اخبار مميزةليبيا

الكاديكي: الأزمة المالية المتراكمة وراء قرار خفض قيمة الدينار الليبي

اعتبر المستشار والخبير الاستراتيجي في التنمية الاقتصادية، خالد الكاديكي، أن خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7% يشكل إجراءً اضطراريًا في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية، مشيرًا إلى أن القرار جاء نتيجة تراكم مشكلات سابقة لم يتم التعامل معها بشكل فعال من قبل مصرف ليبيا المركزي.

وأوضح الكاديكي، في تصريحات لقناة «الوسط»، رصدتها «الساعة 24» أن الاقتصاد الليبي في بداية عام 2026 كان يحتاج إلى انفتاح وتوسع حقيقي، مؤكّدًا أن الأداء السابق للمصرف في عهد الصديق الكبير، ومن ثم ناجي عيسى، ساهم في استمرار الأزمة نتيجة صعوبة معالجة الوضع الاقتصادي وغياب الاستماع للخبراء.

وأشار إلى أن اعتماد السياسة النقدية دون دمج السياسة المالية أدى إلى تفاقم انهيار الاقتصاد، كما شهدته دول أخرى مثل الولايات المتحدة عام 2008، واليونان وإيطاليا ومالطا لاحقًا، بسبب ارتفاع التضخم وانخفاض قيمة العملة المحلية مقارنة بالدولار.

ولفت الكاديكي، إلى أن السياسة الاقتصادية في ليبيا أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالمصرف المركزي، الذي بات يتحكم في تنفيذ القرارات الحكومية وتشريعات مجلس النواب، بما في ذلك الضرائب، مؤكدًا أن هذا الوضع يمثل خطورة كبيرة على الاستقرار الاقتصادي.

وأوضح أن فرض ضريبة بنسبة 27% أدى إلى ارتفاع سعر الدولار، مشيرًا إلى أن مجلس النواب كان قد قرر استخدام الضريبة لسداد الإنفاق العام للدولة، وهو ما ساهم مؤقتًا في حل أزمة محددة، لكنه أعاد التأكيد على أن المصرف استغل الوضع للتحكم بسعر الصرف وفتح المكاتب وعمليات الصرافة دون وضع قيود واضحة على الاعتمادات المستندية أو الرقابة المالية، ما زاد من مشاكل التضخم وتعقيد الوضع الاقتصادي.

وأكد الكاديكي، أن خفض سعر الدينار لم يعالج جوهر الإشكاليات الاقتصادية، بل اقتصر على التعامل مع نتائجها دون معالجة الأسباب الحقيقية، موضحًا أن السياسة النقدية الحالية تعتمد على التحكم بسعر الصرف كأداة لمعالجة اختلالات الموازنة الحقيقية للاقتصاد الليبي.

وأشار إلى أن ارتفاع الضرائب وسداد الالتزامات الحكومية ساهم في التضخم، فيما اقتصرت إجراءات المصرف على أدوات نقدية لا تعالج الاقتصاد بشكل شامل، مما أثر سلبًا على الانتعاش الاقتصادي.

ولفت إلى أن غياب الميزانية الموحدة والانقسام السياسي يمنحان المصرف المركزي تحكمًا كاملًا في السياسة النقدية، وتحديد حجم الإيرادات والنفقات، بما في ذلك مرتبات الموظفين والصادرات والواردات، دون تقييم دقيق لقدرة الدولة المالية، مؤكدًا أن الميزانية هي الأداة الأساسية لتحديد المركز المالي للدولة والسيطرة على السياسة الاقتصادية.

ولفت الكاديكي، إلى أن سعر الصرف أصبح المتغير الرئيس في الميزانية، وأن المصرف هو الذي يحدد العوائد النفطية ويوزعها على القطاعات المختلفة، مضيفًا أن هذه السيطرة لم تكن موجودة في الفترات التي كانت فيها الدولة مستقرة، حيث كانت الإيرادات تُحدد بوضوح في نهاية السنة المالية وتدار وفق خطط واضحة من الشهر الأول إلى الأخير.

وبينّ أن تدخل المصرف في ملفات الضرائب والرسوم هو نتاج فراغ تشريعي وتداخل في اختصاصات السلطات التنفيذية والتشريعية، موضحًا أن فرض الضرائب من صميم مهام الحكومة ومجلس النواب وليس من صلاحيات المصرف.

وأضاف أن المصرف، في ظل غياب حكومات مستقرة، أصبح يتحكم بشكل مباشر في السياسة النقدية والمالية، ما يجعله المواجه الأول للمواطنين والحكومة على حد سواء، رغم غياب سند قانوني واضح، معتبرًا أن هذا التوسع الوظيفي استثنائي وينشأ من الفراغ التشريعي والانقسام المؤسسي.

ولفت الكاديكي، إلى أن غياب الرقابة القضائية حال دون الطعن في قرارات المصرف، مضيفًا أن المصرف استمر في فرض سياسة خفض سعر الصرف والتعامل مع الضرائب كما لو كانت قراراته الخاصة، متجاوزًا التشريعات السابقة، ما أدى إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية وزيادة الاحتكاكات مع الجهات الرقابية مثل ديوان المحاسبة والسلطات التشريعية والتنفيذية.

وأكد الكاديكي، أن استمرار المصرف في هذا الدور يعقد تنفيذ ميزانيات الدولة وتوزيع الاعتمادات، ويضعه في مواجهة مباشرة مع المجتمع والجهات الرقابية، محذرًا من أن استمرار هذه الممارسات بدون إطار قانوني واضح يعمّق أزمات الاقتصاد الوطني ويزيد من هشاشة إدارة المال العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى