«ددش»: «المركزي» عاجز أمام السوق الموازي.. والاقتصاد بات رهينًا للمضاربين

قال الخبير المصرفي، فوزي ددش، إن انخفاض قيمة الدينار الليبي أمام الدولار في السوق الموازي، يعكس اختلالات عميقة في السياسات النقدية وغياب الاستقرار المؤسسي، موضحاً أن السعر الرسمي للدينار يبلغ 6.40 دينار، بينما وصل سعر الصرف في السوق الموازي خلال الأيام الماضية إلى نحو 9 دنانير نقدًا، وأحيانًا إلى 10 دنانير بالشيك، ما يمثل فجوة تصل إلى 35% بين السعر الرسمي وسعر السوق، دون مبررات اقتصادية واضحة.
وأضاف «ددش»، في تصريحات لتلفزيون «المسار»، ورصدتها «الساعة24»، أن الطلب على النقد الأجنبي في السوق الموازي غير حقيقي؛ بمعنى أنه لا يرتبط باحتياجات فعلية للسلع والخدمات، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من الاعتمادات الممنوحة للشركات الاستيرادية يُسرب إلى السوق الموازي ويُستخدم للمضاربة، بينما تصل نسبة بسيطة فقط من البضائع المستوردة إلى السوق المحلي.
وبين أن هذه الظاهرة جعلت السوق الموازي يتوسع بشكل كبير، ويزيد التفاوت في القدرة الاقتصادية بين الأفراد، مما يعقد الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، لافتاً إلى أن إمكانيات المضاربين في السوق الموازي تفوق قدرة مصرف ليبيا المركزي على التحكم فيها، بسبب هيكل السوق غير المنظم واستغلال بعض التجار لأرصدة ضخمة، بالإضافة إلى ضعف الثقة بين المواطنين والمؤسسات المصرفية، ما دفع كثيرين للتعامل مع السوق الموازي بدل القطاع المصرفي الرسمي.
وأوضح أن العملاء باتوا يبحثون عن سعر الخدمة وتكلفتها أكثر من جودة الخدمة أو سرعة تنفيذها، ما أدى إلى عزوفهم عن التعامل المباشر مع المصارف.
وحول إمكانية سد الفجوة السعرية بين السوق الرسمي والموازي، قال: إن البنك المركزي، مجتمَعًا بمجلس إدارته، يمكنه إقرار إصلاحات جدية تشمل تعديل السياسات النقدية وتنسيقها مع السياسات المالية والتجارية، مؤكدًا أن التنسيق بين هذه القطاعات ضروري لتحقيق الاستقرار النقدي وحماية الاحتياطيات، وتقليص الطلب غير الحقيقي على الدولار.
وأشار إلى أن الإجراءات الرمزية مثل إغلاق الأسواق لفترات محدودة لم تحقق أي تأثير على استقرار السوق.
وعن قضية الميزانية الاستيرادية، قال: إن فتح الاعتمادات بشكل غير منظم أدى إلى استفادة عدد محدود من التجار أصحاب الأرصدة الكبيرة، ما ساهم في انتشار الفساد وتعزيز نشاط السوق الموازي.
وأوضح أن المصارف يجب أن تتبع آليات دقيقة للعناية الواجبة مع العملاء المشتبه في معاملاتهم، والإبلاغ عن الحالات غير الطبيعية للجهات المختصة، بما يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية لمكافحة غسل الأموال وتهريب النقد.
وأكد أن معالجة الأزمة الحالية تتطلب تغييرات جذرية في السياسات، بما في ذلك إصدار منشور قريب من البنك المركزي لتقليص الاعتمادات إلى حد معقول، وتحفيز الجهات الحكومية على زيادة الإنتاج وتنويع مصادر الدخل لتقليص الاعتماد على الاستيراد وتخفيف الضغوط على سعر الصرف.
وشدد على ضرورة تعاون الأجهزة الرقابية والمواطنين والمصالح العامة لمكافحة الفساد، الذي أصبح جزءًا من سلوك بعض الفاعلين في السوق، مؤثرًا سلبًا على الاقتصاد والوضع الأمني والاجتماعي في البلاد.
وأكد أن الاقتصاد الليبي يواجه تحديات كبيرة نتيجة الاعتماد شبه الكامل على النفط، مشيرًا إلى أن هذا الاعتماد يجعل أي إصلاح اقتصادي شامل أمرًا صعب التحقيق.
وأضاف أن استمرار مخالفة الإجراءات المعلنة وعدم وضوح الأطر الزمنية للإصلاحات، مثل استمرار العمل بمرسوم الضريبة الذي كان من المفترض أن ينتهي في 2024، يضع الاقتصاد في حالة من عدم الاستقرار ويضعف ثقة المواطنين في السياسات الحكومية، مشيرًا إلى استمرار بعض الإشكالات في إدارة المحروقات رغم تصريحات المؤسسة الوطنية للنفط بخصوص الوضع في مارس 2025.
ولفت إلى أن الاعتماد على النفط يشكل حوالي 95% من النقد الأجنبي، وأن أي خلل في البيانات بين البنك المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط يؤدي إلى تدني الاحتياطيات النقدية، مما يعيق قدرة البلاد على النهوض اقتصاديًا وسياسيًا.
وأكد أن هذه التبعية تجعل الاقتصاد الليبي عرضة لتقلبات الأسعار العالمية ويزيد المخاطر على الوضع الاقتصادي والسياسي والأمني.
ودعا «ددش»، إلى وضع استراتيجية شاملة للاستفادة من الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي لليبيا، بما يتيح تنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط. وانتقد التفاوت الكبير في الرواتب بين موظفين يتقاضون عشرات الآلاف وآخرين يحصلون على مبالغ قليلة، مؤكدًا ضرورة الشفافية وتحديد رواتب عادلة وفق التخصصات النادرة والمسؤوليات الحقيقية.
كما أكد أهمية وضع الاقتصاد الليبي في مسار واضح، مع الالتزام بالمعايير الدولية، وتنويع الموارد، ومراعاة العدالة والشفافية في التوظيف والرواتب، لتجنب المزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين.









