اخبار مميزةليبيا

الديباني: حكومة الدبيبة تسعى للسيطرة على القضاء عبر سياسة الأمر الواقع

اعتبر المحامي والناشط الحقوقي عبد الله الديباني، أن النقل المؤقت لمقر إدارة التفتيش القضائي إلى مدينة بنغازي، وإعادة تشكيل قيادتها يعكس واقعاً معقداً على سير أعمال التفتيش وضمان الانضباط والرقابة داخل هيئة القضايا.

وأكد الديباني في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24″، أن ما يحدث اليوم يمثل سيناريو متكررًا لفرض التشكيلات المسلحة في طرابلس لسياسة الأمر الواقع، مشددًا على أن هذا الأسلوب يهدف بشكل مباشر إلى تقسيم السلطة القضائية دون أي شك أو جدال.

وأشار إلى فشل لجنة التسوية في الوصول إلى حلول حقيقية بشأن أحكام المحكمة والدائرة الدستورية، فضلاً عن الخلافات القائمة بين المجلس الأعلى للقضاء ومجلس النواب، وهو ما أدى، بحسب قوله، إلى ما وصفه بـ “عملية اعتداء” على المجلس الأعلى للقضاء، تلتها تدخلات إدارة التفتيش القضائي، والتي تقع في نفس موقع المجلس في طرابلس.

ووصف الديباني إجراءات المجلس بأنها “احترازية” لحماية أعماله ومنع تعطيلها، مشيرًا إلى أن إدارة التفتيش القضائي مسؤولة عن مراقبة الأعضاء القضائيين والمحاكم والنيابات وإدارات المحاماة العامة، موضحًا أن هذه الخطوات تمثل محاولة للتدارك الاحترازي في ظل الانقسام الحالي.

وبين أن السلطة القضائية تمر اليوم بمرحلة انقسام مماثلة للانقسام الذي تشهده السلطة التنفيذية، ما قد يؤدي إلى وجود مجلسين للقضاء، مطالبًا النائب العام بتحديد مسؤولياته وإلا فإن ظهور نائب عام جديد يمثل المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي أصبح محتملًا.

وحذر الديباني من أن التصعيد الحالي يأتي مدعومًا من طرف آخر يمتلك تشكيلات مسلحة، وفي ظل غياب كامل للترتيبات الأمنية والتنسيق بين المؤسسات المختلفة، بما فيها المجلس الرئاسي ووزارات الداخلية والدفاع في المنطقة الغربية، مؤكداً أن الفشل الأمني يتيح فرض الرأي العام وفرض سياسة الأمر الواقع.

وأشار إلى أن ما يحدث يندرج ضمن محاولات حكومة الدبيبة لتقسيم السلطة القضائية، بما يتيح لها السيطرة على أي نوع من الرقابة القضائية، خصوصًا فيما يتعلق بالطعون الانتخابية والمنازعات المرتبطة بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية المرتقبة في يونيو القادم، مؤكدًا أن ما يجري الآن هو عملية تقسيم ممنهج للسلطة القضائية لاستغلالها في إطار الصراع السياسي الحالي.

ولفت الديباني إلى أن الحديث عن استقلال السلطة القضائية خلال المرحلة الانتقالية يتطلب قراءة دقيقة، مشيرًا إلى أن بعض الأقوال المتداولة بهذا الخصوص بعيدة عن الحقيقة.

ورأى أن من يدّعي أن استقلال القضاء قائم على أساس دستوري فقط يتلاعب بالألفاظ، لأن التشريعات الليبية – بدءًا من دستور 1951 مرورًا بدستور 1963 والتعديلات اللاحقة، وحتى المواثيق الدستورية في النظام الجماهيري السابق – لم تتضمن إلا مبدأ واحد يتعلق بالفصل بين السلطات.

وأردف أن جميع السلطات القضائية السابقة صُنعت عبر تشريعات صادرة عن السلطة التشريعية، سواء في العهد الملكي عبر البرلمان، أو في العهد الجماهيري عبر مؤتمر الشعب العام، أو بعد فبراير من خلال المجلس الانتقالي والمؤتمر الوطني ومجلس النواب الحالي. وبناء على ذلك أكد الديباني أن ما يقال اليوم حول استقلالية القضاء كعملية تصحيحية تقوم بها المحكمة العليا هو “كلام عاري عن الصحة وذر للرماد في العيون”، لأنه لا يوجد أي نص قانوني واضح ينظم السلطة القضائية سوى المبادئ العامة مثل الفصل بين السلطات، والمساواة أمام القضاء، والحق في الدفاع، والحماية القضائية، وضمان العدالة.

وشدد على أن السلطة القضائية ليست كغيرها من السلطات التنفيذية أو التشريعية، بل هي المكلفة بحماية الدعوة الجنائية والحقوق المدنية، ويعتبر النائب العام الأمين على هذه الدعوة.

واعتبر الديباني أن تقسيم السلطة القضائية سيؤدي إلى نتائج خطيرة، منها تقليص صلاحيات النائب العام، ووجود نائبين يؤدي إلى تناقضات في اتخاذ القرارات، إضافة إلى ظهور مجلس أعلى قضائي آخر، ما سيؤدي إلى ازدواجية في القرارات الإدارية والتنظيمية للمحاكم، ويترتب عليه نوع من الاصطفاء والإجراءات التي ستؤدي في النهاية إلى إهدار حقوق المواطنين.

ورأى الديباني أن كل ما يجري اليوم من إجراءات وقرارات مؤقتة داخل السلطة القضائية يشكل فرضًا للأمر الواقع، ويهدد الاستقرار القضائي ويزيد من تعقيدات المرحلة الانتقالية في ليبيا. مبيناً أن تكليف قيادة جديدة لإدارة التفتيش القضائي يمثل خطوة إدارية هدفها تنظيم العمل داخل المحاكم، إلا أنه يأتي في ظل بيئة قضائية منقسمة، ما يثير تساؤلات حول تأثيره على الثقة العامة في القضاء.

وأكد أن القرار استند إلى أقدمية الموظفين ومنح مدراء إدارات التفتيش القضائي صلاحيات على محاكم الاستئناف الاثني عشر المنتشرة في مختلف مناطق ليبيا، مشيرًا إلى أن هذه الصلاحيات كانت سابقًا مقتصرة على إدارة المجلس الأعلى للقضاء بقيادة مفتاحي، في محاولة لإعادة تنظيم العمل بعد الانقسامات الأخيرة.

ونوه الديباني إلى أن محاكم الاستئناف، مثل محكمة طرابلس، وغرب طرابلس، وبنغازي، والبيضاء، وسبها، ودرنة، والزواية، وغيرها، أصدرت بيانات عدة قبل شهر رمضان، تُظهر رفضها لفرض سياسة الأمر الواقع التي يتبعها رئيس المجلس الأعلى للقضاء، مستغلاً دعم حكومة الدبيبة الحالية، وفق قوله.

وبينّ أن هذه الخطوة، التي يرى فيها تدخلًا من حكومة الدبيبة، تترافق مع شبهات حول لقاءات غير رسمية بين رئيس المحكمة العليا ورئيس الحكومة، في حين أن النطاق القانوني لا يسمح بمثل هذه الاجتماعات.

ولفت الديباني إلى أن هذه الظروف أدت إلى تجاهل عدد من القضايا أمام الدائرة الدستورية وعدم إحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا، ما يعكس إهدارًا محتملًا للحقوق المدنية وضياع متهمين، خصوصًا في ظل وجود نائب عام جديد قد يمثل المجلس الأعلى للقضاء، ما قد يضاعف التعقيدات القانونية ويؤدي إلى ازدواجية في السلطة القضائية وتنظيماتها الإدارية، ويؤثر سلبًا على استقلال القضاء وفعالية الرقابة القضائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى