السنوسي: إصلاح المصارف ضرورة لكبح الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي

قال إبراهيم السنوسي رئيس تحرير منصة “مال وأعمال”، إن الإجراءات التي اتخذها مصرف ليبيا المركزي للحد من ارتفاع أسعار العملات الأجنبية تُعد “مبالغًا فيها جزئيًا”، مشيرًا إلى أنها لا تمثل علاجًا جذريًا لأزمة سعر الصرف، رغم مساهمتها المؤقتة في خفضه خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح السنوسي، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته صحيفة الساعة24، أن السياسات النقدية الأخيرة، وعلى رأسها إتاحة شراء العملة الأجنبية للأغراض الشخصية، ساهمت في تراجع سعر الدولار في السوق الموازية من مستويات تجاوزت 10 دنانير إلى نحو 8 دنانير، إلا أن هذه الإجراءات – بحسب تقديره – فتحت في المقابل المجال أمام المضاربين وتجار العملة لتعظيم أرباحهم.
وأضاف أن شريحة واسعة من المواطنين الليبيين، وبسبب ضعف الدخول، لا تستطيع الادخار أو الاستفادة الفعلية من مخصصات النقد الأجنبي، الأمر الذي دفع بعضهم إلى بيع هذه المخصصات أو حتى بياناتهم المصرفية للتجار مقابل مكاسب محدودة، في حين يظل المستفيد الأكبر هو تجار العملة الذين يحققون النصيب الأكبر من الأرباح.
وأشار كذلك إلى أن هذه الآليات أدت بشكل غير مباشر إلى تحويل المواطن إلى “وسيط” في سوق العملة، موضحًا أن المواطن يحصل على هامش ربح بسيط يساعده على مواجهة تكاليف المعيشة، بينما تبقى المكاسب الأساسية في يد تجار السوق الموازية.
وفي سياق متصل بيّن السنوسي، أن مصرف ليبيا المركزي يتحرك ضمن هامش محدود من الأدوات، وهو ما يقيّد قدرته على معالجة جذور الأزمة، لافتًا إلى أن خطواته الأخيرة، مثل تنظيم نشاط شركات الصرافة ومنح التراخيص، تُعد خطوة إيجابية من حيث فهم حجم السوق الموازية وجمع البيانات المتعلقة بها.
كما أوضح أن السوق السوداء لا تزال تهيمن على الجزء الأكبر من التعاملات بالنقد الأجنبي، إذ تُقدّر قيمة معاملاتها بعشرات المليارات سنويًا، مدفوعة بارتفاع الطلب على الدولار سواء لأغراض الاستيراد أو تحويل الأموال إلى الخارج، خاصة من قبل صغار التجار والعاملين في اقتصاد الظل.
وأشار إلى أن نحو 60% من الاقتصاد الليبي يعمل خارج الإطار الرسمي، وهو ما يعقّد جهود إدماجه في المنظومة المصرفية، لا سيما في ظل استمرار أزمة الثقة بين المواطنين والمصارف، حيث يفضل الكثيرون التعامل مع السوق الموازية بدلًا من النظام الرسمي.
ومن جهة أخرى شدد السنوسي على أن نجاح أي إصلاح اقتصادي يرتبط بمعالجة الاختلالات الهيكلية، إلى جانب ضبط الإنفاق العام وتحقيق توافق سياسي على توحيد الميزانية ضمن برنامج تنموي واضح المعالم.
وبينّ أن تدفق الدولار إلى مصرف ليبيا المركزي، والذي تجاوز 2.8 مليار دولار، يمثل خطوة إيجابية في اتجاه تحسين الوضع الاقتصادي والحد من نشاط السوق الموازية، مرجحًا استمرار هذه التدفقات خلال الأشهر المقبلة، بما قد يسهم في تثبيت سعر الصرف عند مستويات قريبة من 7.90 دينار للدولار كسعر توازني، في ظل ارتفاع مستويات الإنفاق العام.
وأضاف أن هذه الإجراءات تمثل “ضربة موجعة” للسوق السوداء، رغم استمرار نشاطها بشكل جزئي، إلا أن الأثر الأهم يتمثل في تقليص الفجوة بين السوق الرسمية والموازية والحد من تقلبات سعر الصرف.
وانتقد السنوسي ضعف تشغيل العمالة الوطنية في مشاريع التنمية، موضحًا أن بعض المشاريع التي تنفذها شركات أجنبية، بما في ذلك ائتلاف الشركات المصرية، لا تلتزم بالنسبة المحددة لتوظيف الليبيين، والتي لا تقل عن 20%، بينما لا تتجاوز النسبة الفعلية 2 إلى 3% مقابل أكثر من 95% من العمالة الأجنبية، وهو ما وصفه بـ “الكارثة الاقتصادية والاجتماعية”.
وأضاف أن جزءًا من هذه الإشكالية يعود إلى عزوف بعض الليبيين عن العمل في وظائف يعتبرونها منخفضة المستوى، ما يستدعي – بحسب رأيه – تغيير ثقافة العمل نحو الإنتاج والابتعاد عن الاعتماد المفرط على الوظائف الحكومية.
كما بينّ أن التحويلات السنوية للعمالة الأجنبية تُقدّر بنحو 7 مليارات دولار، وهو ما يمثل نزيفًا كبيرًا للعملة الصعبة، كان يمكن توجيهه لدعم الاقتصاد المحلي. وإلى جانب ذلك، لفت إلى تضخم بند المرتبات في القطاع العام الذي تجاوز 70 مليار دينار، مع وجود أكثر من 2.5 مليون موظف، إضافة إلى أعداد كبيرة في قطاعات شبه حكومية.
وشدد على أن أي جهود يقوم بها المصرف المركزي لضبط سوق النقد الأجنبي ستظل محدودة الأثر ما لم تُدعَم بإصلاحات مالية وهيكلية شاملة، تشمل ضبط الإنفاق العام وتنفيذ برنامج تنموي موحد قائم على رؤية واضحة، إلى جانب تحسين الشفافية في إعلان حجم الإنفاق بما يسهم في تهدئة الطلب على العملة الأجنبية.
وفي سياق موازٍ حذّر السنوسي من استمرار اعتماد الاقتصاد الليبي على النفط كمصدر وحيد للدخل، معتبرًا ذلك من أبرز التحديات الهيكلية، وداعيًا إلى تنويع مصادر الدخل واستثمار الإمكانات المتاحة لتحقيق تنمية مستدامة.
وأوضح أيضًا أن عرض النقود في السوق المحلي بات ضخمًا، ما يجعل الطلب على النقد الأجنبي المحرك الأساسي للاقتصاد، سواء عبر الاعتمادات المستندية أو الأغراض الشخصية، وهو ما يخلق ضغوطًا مستمرة على سعر الصرف.
وتابع: المركزي لجأ إلى “تقييد الودائع”، من خلال إلزام البنوك ببيع جزء من هذه الودائع بالعملة الأجنبية بنسبة تتراوح بين 50% و70%، بهدف تقليص الطلب على الدولار، غير أنه اعتبر هذا الإجراء حلًا جزئيًا لا يعالج جذور المشكلة.
ورأى أن منظومة الاعتمادات المستندية لا تزال تمثل أحد أبرز مصادر الهدر في النقد الأجنبي، مؤكدًا وجود تسرب كبير للعملة الصعبة عبر هذه القناة، سواء من خلال تحويلها للخارج أو إعادة تداولها داخليًا بطرق غير رسمية.
وانتقد كذلك ضعف دور وزارة الاقتصاد في تنظيم السياسة التجارية، مشيرًا إلى غياب دراسات دقيقة لاحتياجات السوق، ما أدى إلى استيراد سلع لا تتناسب مع الطلب المحلي، وأحيانًا تتراكم في المخازن حتى انتهاء صلاحيتها. مشدداً على وجود شبهات فساد واختلالات في منظومة الاعتمادات المستندية، داعيًا إلى مراجعة شاملة وتعزيز الرقابة بين المصرف المركزي والجهات الاقتصادية ذات العلاقة.
ومن زاوية أخرى اعتبر السنوسي أن التحول الكامل بعيدًا عن الدولار في التحويلات الدولية أمر صعب حاليًا، نظرًا لاعتماد التجارة العالمية عليه، لكنه أشار في المقابل إلى أن الصين تمثل شريكًا اقتصاديًا مهمًا، ما يجعل التعامل باليوان خيارًا عمليًا يمكن أن يسهم في تقليل الضغط على الدولار.
وأوضح أن تعزيز التبادل بالعملات المحلية مع الصين ودول الجوار مثل مصر وتونس قد يخفف من حدة الطلب على الدولار ويحد من المضاربات، خاصة في ظل تنامي العلاقات التجارية مع هذه الدول.
وفي ختام حديثه أكد السنوسي، أن السوق السوداء باتت تتحرك بوتيرة أسرع من النظام المصرفي الرسمي، وأن الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي تتسبب في خسائر كبيرة للمواطنين، داعيًا إلى تفعيل دور المصارف وشركات الصرافة، وتوسيع خدمات الدفع الإلكتروني، وإصلاح المنظومة المصرفية بشكل شامل لضمان الشفافية وتقليص الاعتماد على السوق الموازية، بما يحقق استقرارًا حقيقيًا للاقتصاد الليبي.









