول الأطراف المختلفة بنتائج الانتخابات، سواء في مرحلة التنظيم أو عند الوصول إلى الاستحقاق الانتخابي نفسه. مبيناً أن إخراج المفوضية في صورة غير توافقية أو محل خلاف سياسي من شأنه أن يقوّض الثقة في العملية الانتخابية برمتها، داعياً إلى تحييدها بشكل كامل عن المناكفات السياسية.
وأشار إلى أن ليبيا تعيش أزمة عميقة، معتبراً أن البلاد باتت عالقة بسبب قيادات تولّت زمام الأمور دون إدراك حقيقي لحجم التحديات المحيطة، أو لعمق الأزمة الدستورية والسياسية التي أدت إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية وأرهقت كاهل المواطن.
وانتقد الدينالي أداء مجلس النواب والأعلى للدولة، واصفاً أعمالهما بأنها بعيدة عن مستوى المسؤولية الوطنية المنوطة بهما، والتي تقتضي تهيئة الأرضية لحلول شاملة للأزمات السياسية والاقتصادية التي يعاني منها الليبيون.
وأكد أن خطورة المشهد تكمن في انفصال هذه الأجسام السياسية عن الواقع، سواء المحلي أو الإقليمي، في وقت تشهد فيه المنطقة المحيطة بليبيا تجاذبات وصراعات سياسية متسارعة، ما يجعل الوضع أكثر هشاشة.
وشدّد الدينالي على ضرورة السعي الجاد لإنتاج حلول وطنية حقيقية، محذّراً من أن ليبيا أصبحت في قلب معركة إقليمية لا مصلحة لها فيها، وكان بالإمكان تجنبها لو توفرت الإرادة الوطنية الصادقة للتوصل إلى تسوية سياسية مقنعة.
وأضاف أن البلاد تمر بمرحلة متأرجحة وخطيرة، لم يعد فيها الخلاف مجرد تباين في المواقف السياسية، بل تجاوز ذلك إلى تهديد وجودي حقيقي يفتح الأبواب على مصراعيها أمام التدخلات الدولية، في ظل ما وصفه برعونة الأجسام السياسية الحاكمة وانشغالها بصراعات جزئية ضيقة. مؤكداً أن الاستمرار في هذا المسار سيقود البلاد إلى أزمات أكبر، محذّراً من فقدان المزيد من السيادة الوطنية إذا لم يتم تدارك الوضع بشكل عاجل.
ورأى الدينالي أن الشعب الليبي يمتلك القدرة على التغيير والضغط، إلا أن حجم الأزمات الراهنة يجعل من الصعب تحميل الشارع مسؤولية إضافية في هذه المرحلة، ولا سيما فيما يتعلق بملف المفوضية. مؤكدًا أن خروج الشارع عن السيطرة قد يؤدي إلى محاسبة شاملة لكل الأطراف الموجودة على الساحة السياسية. واعتبر أن “الاستفزاز القائم” الناتج عن المماطلة وتمديد الآجال وصناعة الأزمات، لا يعدو كونه أزمات تراكمية يدفع المواطن الليبي ثمنها. وأشار إلى أن صبر المواطن له حدود، وأن الاستمرار في هذا النهج قد يقود إلى انفجار شعبي في أي لحظة. وختم بالتحذير من أن استمرار هذا العجز سيقود حتمًا إلى أزمات أكبر وأكثر تعقيدًا مما تعيشه ليبيا اليوم، داعيًا إلى تحمّل المسؤولية الوطنية قبل فوات الأوان.









