المرعاش: حكومة الدبيبة أوشكت على السقوط
رأى الباحث السياسي كامل المرعاش، إن المظاهرات الجارية في عدد من المدن تبعث على قدر من التفاؤل، مشيرًا إلى أن استمرارها للأسبوع الثالث يعكسانطلاقها من فهم دقيق وعميق للمشهد السياسي والأمني والاقتصادي في البلاد.
وقال المرعاش، في تصريحات متلفزة، أن هذه التحركات الشعبية لا تعبّر عن مطالب فئوية أو مناطقية محدودة، بل يقودها مواطنون يتمتعون بحس وطني عالٍ، نابع من فقدانهم الثقة في حكومة عبد الحميد الدبيبة.
وتوقع المرعاش توسع رقعة المظاهرات لتشمل مدنًا أخرى، لا سيما في غرب ليبيا، معتبرًا أن الأزمة باتت مرشحة للمساس بجميع الليبيين.
وأضاف أن عام 2026 سيكون عامًا مفصليًا وحاسمًا في تاريخ البلاد، في ظل فشل جميع الحلول والمبادرات المطروحة حتى الآن.
كما أشار إلى أن ليبيا لم تعد تعاني مجرد انقسام سياسي، بل وصلت إلى مرحلة “القطيعة”، سواء بين حكومة الدبيبة والواقع الاقتصادي، أو بين المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب.
واعتبر إلى أن جهود النائب العام، رغم أهميتها، تغطي فقط نحو 5% من حجم الفساد الفعلي، وهو ما وصفه بمعدل متدنٍ للغاية مقارنة باتساع الظاهرة، التي تمتد من السجل المدني إلى سرقة أموال المصارف وغيرها من الملفات الحساسة.
وأكد المرعاش أن المشهد الأمني والسياسي في غرب ليبيا يشهد حالة غير مسبوقة من الهشاشة، في ظل فقدان الثقة الكامل بين حكومة عبد الحميد الدبيبة والتشكيلات المسلحة، وهو ما بات يشكّل القاعدة الأساسية للعلاقة بين الطرفين، خصوصًا بعد حادثة اغتيال رئيس جهاز دعم الاستقرار عبد الغني الككلي، وما تردد عن تورط شخصيات مقربة من رئيس الحكومة في حادثة اغتياله.
وبينّ المرعاش أن المال لم يعد وسيلة فعالة بيد حكومة الدبيبة للسيطرة على المشهد، بعد تفكك الثقة بينها وبين الميليشيات، مشيرًا إلى أن محاولات الدبيبة إنشاء تشكيلات موالية له مباشرة باءت بالفشل الذريع، خصوصًا بعد إخفاقه في تحجيم قوة الردع التي ما تزال تسيطر على المطار الوحيد العامل في طرابلس.
وتابع: حالة التكالب بين الميليشيات لم تعد تقتصر على النفوذ الأمني، بل امتدت لتشمل السيطرة على المؤسسات المالية والشركات العامة، التي خرجت عمليًا عن سلطة الحكومة، بعد أن مهدت التشكيلات المسلحة لذلك عبر بسط نفوذها على مفاصل اقتصادية حيوية.
وأكد المرعاش أن حكومة الدبيبة تمر اليوم بمرحلة ضعف شديدة، وهو ما شجّع على تصاعد المظاهرات ضدها، لافتًا إلى أن اللافت في المشهد هو غياب رد فعل قمعي من أغلب الميليشيات، بل إن بعض التشكيلات أبدت تعاطفًا واضحًا مع الاحتجاجات، وأصبحت أقرب إلى القبول برحيل الحكومة، مع استمرار ترقبها لهوية البديل القادر على ضمان مصالحها.
ومن جهة أخرى أكد المرعاش أن مدن غرب ليبيا تعيش وضعًا هشًا للغاية، محذرًا من أن استمرار الحراك الشعبي واتساع حاضنته الوطنية قد يقود إلى عصيان مدني، وربما يدفع بعثة الأمم المتحدة وبعض الدول الداعمة لحكومة الدبيبة إلى التخلي عنها.
ولفت المرعاش إلى أن حكومة الدبيبة فقدت تقريبًا كامل قدرتها على التأثير أو الحشد، موضحًا أن “الفزاعات” التي كانت تستخدم سابقًا لتجميع قادة الميليشيات لم تعد فعّالة، ولم يعد أي طرف مسلح مستعدًا للاستجابة لنداءاتها.
وأردف قائلا أن رئيس الحكومة كان يعتمد في السابق على التهديد بمواجهات عسكرية، سواء تجاه الشرق أو ضد الجيش الوطني الليبي، أو عبر التلويح بالمعارك حول الموانئ النفطية، إلا أن هذه الأساليب فقدت تأثيرها، خصوصًا في ظل التطور النوعي الذي شهده تسليح الجيش الوطني، والاستقرار الأمني الذي تشهده مناطق الشرق والجنوب الليبي.
ولفت المرعاش إلى أن الميليشيات أدركت أن ما كان يُروّج له تحت مسمى “حكم العسكر” لم يكن سوى ذريعة سياسية، وأن الواقع الميداني أثبت عكس ذلك، لا سيما مع حالة الاستقرار التي تنعم بها مناطق واسعة من البلاد.
وأضاف أن حالة الارتباك والضعف التي تمر بها حكومة الدبيبة دفعتها للبحث عن داعم سياسي جديد، ولم تجد سوى تيار الإخوان المسلمين، الذي عاد للتحرك بعد فترة من الجمود، معتبرًا أن استمرار الحكومة يمثل “أفضل سيناريو” لهذا التيار.
ونوه المرعاش، إلى أن أبرز الأصوات الداعمة للحكومة حاليًا هو المفتي المعزول، إلا أن تأثيره تراجع بشكل كبير، ولم تعد فتاواه “الدموية والكارثية” تحظى بالاستجابة كما في السابق، وهو ما اعتبره “مكسبًا مهمًا لاستقرار ليبيا”.
وأكد المرعاش أن هذا التراجع يمثل أيضًا دعمًا متزايدًا للجيش الوطني، وانكسارًا واضحًا لتيار الإخوان المسلمين، الذي يسعى – بحسب قوله – لإبقاء البلاد في حالة فوضى وانهيار دائم. مشيراً إلى أن الأخطاء السياسية والإدارية التي ارتكبتها حكومة الدبيبة أسهمت في رفع مستوى الوعي الشعبي، مشيرًا إلى أن الشارع الليبي بات أكثر إدراكًا لغياب المشروع الوطني لدى كل من الحكومة الحالية، والمفتي المعزول.
وأضاف أن الفساد المستشري داخل الحكومة، وعجزها عن تلبية مطالب العمال، وتآكل الثقة العامة، كلها عوامل عمّقت هشاشتها وجعلت من سقوطها مسألة وقت فقط، على حد تعبيره. ورغم ذلك، أشار المرعاش إلى استمرار دعم بعض الدول الأجنبية لحكومة عبد الحميد الدبيبة، مؤكدًا أن هذه الدول تسعى للحفاظ على الوضع الراهن وتحويل ليبيا إلى ما وصفه بـ”دولة فاشلة”.
وفي السياق، دعا المرعاش إلى توجيه الحراك الشعبي ليس فقط ضد الحكومة، بل أيضًا نحو بعثة الأمم المتحدة وسفارات الدول الداعمة لها، لافتًا إلى تركيا وبريطانيا بشكل خاص، معتبراً أن لكلتيهما “دورًا مزدوجًا” و”خبيثًا” في المشهد الليبي.
وأكد المرعاش أن حكومة الدبيبة “أوشكت على السقوط”، مرجحًا أن يحدث ذلك خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، في ظل تراجع قدرتها على التحكم بالمشهد السياسي والأمني.
من جهة ثانية، أكد المرعاش أن جزءًا كبيرًا من الأزمة التي تعيشها المفوضية الوطنية العليا للانتخابات يعود إلى رئيسها، الذي ساهم – بحسب قوله – في إدخال المؤسسة الفنية والتقنية في صراعات سياسية أبعدتها عن دورها الأصلي في إدارة العملية الانتخابية والإشراف عليها.
ورأى المرعاش أن المفوضية لم تعد هيئة مستقلة ومحايدة، بل تحولت إلى كيان سياسي، مع انخراط رئيسها في “معترك سياسي” عبر لقاءات مع سفراء أجانب، في الوقت الذي امتنع فيه عن اتخاذ القرارات والإجراءات التي تفرضها عليه مهامه الرسمية، ما ظهر جليًا خلال الاستحقاقات الانتخابية المتعثرة.
وأضاف أن المسؤولية لا تقع على رئيس المفوضية وحده، إذ يتحمل مجلس النواب جزءًا من اللوم، نتيجة تركه فراغات داخل المفوضية وعدم حسم وضعها القانوني والإداري في الوقت المناسب، ما فاقم حالة الارتباك المؤسسي. واعتبر أن الوقت بات متأخرًا لمعالجة هذه الإشكاليات.
وفيما يخص خطوة المجلس الأعلى للدولة، وصف المرعاش هذه التحركات بأنها “مناورة سياسية فاشلة”، متوقعًا عدم نجاحها، ومشيرًا إلى أن البعثة الأممية ستكون أول من سيتصدى لها، إلى جانب ردود مرتقبة من دول مؤثرة تعيد الأمور إلى حجمها الطبيعي.
وانهى المرعاش مداخلته مؤكدا على أن الحديث عن تغيير المفوضية ما يزال سابقًا لأوانه، معلنًا توافقه مع رأي المستشار عقيلة صالح بالإبقاء عليها في وضعها الحالي كرمز مؤقت، إلى حين التوصل إلى توافق سياسي شامل يمهد لإجراء الانتخابات.









