ليبيا

“القماطي”: عودة الدولار النقدي اختراق مهم للسياسة النقدية لكنه حل مؤقت

قال رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، حلمي القماطي، إن عودة تدفق الدولار النقدي إلى ليبيا تمثل نجاحًا مهمًا للمصرف المركزي، مشددًا على أن هذه العملية تتجاوز كونها إجراءً فنيًا عاديًا، لتصبح اختراقًا حقيقيًا في مسار السياسة النقدية بالبلاد.

وأوضح “القماطي”، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، ورصدته “الساعة24″، أن هذا التطور يُعد بارزًا بعد سنوات طويلة من القيود الدولية والصعوبات اللوجستية التي أدت إلى جفاف شبه كامل في توريد النقد الأجنبي الورقي، مؤكدًا أن نجاح المركزي في إعادة فتح هذه القنوات يعكس استعادة جزئية للثقة الدولية، ويعزز من مكانة القطاع المصرفي الليبي على المستوى العالمي.

وأشار إلى أن هذه الخطوة تمنح المصرف المركزي قدرة أكبر على إدارة السيولة بشكل مستمر، مؤكدًا أن البنك استعاد أداة كانت مفقودة من أدوات السياسة النقدية.

ولفت إلى أن جوهر الأزمة الاقتصادية لا يقتصر على نقص السيولة، بل يتمثل في أزمة ثقة عميقة بين المواطن والقطاع المصرفي، مضيفًا أن توفير الدولار النقدي سيسهم في تخفيف حالة الشك المستمرة لدى المواطنين ويشجعهم على العودة إلى التعاملات الرسمية.

وبينّ “القماطي”، أن المواطن كان يعتمد سابقًا على بطاقات الدفع الدولية مثل “الفيزا”، ليس للسفر أو الإنفاق الخارجي فقط، بل كوسيلة لإدارة الدخل الشخصي في ظل ارتفاع التضخم وتراجع الدخل الحقيقي، مؤكداً أن ذلك دفع المواطنين إلى شراء الدولار عبر البطاقات المصرفية وبيعه في السوق الموازية، ما يعكس اختلالات أعمق في النظام الاقتصادي، تتطلب حلولًا شاملة تتجاوز التدابير النقدية المؤقتة.

وأشار إلى أن تخصيص نحو 200 مليون دولار لأرباب الأسر يطرح تساؤلات حول مدى استفادتهم الفعلية، معربًا عن قلقه من احتمال عودة الأموال إلى أيدي التجار، خصوصًا وأن المواطن غالبًا لا يمتلك السيولة الكافية للحصول على الدولار بالسعر الرسمي.

واعتبر أن العمليات المصرفية تمر بعدة مراحل تستنزف جزءًا من العائد، بدءًا من خصم 2% على التحويلات الخارجية ومرورًا بالعمولات الداخلية، وهو ما يقلل من صافي الربح المتوقع للمواطن.

وأكد أن توفير الدولار نقداً يمنح المواطن فرصة أكبر للاستفادة الفورية، ما يجعله أكثر فائدة مقارنة بالوسائل الأخرى، مشيرًا إلى أن الدورة الاقتصادية لهذه الأموال ستظل مستمرة، إلاّ أن المواطن سيضطر أحيانًا للجوء للتجار للحصول على النقد قبل التوجه للمصرف، ما يعني أن الأموال ستعود جزئيًا إلى السوق الموازية.

وأوضح أن هذه الآلية قد تقلص بعض سيطرة الشبكات التي كانت تحتكر السوق السوداء، وتمنح المواطن هامش حرية وربح أكبر، لكنها لن تُحدث تأثيرًا جذريًا على الاقتصاد ككل. وأكد أن التقييم الحقيقي يجب أن يركز على الأثر العام على الاقتصاد، وليس الفائدة المباشرة للمواطن فقط.

وأشار القماطي إلى أن المدى القصير قد يشهد تحسنًا نسبيًا في سعر صرف الدولار في السوق، مدفوعًا بعوامل نفسية مثل زيادة الثقة والهدوء في السوق، ما قد يخلق حالة من الاستقرار المؤقت. وأضاف أن المستفيد الأكبر من الإجراءات الحالية هو الاقتصاد الليبي، إلا أن حجم الاستفادة سيظل محدودًا ومؤقتًا، باعتبار أن هذه التدابير حلول جزئية وليست مستدامة.

ولفت إلى أن الطلب على الدولار يظل معقدًا على المدى القصير والطويل، موضحًا أن ارتفاع الإنفاق الحكومي وانتشار التهريب واقتصاد الظل يجعل أي استقرار في سعر الصرف مؤقتًا، مهما كان حجم ضخ الدولار النقدي، مضيفاً بأن السوق الموازية مرنة وقادرة على التكيف بسرعة، وأن استمرار الاعتماد على الدولار النقدي بهذا الشكل يصعب استدامته.

وأكد أن نجاح هذه الخطوة لا يقتصر على تحويل الدولار النقدي فقط، بل يتطلب توحيد السياسة المالية والنقدية ضمن إطار واضح ومنسق، مشيرًا إلى أن التشتت السياسي ووجود حكومتين ووزارتين للمالية أضعف من فعالية السياسة المالية وجعل اتخاذ القرارات الاقتصادية أكثر صعوبة.

وأردف: أن تنظيم عمل المصارف وشركات الصرافة يُعد حلاً أساسيًا لضمان توزيع الأموال بشكل عادل وتقليل تأثير السوق السوداء، مؤكدًا أن زيادة دور الوسطاء تزيد الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، منوهاً إلى أن الاستراتيجية الجديدة تهدف إلى تمكين المصارف من العمل مباشرة وتثبيت الأسعار قرب مستوى السوق، ما يحمي الاقتصاد الوطني ويحد من الممارسات غير الشرعية.

وأكد أن المواطن سيكون المستفيد الأول من هذه السياسات، بفضل خفض العمولات على التحويلات الخارجية وتحسين الدخل الفعلي، مشددًا على أن هذه الخطوات أدوات مؤقتة لمعالجة الأزمات المالية، وليست سياسات اقتصادية طويلة الأمد، حيث يُعد استخدام سعر الصرف كحل لأزمات مالية إجراءً وقتيًا وليس سياسة مستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى