«العبار»: توقيف مضيفة جوية يحوّل ملف طائرة «الحداد» من فني إلى سياسي

قال المحلل السياسي، صلاح العبار، إن نتائج فحص الصندوق الأسود لطائرة محمد الحداد، ستظل العامل الحاسم في توضيح حقيقة ما جرى، مشدداً على أن توقيف مضيفة جوية في أحد فنادق إسطنبول، دون مبررات فنية واضحة لتغييرها، ساهم في تحويل القضية من الإطار الفني لملف سياسي واسع النطاق، لا تزال تداعياته مفتوحة على عدة احتمالات.
وأضاف «العبار»، في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، ورصدته «الساعة24»، أن الاشتباه بإحدى المضيفات، والتحقيق معها يثير علامات استفهام عديدة، سواء من الناحية الفنية المتعلقة بالطيران أو من الزاوية السياسية المرتبطة بتطورات التحقيقات التركية، موضحاً أن الطائرة المعنية مؤجرة وليست رحلة مجدولة، وهي طائرة خاصة بالدولة الليبية، ما يجعل تغيير طاقم الضيافة أمراً غير مبرر فنياً.
وبينّ أن أنظمة الطيران المعروفة بـ«الليميتيشن» والتي لا يجوز للطائرة أو الطيار تجاوزها لضمان سلامة الرحلة، يتم خلالها تحديد ساعات الطيران المسموح بها للكابتن، وطاقم الضيافة، ويُستبدل الطاقم عادة في الرحلات الطويلة، وليس في رحلة تسير على خط واحد فقط.
وأشار إلى أن تغيير المضيفة الجوية في هذه الحالة يطرح علامة استفهام كبيرة، لعدم وجود مبرر فني واضح، إلا في حال حدوث طارئ صحي لم تعلنه الحكومة التركية رسمياً، مبينا أن الحكومة التركية بدأت بتسريب معلومات متدرجة حول القضية، بدءاً بالإعلان عن أضرار كبيرة في الصندوق الأسود، وصولاً إلى إعلان التحقيق مع مضيفة جوية من الجنسية اليونانية القبرصية، مع ورود إشارات إلى أطراف أخرى بينها روسيا.
وأكد أن دخول جنسية المضيفة على خط القضية منحها بعداً سياسياً إضافياً، لا سيما في ظل الخلافات المعروفة بين تركيا واليونان، مع الحديث عن دور إسرائيلي محتمل، ما يعكس رسالة تركية مفادها بأن التحقيقات تتجه نحو فرضية وجود مؤامرة ضد تركيا، مع خيوط تقود إلى أطراف إقليمية محددة.
وأوضح أن الرحلة التي أقلّت الحداد والوفد المرافق له على متن طائرة مستأجرة تثير تساؤلات جدية على المستويين الأمني والسيادي، خاصة أن ليبيا تمتلك طائرات حكومية مخصصة لمثل هذه المهام، أو يمكنها استئجار طائرة عبر شركة وطنية تحت إشراف الجهات المختصة، بما في ذلك أجهزة الأمن وسلامة الطيران.
وتساءل «العبار»، عن أسباب إدارة هذه الرحلة خارج الأطر المعتادة، معبّراً عن استغرابه من غياب أو تجاهل دور أجهزة الاستخبارات الليبية، سواء المدنية في طرابلس أو العسكرية، في الموافقة أو الاعتراض على سفر شخصية عسكرية بهذا المستوى.
كما طرح تساؤلات حول دور وزارة الداخلية الليبية، والإجراءات الأمنية المتبعة، والجهة التي قامت بتفتيش الطائرة قبل إقلاعها من ليبيا، معتبراً أن المعلومات المتعلقة بسجل الطائرة الفني وتاريخ صيانتها وملفها الأمني غير معلنة عادة.
وحول التحقيقات الدولية، أكد أن تركيا، بوصفها دولة وقع الحادث على أراضيها، لها الحق القانوني وفقاً لقواعد منظمة الطيران المدني الدولي (الإيكاو) في الإعلان عن ملابسات الحادث والصندوق الأسود، مع وجود علامات استفهام حول بعض التصريحات ورفض إشراك أطراف معينة، معتبرًا أن أنقرة تسعى لإصدار نتائج التحقيق من طرف محايد لتعزيز مصداقيتها.
وأشار إلى أن تركيا تمتلك معلومات وشكوكاً حول الحادث، لكنها تفضل تأكيدها من جهة مستقلة، داعياً إلى شفافية أكبر من الجانب الليبي في التعامل مع القضية.
وأشار إلى أن الحالة السياسية والمؤسساتية في ليبيا تعكس تحديات كبيرة في التعامل مع القضايا الدولية الحساسة، خصوصاً المتعلقة بالتحقيقات الجنائية وحوادث الطيران.
ورأى «العبار»، أن المؤسسات الليبية، بما فيها المخابرات العامة، تفتقر إلى الأدوات السياسية والتقنية اللازمة للتعامل مع هذه الملفات، وأن ضعف الإرادة السياسية يؤثر بشكل مباشر على قدرة الدولة على إدارة هذه القضايا، بما فيها حماية مصالح المواطنين الليبيين خارج البلاد.
وتابع: تركيا تتعامل بدقة ووعي مع حساسية الموقف، ولم تسلم جميع ملفات التحقيق إلى الجانب الليبي بسبب الظروف الأمنية في ليبيا، خصوصاً في مناطق مثل طرابلس، معتمدة على تسريب ممنهج للمعلومات وفق استراتيجية للتحكم في السيناريو الإعلامي، في ظل الوضع الإقليمي المتوتر، الذي قد يمهد لما وصفته تركيا بتحركات أشبه بالتمهيد لحرب محتملة.
وتوقع «العبار»، أن يستغرق الكشف عن التحقيقات وقتاً طويلاً، نظراً لتعقيد حوادث الطائرات وتعدد السيناريوهات المحتملة، وأن ليبيا والدول المعنية بحقها في التحقيق يمكنها اللجوء إلى التدابير الدولية إذا شكّت في نزاهة التحقيقات.
وأكد أن الحوادث الجوية ذات الطابع السياسي والدولي حساسة للغاية، حيث يمكن لكل دولة تبني روايتها الخاصة بما يخدم مصالحها، ما يجعل متابعة تطورات التحقيق في حادثة الطائرة الليبية أمراً دقيقاً ومثيراً للاهتمام.









