التويجر: غياب المبادرة الليبية يترك مصير البلاد بيد القوى الكبرى

قال الباحث السياسي وأستاذ القانون رمضان التويجر، إن أي مبادرة وطنية لحل الأزمة الليبية يجب أن تنطلق من الداخل، مؤكدًا أن الأطراف الليبية هي الأقدر على فهم تعقيدات المشهد وأزماته المتشابكة.
ودعا التويجر في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدته صحيفة الساعة24، إلى ضرورة مراجعة جميع الأطراف لمواقفها، سواء على مستوى العلاقة فيما بينها أو على صعيد إدارة الخلافات، مشددًا على أهمية تعزيز الثقة المتبادلة باعتبارها مدخلًا أساسيًا لأي تسوية سياسية. وأضاف: من غير الممكن استمرار الوضع الحالي في ليبيا، في ظل ما يشهده العالم من تحولات متسارعة، لافتًا إلى تداعيات الحروب الجارية، سواء في إيران أو أوكرانيا، وما تعكسه من إعادة تشكيل لموازين القوى الدولية.
وأشار إلى أن العالم يتجه نحو نظام دولي جديد تحكمه المصالح، متسائلًا عن جدوى انتظار الليبيين حتى تتشكل هذه التوازنات ليُفرض عليهم واقع جديد، بدلًا من المبادرة برسم مستقبلهم بأنفسهم.
وأكد في هذا السياق أن استمرار الأوضاع الراهنة بعد أكثر من 14 عامًا يعكس فشل الأجسام السياسية الحالية في تحقيق الاستقرار، داعيًا إلى وضع خارطة طريق واضحة المعالم تفضي إلى إنهاء الأزمة، حتى وإن استدعى ذلك خروج بعض الأطراف من المشهد السياسي.
وفيما يتعلق بالوضع الاقتصادي، أوضح التويجر أن ارتفاع أسعار النفط، رغم ما قد يحمله من مؤشرات إيجابية، لن ينعكس بشكل فعلي على الاقتصاد الليبي في ظل غياب الدولة الموحدة، مبيناً إلى أن استمرار حالة الانقسام يؤدي إلى تبديد الموارد، حيث تتصرف كل جهة بشكل منفصل، ما يحرم الاقتصاد الوطني من الاستفادة الحقيقية من هذه العائدات.
وشدد على أن الحل لا يقتصر على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بل يتطلب تحقيق استقرار شامل يقوم على توحيد الحكومة والمؤسسات، بما يعزز الثقة بين مختلف الأطراف ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي.
وفي سياق متصل، اعتبر التويجر أن التجارب السابقة أثبتت محدودية قدرة الأجسام القائمة، مثل مجلسي النواب والأعلى للدولة، على إحداث اختراق حقيقي في الأزمة، مؤكدًا أن “المجرب لا يُجرب”، وهو ما يستدعي البحث عن بدائل جديدة تتيح للشعب الليبي والقوى الفاعلة على الأرض لعب دور أكبر في رسم مسار الحل.
كما دعا بعثة الأمم المتحدة إلى دعم الليبيين في هذا الاتجاه، من خلال المساعدة في إيجاد بدائل في حال فشل الأجسام الحالية في إخراج البلاد من أزمتها، لافتًا في الوقت ذاته إلى أن إنهاء دور هذه الأجسام يظل مرتبطًا أيضًا بوجود دعم دولي، نظرًا لارتباط بعض الأطراف الليبية بمصالح قوى خارجية ترى فيها ضمانًا لاستمرار نفوذها داخل ليبيا.
ورأى التويجر أن استلام الليبيين لزمام المبادرة يمثل الخيار الوحيد القادر على إنهاء حالة الجمود، مشددًا على أن أي حل مستدام يجب أن ينبع من إرادة وطنية حقيقية، مدعومة بإجماع داخلي وتفاهم دولي يضع مصلحة ليبيا فوق أي اعتبارات أخرى.
واعتبر أستاذ القانون أن تعثر خارطة الطريق الأممية المطروحة يعكس محدودية أدوات بعثة الأمم المتحدة في التأثير على مجريات الأزمة، مشيرًا إلى أن البعثة لا تمتلك وسائل ضغط حقيقية تمكّنها من إلزام الأطراف الليبية بتنفيذ مخرجات الحوارات. لافتاً إلى أن المسارات القائمة، بما في ذلك اللجنة الاستشارية والحوار المهيكل، تظل غير ملزمة، وهو ما يضعف من جدواها على أرض الواقع، ونوه إلى أن البيئة الجيوسياسية الدولية الحالية لا تساعد أيضًا في فرض حلول أو دفع الأطراف نحو تسوية نهائية.
وتابع أن استمرار الوضع على ما هو عليه، في ظل غياب مبادرة ليبية حقيقية، قد يؤدي إلى بقاء الأزمة رهينة لتفاهمات الدول الكبرى، التي قد تحدد مستقبل ليبيا وفقًا لمصالحها، سواء بالإبقاء على وحدة البلاد أو تكريس الانقسام أو استمرار حالة الجمود القائمة.
وحذر التويجر من أن هذا المسار قد يضع ليبيا أمام نماذج مشابهة لدول عانت من أزمات ممتدة، مؤكدًا أن الوضع الحالي مؤقت بطبيعته، ولن يستمر إلا بقرار دولي قد يتجه نحو الأسوأ أو الأفضل.
وشدد على ضرورة تغليب صوت العقل والحكمة، وتجاوز المصالح الضيقة، داعيًا جميع الأطراف إلى إدراك خطورة المرحلة والعمل على استعادة زمام المبادرة الوطنية قبل أن تُفرض حلول خارجية لا تعكس تطلعات الليبيين.









