الحاسية: الاقتصاد الليبي مرشح للنمو حتى 7% بشرط استقرار الإنفاق التنموي
رأى الأستاذ الجامعي عاطف الحاسية، أن ما جرى مؤخرًا بشأن ترتيبات الإنفاق العام في ليبيا لا يمكن توصيفه باعتباره ميزانية مكتملة للدولة لعام 2026، بل هو – في جوهره – “بداية اتفاق سياسي جديد”، مشيرًا إلى أن الربط بين ما أُعلن ومفهوم الميزانية العامة الشاملة يُعد، من وجهة نظره، توصيفًا غير دقيق ولا يعكس حقيقة ما تم التوصل إليه.
وأوضح الحاسية، في حديث لتلفزيون «المسار» رصدته «الساعة 24»، أن هذه الترتيبات تحمل في طياتها أبعادًا سياسية وجيوسياسية واضحة، تتجاوز الإطار الاقتصادي البحت، لافتًا إلى أن أي درجة من الاستقرار السياسي داخل مختلف المناطق الليبية ستنعكس بشكل مباشر على كيفية توجيه الإنفاق العام وتحديد أولوياته بما يخدم احتياجات المواطنين.
وأضاف أن الملف الليبي لا ينفصل عن السياقات الإقليمية والدولية، خاصة ما يتعلق باستقرار إنتاج النفط، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد العالمي، معتبرًا أن ليبيا أصبحت جزءًا من معادلة أوسع ترتبط بأمن الطاقة واستقرار الأسواق العالمية.
ومن زاوية أخرى، أشار الحاسية إلى أن الاتفاق الحالي يعكس ما وصفه بـ “انتصار محلي”، يتمثل في تزايد القناعة لدى الأطراف الليبية بضرورة تقاسم الثروات ضمن أطر جغرافية مختلفة، وهو ما يمثل – بحسب تقديره – تحولًا في التفكير السياسي المرتبط بإدارة الموارد العامة. لكنه لفت إلى أن غياب النص الكامل للاتفاق وعدم نشر تفاصيله بشكل واضح يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية تتعلق بآليات التنفيذ، والجهات الملزمة به، وكذلك أدوات المساءلة في حال حدوث أي خروقات، مؤكدًا أن الشفافية في هذه المرحلة تظل عنصرًا حاسمًا في بناء الثقة.
وفيما يتعلق بهيكل الإنفاق، أوضح الحاسية أن الواقع الحالي يعكس وجود مسارين رئيسيين لإدارة المال العام في ليبيا، الأول عبر الحكومات القائمة في غرب البلاد، والثاني من خلال صندوق التنمية وإعادة الإعمار التابع لمجلس النواب، معتبرًا أن هذا الوضع يُجسد عمليًا وجود قناتين للإنفاق العام.
وأضاف أن صندوق إعادة الإعمار بات يتمتع بطابع قانوني معترف به ضمن الترتيبات القائمة، مشيرًا إلى أن عملية تقييم هذه القنوات ستتم لاحقًا بناءً على ما يتحقق من إنجازات فعلية على الأرض، وليس فقط على حجم المخصصات المرصودة.
وشدد على أن الخلاف القائم لا يقتصر على مسألة توزيع الأموال، بل يتجاوز ذلك إلى قدرة كل طرف على تنفيذ المشاريع وتحقيق نتائج ملموسة، معتبرًا أن معيار النجاح الحقيقي سيكون مرتبطًا بكفاءة التنفيذ وجودة المخرجات.
كما أوضح أن ما يُتداول بشأن “ملحق للإنفاق التنموي الموحد” لا يزال في إطار ترتيبات قيد التشكل، ولا يمكن اعتباره ميزانية نهائية، بل هو أقرب إلى إطار مالي وسياسي مؤقت لتنظيم الإنفاق.
وأشار الحاسية إلى أن تخصيص نحو 40 مليار دينار لهذا الباب يشهد مؤشرات على وجود توافق متقدم بين الأطراف، مرجحًا أن يتم التعامل معه عبر ملحق مالي إضافي أو ترتيبات لاحقة، في ظل استمرار النقاش حول آليات التوزيع.
وبينّ أن تحديد هذا الرقم يرتبط بسقف تمويلي يعتمد على قدرة مصرف ليبيا المركزي، لافتًا إلى أن كل طرف طرح تصوراته بشأن أولويات الإنفاق، سواء لتغطية مشاريع تنموية، أو تسوية التزامات سابقة، أو تمويل برامج مستقبلية.
ورأى أن هذه المخصصات قد تُستخدم أيضًا لمعالجة التزامات مالية متراكمة، إلى جانب تمويل مشاريع قائمة وأخرى مخطط لها، مؤكدًا أن النقاش لا يزال مفتوحًا حول كيفية توزيع هذه الموارد بين مختلف المناطق والقطاعات.
وفي سياق تقييمه لطبيعة الإنفاق، أكد الحاسية أن “الباب الثالث” المتعلق بالتنمية يُعد الأكثر تأثيرًا على حياة المواطنين مقارنة ببنود المرتبات أو دعم المحروقات، نظرًا لارتباطه المباشر بتحسين الخدمات والبنية التحتية وتعزيز القدرة الشرائية.
وتابع: تنفيذ مشاريع هذا الباب بشكل منظم ومستقر من شأنه أن يخلق فرص عمل جديدة، ويعزز ثقة الشركات الأجنبية، خاصة في حال توفر وضوح في تدفقات الأموال والالتزامات المالية، ما يسهم في تسريع وتيرة الإنجاز وتقليص تأخر المشاريع. متوقعاً أن يسجل الاقتصاد الليبي معدلات نمو سنوية تتراوح بين 5.5% و7% في حال استمرار هذا المسار، معتبرًا أن هذه النسب تُعد طبيعية لدولة خارجة من أزمات ممتدة.
ورغم ذلك، أشار إلى وجود تحفظات تتعلق بآليات الرقابة والضبط المالي، مؤكدًا أن نجاح هذه الترتيبات سيظل مرهونًا بمدى تحقق الإنجاز الفعلي على الأرض، وليس بمجرد التوافقات النظرية. كما شدد على أن النقاشات الجارية حول توزيع الإنفاق، رغم تعقيدها، تمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ مفهوم التنمية، مع ضرورة تعزيز الشفافية والرقابة لضمان تحقيق نتائج ملموسة.
وفي سياق متصل، اعتبر الحاسية أن غياب الشفافية في تفاصيل الاتفاق يمثل أحد أبرز التحديات، مشيرًا إلى أن الثقة في البيانات الرسمية لا تزال محدودة لدى شريحة واسعة من الليبيين، بما في ذلك بعض التقديرات الصادرة عن المصرف المركزي.
وأوضح أن جوهر الاتفاق يقوم على التزام الأطراف بعدم تحميل الدولة ديونًا جديدة، لافتًا إلى أن هذه الترتيبات بدأت فعليًا منذ نوفمبر 2025 في إطار اتفاق سابق بين نفس الأطراف. غير أنه أشار إلى أن الإشكال الحقيقي يكمن في غياب الشفافية منذ مرحلة التعاقد الأولى، وهو ما يؤدي إلى تعطيل المشاريع وضياع فرص التنمية.
وانتقد الحاسية، الإرث الإداري المركزي في ليبيا، معتبرًا أنه ساهم في تعثر العديد من المشاريع رغم وجود مؤسسات تنفيذية متعددة، مثل جهاز تنفيذ مشروعات الإسكان والمرافق وجهاز تنمية وتطوير المراكز الإدارية، التي لم تحقق – بحسب قوله – النتائج المرجوة.
كما عزا استمرار التعثر إلى ضعف الرقابة وقلة الفاعلية لدى بعض الأجهزة الرقابية، مثل ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية، مشيرًا إلى أن ذلك أدى إلى تراكم الإخفاقات في إدارة البرامج التنموية. مؤكداً أن التأخير في تنفيذ المشاريع يمثل أحد أبرز العوائق أمام تحقيق أثر اقتصادي حقيقي، بالنظر إلى ارتباط هذه المشاريع بتحسين البنية التحتية وخلق فرص العمل وزيادة الإنتاجية.
وفي معرض نقده للنموذج الاقتصادي القائم، شدد الحاسية على أن الاعتماد المفرط على مركزية الدولة في إدارة الاقتصاد لم يعد مجديًا، لافتًا إلى أن التجارب العالمية أثبتت محدودية كفاءة هذا النموذج.
وأضاف أن الحل يكمن في تمكين المجتمعات المحلية من لعب دور أكبر في إدارة التنمية، بدلًا من تركيز القرار في المركز فقط، معتبرًا أن غياب المسؤولية المشتركة أسهم في اختلال إدارة الموارد.
وفي جانب آخر، ربط الحاسية بين سوء استخدام الموارد وارتفاع معدلات الحوادث والوفيات، خاصة في ظل ضعف البنية التحتية، مشيرًا إلى أن ليبيا تسجل معدلات مرتفعة في حوادث الطرق مقارنة بعدد السكان.
كما أشار إلى أن استمرار دعم الوقود بأسعار منخفضة لفترات طويلة أسهم في خلق أنماط استهلاك غير رشيدة، وأثر بشكل غير مباشر على البنية التحتية وسلامة الطرق.
ولفت إلى أن الاقتصاد الليبي بحاجة إلى إعادة توجيه الإنفاق نحو مشاريع مستدامة، خاصة في مجالات البنية التحتية ورأس المال البشري، بدلًا من التركيز على الإنفاق الاستهلاكي.
وفيما يتعلق بالبعد السياسي، بينّ أن الاتفاق يحظى بترحيب دولي، خاصة من بعثة الأمم المتحدة، التي اعتبرته خطوة نحو تعزيز الانضباط المالي وتحسين الحوكمة، إلى جانب الدعوة لتعزيز الشفافية. كما أوضح أن هذا الاهتمام الدولي يرتبط أيضًا باستقرار إنتاج النفط الليبي، الذي يمثل عاملًا مهمًا في التوازنات الاقتصادية العالمية.
وفي ختام حديثه، أكد الحاسية أن نجاح هذه الترتيبات سيظل مرهونًا بمدى الالتزام الفعلي بتنفيذها، وتحويلها من إطار مبدئي إلى سياسات عملية قابلة للتطبيق، محذرًا من أن التسميات أو التوصيفات السياسية لا يمكن أن تعوض غياب التنفيذ الحقيقي على أرض الواقع.









