جبار: الرقابة الأجنبية قد تهدد استقلالية القرار المالي الوطني

أكد المختص في إدارة الأزمات، علي جبار، أن ليبيا ليست استثناءً في التعاقد مع شركات مراجعة ورقابة دولية، مشيرًا إلى أن توقيع مصرف ليبيا المركزي عقدًا مع شركة K2 Integrity، لتولي مهمة الفحص والتدقيق على العمليات المالية للمصرف، ليس الأول من نوعه، حيث سبق أن سلكت دول عربية أخرى المسار ذاته، منها العراق ولبنان، إذ عملت الشركة الأميركية بعقود مالية مع البنك المركزي العراقي ومصارف حكومية أخرى.
وأوضح جبار، في تصريحات لتلفزيون “المسار”، أن الهدف الرئيس من هذه التعاقدات يتمثل في تأمين شفافية المدفوعات الدولية ومكافحة الفساد وغسيل الأموال، مشيرًا إلى أن الامتثال المصرفي يُعد من أكبر التحديات التي تواجه المنظومة المصرفية عالميًا، في ظل خروج بعض الدول عن القواعد الدولية، ما يدفع النظام المصرفي الدولي لمحاولة ضبط هذه المنظومات ومنع استخدامها في تهريب الأموال أو دعم الجماعات المسلحة والإرهاب.
وبيّن أن الشركة الأمريكية لعبت دورًا ملموسًا في تحسين الامتثال المصرفي في العراق، يمكن قياسه بمقارنة أداء البنك المركزي قبل التعاقد معها وبعده، موضحًا أن البنك كان يعتمد سابقًا على نافذة البيع المباشر للعملة الأجنبية، التي كانت تضخ أكثر من 250 مليون دولار يوميًا في السوق المحلية لدعم النشاط التجاري وتغطية الطلب على الدولار، إلا أن هذه الآلية تسببت بفوضى اقتصادية وتسرب واسع للأموال.
وأشار إلى أن العراق أُدرج ضمن القائمة السوداء من قبل جهات دولية بسبب حجم تهريب الأموال، خصوصًا عبر الاستيراد بفواتير ضخمة دون وجود بضائع حقيقية، ما أدى إلى فرض عقوبات من وزارة الخزانة الأميركية، كان من شروط تخفيفها الالتزام الصارم بالامتثال المصرفي.
وأكد جبار، أن دخول الشركة الأمريكية إلى العراق لم يكن خيارًا طوعيًا بالكامل، بل جاء نتيجة ضغوط حقيقية، إذ واجهت المنظومة المصرفية خطرًا بين الاستمرار في حالة التسيب ومواجهة عقوبات أميركية ودولية، أو الاستعانة بشركات رقابية كبرى تفرض مسارات صارمة للامتثال، مشيرًا إلى أن الاستجابة لهذا الخيار كانت إيجابية وحققت نتائج ملموسة.
وأوضح أن نافذة بيع العملة توقفت تدريجيًا منذ بداية عام 2025، مع تشديد إجراءات الامتثال المرتبطة بعمليات الاستيراد وخروج الدولار، في بلد يبلغ حجم استيراده السنوي أكثر من 75 مليار دولار، ما يجعل أي خروج عبثي للعملة الصعبة خطرًا على المنظومة المصرفية وقد يجر عقوبات تمتد إلى دول مجاورة.
وبيّن أن هذه الإجراءات قلّصت بما يزيد على 80% من عمليات تهريب الأموال خارج العراق، وأسهمت في الانتقال إلى مرحلة متقدمة من الامتثال المالي، من خلال تتبع مصدر الدولار والفواتير والموردين، رغم التحدي القائم بين أنظمة تقنية عالية ومنظومة مصرفية متهالكة تحتاج إلى إصلاحات عميقة. كما أشار إلى اعتماد المصارف الوسيطة في دول مثل الأردن والإمارات وماليزيا كعامل مساعد لتعزيز الشفافية في حركة الأموال، مع التأكيد على أن التحديات لا تزال كبيرة في القطاعين المصرفي والمالي.
وشدد جبار، على أن دور الشركة كان محسوسًا خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، إلا أن نجاحه الكامل يتطلب وجود شفافية عالية في تفاصيل العقد، وهو ما يفتقر إليه العراق حاليًا، إضافة إلى قدرة البنك المركزي والمؤسسات المالية على ضبط التدخلات ومعرفة توقيت وآليات تحرك الشركة ومجالات عملها.
ولفت إلى أن الجدل حول استقلالية المنظومة المصرفية في العراق يرتبط بتأثيرات ما يُعرف بـ اقتصاد الظل والضغوط السياسية على حركة الدولار، ما أفرز ظاهرة تعدد أسعار الصرف، بوجود سعر رسمي وآخر موازٍ، وهي إشكالية تتقاطع بدرجة كبيرة مع الواقع الاقتصادي في ليبيا، إلى جانب ضعف البنية المصرفية وتعقيدات عمل البنوك الوسيطة، الأمر الذي فرض على البلدين الانخراط في منظومة الامتثال المالي الدولية.
وقال جبار، إن التوجه الحالي المرتبط بتطبيق مسارات الشركة الأمريكية لا يهدف إلى تطوير القطاع المصرفي داخل بلاده، بقدر ما يركز على تلميع صورة النظام المصرفي خارجيًا أمام الشركاء والمتعاملين الدوليين، ولا سيما فيما يتعلق بالدولار وحركته خارج البلاد.
وأوضح أن الفاعل الأكبر في فرض هذا المسار يتمثل في الخزانة الأميركية والبنك الفيدرالي الأميركي، على خلفية وجود مشكلة تتعلق بتهريب الدولار من العراق إلى دول خاضعة لعقوبات مشددة، ما جعل المصلحة الأساسية تنحصر في السيطرة على الدولار ووضعه تحت رقابة مؤسسات متخصصة للحد من تسربه.
وأشار جبار، إلى أن هذا الواقع أفرز مسارين متوازيين: الأول يتمثل في منظومة مصرفية محلية متهالكة لا تحظى باهتمام حقيقي من المنظومة المصرفية الدولية أو صناع القرار الأميركيين، في حين ينصب الاهتمام على مراقبة خروج الدولار والسيطرة على المنافذ التي يتسرب عبرها إلى الخارج.
وأكد أن ما يجري يمثل قفزًا على أولوية إصلاح الداخل، والانصياع لمنظومة مصرفية عالمية تهتم برقابة الدولار، معتبرًا أن هذا التوجه قد ينجح في الحد من تهريب العملة الصعبة، لكنه لا ينعكس بالضرورة على تنظيم أو إصلاح القطاع المصرفي العراقي في الداخل.
وبيّن أن القطاع المصرفي الخاص في العراق يضم أكثر من 68 مؤسسة مالية، لا تحاول سوى 13 مؤسسة فقط الدخول في المسارات التي تفرضها الشركة، في حين تعجز البقية عن الامتثال نتيجة العقوبات، ما يعني أن التركيز انحصر في مسار واحد يتعلق بخروج الدولار والسيطرة عليه، ومعرفة مصادره ووجهته النهائية.
وختم جبار بالتأكيد على أن المنظومة المصرفية داخل العراق لا تزال عاملًا طاردًا للاستثمارات، وغير قادرة على دعم بناء اقتصادي سليم، في ظل غياب إصلاحات شاملة تعالج الخلل البنيوي في القطاع المالي والمصرفي.
وأشار جبار، إلى أن العراق تعاقد أيضًا مع شركة أميركية أخرى هي «أوليفر وايمان» المتخصصة في الإصلاح المصرفي والتدريب، مبينًا أن «كايتو» تضطلع أيضًا بجانب تدريبي لتأهيل الكوادر المصرفية على معايير الامتثال الدولي، لكنه شدد على أن الإشكالية الجوهرية تكمن في حدود الرقابة والصلاحيات الممنوحة للشركة، ومدى وضوح تقنياتها وآليات التنقيب، مشيرًا إلى أن التفاصيل غير معروفة للرأي العام ومستوى الشفافية في العقد منخفض، ما يثير قلقًا واسعًا.
وأوضح أن التجربة العراقية مع التعاقدات الأجنبية السابقة شابها الكثير من الخلل نتيجة ضعف الرصانة وغياب الحرص الكافي على المصلحة الوطنية، محذرًا من احتمال وجود شروط تتضمن إملاءات خارجية على العراق، ومشيرًا إلى المخاوف الشعبية المشروعة من وجود «عين أميركية» على الأرصدة المالية، معتبرًا أن معالجة تهريب الدولار وتجفيف منابعه تمثل مصلحة وطنية، إلا أن ذلك كان يفترض أن يتم بالتوازي مع إصلاح داخلي حقيقي للمنظومة المصرفية.
وأشار إلى أن آلية العمل الحالية تشبه، إلى حد ما، ما يجري في ليبيا من حيث دور البنك المركزي في الاعتمادات المستندية وتحويل الأموال، موضحًا أن العراق بات يعتمد على نوعين من البنوك الوسيطة، معظمها خارجية، وأن القطاع المصرفي الخاص أصبح مجبرًا على الامتثال لمنظومة مفروضة عبر الشركة الأمريكية، والبنوك الوسيطة، معتبراً أن ذلك يؤثر على سمعة البنك المركزي العراقي.
وتساءل جبار، عن الجهة التي تراقب أداء الشركة الأمريكية، مشيرًا إلى أن الرقابة بحسب المعطيات تعود إلى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وهو ما يعني تراجع الحصة الوطنية في الإشراف على الملف، محذرًا من تكرار أخطاء سابقة نتيجة ضعف الأهلية وغياب الحس الوطني والرقابة الفاعلة.
وأضاف أن الوضع الاقتصادي في ليبيا، لا سيما ما يتعلق بأسعار الصرف المتعددة، يعكس تشابهًا كبيرًا مع تجربة العراق، موضحًا أن وجود سعرين أو ثلاثة لصرف العملة يؤدي إلى اضطرابات واضحة، لا يمكن فهمها إلا ضمن السياق السياسي المعقد والضعف المؤسسي في إدارة الدولة.
وأشار إلى أن غياب اتفاق سياسي موحد لمصلحة البلاد والانطلاق من أسس اقتصادية سليمة يجعل الدولة أمام تشظي كبير في القرار السياسي، مستشهدًا بتجربة البرازيل بين 1981 و1984، حيث أدى تعدد الأحزاب وانقسام القرار السياسي إلى تعطيل الإدارة الاقتصادية، قبل أن تنشأ حكومة تكنوقراط موحدة قادرة على إطلاق مرحلة اقتصادية سليمة.
وأوضح جبار، أن ليبيا تواجه اليوم مشكلات مماثلة، إذ يتم إدارة الاقتصاد بفكر سياسي معاق، ما يؤدي إلى وجود مسارين متوازيين: الأول يديره الدولة رسميًا، والثاني اقتصاد الظل أو الاقتصاد السياسي، الذي يحطم البناء المؤسسي ويولد مسارات نفعية سلبية للغاية، ويزيد من التخبط والترددات الاقتصادية الضارة.
وأكد جبار، أن هذا التشظي السياسي والخلل في إدارة الدولة ينعكس مباشرة على الأداء المالي، بما في ذلك مسألة الإنفاق المزدوج، الاعتمادات المستندية والفواتير الضخمة، مما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي ويجعل أي إصلاح بعيد المدى صعب التحقيق ما لم يتم معالجة جذور الخلل السياسي المؤثر على الاقتصاد.









