العبود: أي تسوية سياسية في ليبيا يجب أن تُدار برعاية أمريكية مباشرة

قال المحلل السياسي، أحمد العبود، إن العالم يشهد حاليًا مرحلة انتقالية معقدة تتسم بالفوضى وعدم اليقين، في ظل محاولات الولايات المتحدة، إعاقة الانتقال من النظام الدولي اَحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب، مؤكدًا أن هذه المرحلة تترافق مع انهيار واضح للمؤسسات الدولية والمبادئ الحاكمة للعلاقات الدولية.
وأوضح العبود، في تصريحات لقناة “ليبيا الأحرار”، أن الأحداث الراهنة لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق التاريخي لتطور النظام الدولي، مشيرًا إلى أن العلاقات الدولية منذ منتصف القرن التاسع عشر قامت على قواعد ومؤسسات بدأت تتآكل بشكل غير مسبوق، ما يستدعي التريث في تقييم التحالفات والصفقات الدولية الجارية.
وأشار إلى أن المرحلة الحالية تشهد تفاهمات دولية محكومة بموازين القوى، لا سيما بين الولايات المتحدة وروسيا، مضيفًا أن الأخيرة تتخذ أحيانًا قرارات استراتيجية تقضي بالتخلي عن بعض الحلفاء لتحقيق أهدافها في أوكرانيا واستعادة نفوذها الجيوسياسي.
وأكد العبود، أن الولايات المتحدة تسعى، بصفتها القطب الذي قاد مرحلة الانفراد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لإعادة تشكيل النظام الدولي بما يخدم مصالحها، مستشهداً بمبادرات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، وانسحاب واشنطن من أكثر من 77 منظمة ومؤسسة دولية، بما فيها محكمة العدل الدولية، في مؤشر على تراجع الالتزام بالقانون الدولي.
وشدد على أن العالم يعيش فعليًا مرحلة “بلا قانون دولي”، حيث تحكم موازين القوة العلاقات الدولية بدلًا من القانون، في ظل تحذيرات وردت في وثائق استراتيجية أمريكية سابقة، من بينها “وثيقة الألفية”، التي توقعت أن مرحلة الانتقال نحو نظام دولي جديد ستكون فوضوية بطبيعتها.
وأكد أن التفاهمات الأمريكية – الروسية الحالية تبقى مرحلية ضمن صراع دولي أوسع بين قوى تسعى لتغيير النظام الدولي ودفعه نحو التعددية القطبية، وبين الولايات المتحدة التي تسعى للحفاظ على مكاسبها الاستراتيجية، لافتًا إلى أن الصراع يُدار عبر ما يعرف بـ”الحروب الهجينة”، التي تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد والعسكرية، مع التركيز الصيني على الموارد الاستراتيجية والممرات المائية والمعادن النادرة.
وحول ليبيا، أوضح العبود، أن البلاد تحتل موقعًا استراتيجيًا مهمًا بالنسبة للولايات المتحدة، نظرًا لمواردها وموقعها في البحر الأبيض المتوسط، مشيرًا إلى أن الانخراط الأمريكي فيها يتم تدريجيًا عبر خطوات محددة تشمل توحيد المصرف المركزي، وتقارب المؤسسات التشريعية والتنفيذية، والتواصل مع القيادة العامة للقوات المسلحة والمجلس الرئاسي، إضافة إلى تنظيم مناورات عسكرية مشتركة، في خطوة تهدف إلى ضمان الحد الأدنى من الأمن والاستقرار.
وأشار إلى أن الملف الليبي قد يكون أسهل نسبيًا من الملفات السورية واليمنية، بسبب تركيز واشنطن على مناطق أخرى، مع متابعة مباشرة عبر مبعوثين مثل مسعد بولس، الذي يعمل على ترتيب القضايا الاقتصادية وتسهيل توقيع المؤسسة الوطنية للنفط لعقود كبيرة مع شركاء أمريكيين، ما يعكس رؤية واشنطن لجعل ليبيا نموذجًا اقتصاديًا واستثماريًا في المنطقة.
وأكد العبود، أن أي تسوية سياسية في ليبيا يجب أن تُدار برعاية أمريكية مباشرة بعيدًا عن الأمم المتحدة، معتبرًا أن الدور الأمريكي محوري في قيادة عملية التسوية وتنفيذها، بما يخدم مصالح واشنطن الاستراتيجية.
وأضاف أن التسويات الجزئية القائمة، مثل توحيد المصرف المركزي وإدارة ملف الطاقة، قد تمهد الطريق لتسوية شاملة تعكس استراتيجية أمريكية تتجنب فشل الأمم المتحدة، مع الاستفادة من المكاسب العملية والمؤسسية التي تحققت في السنوات الماضية.
وأكد أن الهدف الأساسي هو إنتاج دولة موحدة وراسخة في ليبيا، قادرة على إدارة ملفات الطاقة والموارد البحرية، مع سياسات خارجية مستقرة، بما يجعلها نموذجًا للنجاح والاستقرار في المنطقة، ويعزز فرص التسوية الشاملة.









