ليبيا

“بوسعيدة”: التيارات الرافضة للتقارب لا تسعى لبناء الدولة بل لتحقيق مصالحها

قال الباحث السياسي، عمر بوسعيدة، إن المواقف الرافضة للتقارب في ليبيا، وفي مقدمتها بيانات المجلس العسكري مصراتة، تعكس حالة مستمرة منذ سنوات، معتبرًا أن استمرار ظهور مثل هذه الأجسام العسكرية يتناقض مع مسار بناء الدولة في المرحلة الراهنة، على حد تعبيره.

وأوضح بوسعيدة، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، أن ليبيا تمر في عام 2026 بمرحلة يُفترض أن تكون قد تجاوزت التشكيلات العسكرية خارج الأطر الرسمية، مشيرًا إلى أن وجود كيانات تحمل الطابع العسكري في عدد من مناطق غرب البلاد كان يجب أن ينتهي مع توقف العمليات القتالية في عام 2011، وفق قوله.

وأضاف أن ما يصدر عن هذه الأجسام يأتي، بحسب وصفه، ضمن “سلسلة طويلة” من مواقف رفض التقارب بين الليبيين، مؤكدًا أنها تظهر مع كل خطوة باتجاه التوافق الوطني وتهدف إلى عرقلة أي مسار يؤدي إلى بناء الدولة، على حد تعبيره.

واستعرض بوسعيدة، عددًا من المحطات السياسية السابقة، من بينها اتفاق الصخيرات الذي نص على ترتيبات أمنية كان يفترض أن تفضي إلى حل التشكيلات المسلحة خلال 90 يومًا، إضافة إلى اجتماعات ولجان لاحقة جرت بين قيادات عسكرية وسياسية في القاهرة وعدة عواصم، والتي تم خلالها التوصل إلى تفاهمات بشأن توحيد المؤسسة العسكرية، قبل أن تواجه ـ بحسب قوله ـ عراقيل ورفضًا متكررًا.

كما أشار إلى لقاءات سياسية أخرى جرت في أبو ظبي وباريس وشملت أطرافًا ليبية مختلفة، مؤكدًا أنها جميعًا كانت تهدف إلى توحيد المؤسسات وبناء ترتيبات أمنية، إلا أن نتائجها لم تكتمل بسبب ما وصفه باستمرار “خطاب التأزيم”.

واعتبر بوسعيدة، أن هذا الخطاب ينبع، بحسب تقديره، من مخاوف لدى بعض الأطراف من قيام دولة موحدة، مشيرًا إلى أن أي تقارب بين الليبيين يُقابل بمحاولات للتشكيك أو العرقلة، بما يعكس ـ وفق رأيه ـ رفضًا لفكرة الدولة الجامعة.

وأضاف أن هذه المواقف، رغم محدوديتها عدديًا، ما زالت مؤثرة داخل بعض مفاصل الدولة، وهو ما انعكس على مسارات سياسية وعسكرية سابقة، من بينها ملفات مرتبطة بعدد من الشخصيات العامة والاتفاقات التي لم تكتمل.

ولفت إلى أن بعض الخطابات التي تُرفع باسم “الشهداء” تُستخدم في سياق سياسي للضغط على أي تقارب محتمل، في حين أن أهالي الشهداء، وفق تعبيره، يطالبون بدولة مكتملة الأركان تضمن حقوقهم بعيدًا عن المزايدات السياسية.

وأكد أن استمرار هذه الحالة يعكس، من وجهة نظره، وجود قوى لا تزال تعرقل مسار الاستقرار، رغم أن الاتجاه العام داخل المجتمع الليبي، بحسب وصفه، يميل نحو بناء دولة موحدة ومؤسسات نظامية مستقرة.

وفي سياق متصل، قال بوسعيدة، إن حالة الرفض التي تظهر من بعض الأطراف تجاه مسارات التقارب في ليبيا “ليست جديدة”، مشيرًا إلى أنها ترتبط، بحسب وصفه، بوجود تيارات تسيطر على مفاصل في الدولة وترفض أي خطوات باتجاه بناء دولة حقيقية.

وأوضح أن المشهد السياسي يمكن قراءته في إطار معسكرين رئيسيين، لافتًا إلى أنه لا يرغب في حصر المدن أو المناطق في موقف واحد، بل في الحديث عن “تيارات” داخل المشهد الليبي، من بينها ما وصفه بـ“تيار الممانعة”، الذي قال إنه يرفض أي مسار يفضي إلى تسوية أو بناء مؤسسات الدولة.

وأضاف أن هذا الرفض، وفق تقديره، يرتبط بهواجس من فكرة قيام دولة حقيقية قد تؤدي إلى إقصاء بعض الأطراف من المشهد، مشيرًا إلى أن المؤسسة العسكرية، بحسب تعبيره، تمثل اليوم “نقطة ارتكاز” وأساسًا يمكن البناء عليه لتحقيق الاستقرار بعد سنوات من الانقسام والتجاذبات.

وأكد أن استمرار الوضع الحالي منذ أكثر من 15 عامًا انعكس سلبًا على المواطن الليبي، من حيث تدهور الخدمات وارتفاع الأسعار وتفاقم الأزمات الاقتصادية، معتبرًا أن الفاتورة الأكبر يتحملها المواطن في نهاية المطاف.

ودعا إلى ضرورة الانتقال من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة أكثر استقرارًا تقوم على مؤسسات دائمة، مشددًا على أهمية الوصول إلى تسوية سياسية تنهي حالة الانقسام وتؤسس لدولة موحدة، مع الحفاظ على المؤسسات القائمة وتطويرها.

وأشار إلى وجود انقسام مؤسسي واضح بين شرق ليبيا وغربها، في مقابل نماذج وصفها بأنها تعمل على الأرض وتقدم “صورة أقرب للدولة”، معتبرًا أن هذا التباين يعمّق الحاجة إلى حل سياسي شامل.

وبشأن مستوى الرفض السياسي، قال بوسعيدة، إن هذا الرفض لن يكون ذا تأثير كبير إذا ما وُضع في سياق مواجهة مباشرة مع التوجهات الدولية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تمتلك رؤية ومسارًا فاعلًا في ليبيا، وفق تعبيره، إلى جانب أدوار متباينة لبعض القوى الدولية مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، بما ينعكس على طبيعة التوازنات داخل المشهد الليبي.

واعتبر أن الأزمة تُدار ضمن تداخلات إقليمية ودولية معقدة، وأن بعض الأصوات الرافضة للترتيبات الجارية قد تكون مدعومة من أطراف خارجية تسعى لتعطيل أي توافق بين الليبيين، مؤكدًا أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى مزيد من الانقسام.

وشدد على أن الحل في ليبيا يظل مرهونًا بقدرة الأطراف المحلية على تجاوز الخلافات والتوجه نحو توافق سياسي شامل يضع حدًا للمرحلة الانتقالية ويفتح الطريق أمام بناء دولة مستقرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى