المرعاش: «المبادرة الأمريكية للسلام» أساس عملي وواقعي لتسوية الأزمة الليبية
اعتبر الكاتب والباحث السياسي، كامل المرعاش، أن المبادرة الأمريكية المطروحة مؤخرًا بشأن الأزمة الليبية تمثل طرحًا “واقعيًا” يستند إلى أسس قابلة للتطبيق، ما يمنحها – بحسب تقديره – فرصًا أكبر للنجاح مقارنة بالمبادرات السابقة التي لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة.
وأوضح المرعاش، في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، رصدته «الساعة 24»، أن المبادرة التي تحمل طابعًا أمريكيًا عبر المبعوث مسعد بولس، تهدف بالأساس إلى جمع طرفي الصراع الرئيسيين، وهما الجيش الوطني الليبي من جهة، وحكومة الدبيبة التي تدير غرب البلاد من جهة أخرى، وذلك في ظل استمرار حالة الانسداد السياسي وفشل المسارات السابقة في تحقيق تسوية شاملة تنهي الانقسام.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن التطورات الإقليمية والدولية الأخيرة تعكس تحولات ملحوظة في مواقف عدد من الأطراف، لافتًا إلى وجود إعادة تموضع سياسي في التعاطي مع الملف الليبي، من بينها بوادر انفتاح في العلاقات بين بعض القوى الإقليمية والقيادة العامة للقوات المسلحة، بما في ذلك التحسن النسبي في العلاقة مع تركيا بعد سنوات من التوتر، الأمر الذي اعتبره مؤشرًا على تزايد الاعتراف بدور الجيش الوطني الليبي كقوة رئيسية على الأرض، فضلًا عن تبنيه موقفًا منفتحًا تجاه الحلول السياسية ودعمه لأي مسار ينهي الانقسام ويحقق الاستقرار.
في المقابل، أوضح المرعاش أن بعض الأطراف في غرب ليبيا لا تزال تتعامل مع المبادرة برؤية مغايرة، ما قد يشكل عقبة أمام تحقيق توافق شامل، لافتًا إلى أن المشهد في غرب البلاد لا يعكس كيانًا سياسيًا موحدًا، بل يتكون من تشكيلات مسلحة متعددة تستفيد بعض أطرافها من استمرار حالة الفوضى. غير أنه أضاف أن هذا الواقع بدأ يشهد تغيرًا تدريجيًا، مع تراجع الدعم الإقليمي الذي كانت تتلقاه بعض هذه التشكيلات، وهو ما قد يدفع مجموعات غير “مؤدلجة” إلى إعادة النظر في مواقفها والانخراط في مسارات تسوية جديدة، سواء على المستوى السياسي أو العسكري.
وعلى صعيد متصل، كشف المرعاش عن وجود لقاءات واتصالات جرت خلال الفترة الأخيرة بين قيادات من الجيش الوطني الليبي وعدد من قادة التشكيلات المسلحة في الغرب، مشيرًا إلى لقاءات مباشرة ومشاركات مشتركة في بعض الأنشطة والتدريبات العسكرية.
وفيما يتعلق بالجدل حول ما إذا كانت المبادرة تمثل الإدارة الأمريكية، أوضح المرعاش أن بعض الاعتراضات تُشكك في صفتها الرسمية، لكنه شدد على أن المبعوث مسعد بولس يمثل الإدارة الأمريكية، بل والرئيس الأمريكي بشكل مباشر، ويتمتع بصلاحيات تخوله إدارة هذا الملف، معتبرًا أن التشكيك في شرعية المبادرة لا يستند إلى معطيات واقعية، خاصة أن السياسة الخارجية الأمريكية تُدار ضمن أطر مؤسسية واضحة.
وردًا على الانتقادات التي ترى أن المبادرة تهدف إلى “شرعنة الواقع”، أكد المرعاش أن هذا الطرح غير دقيق، موضحًا أن أي مبادرة جادة تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع ضمن إطار مؤسسي مستقر، وليس تكريس الفوضى، مشددًا على أن نجاح أي تسوية يتطلب إرادة داخلية حقيقية إلى جانب دعم دولي فعال.
وأضاف أن المقاربة المطروحة تقوم على التعامل مع الواقع وإعادة تنظيمه عبر مسار تدريجي قائم على خطوات تنفيذية واضحة، من بينها الاجتماعات التحضيرية التي عُقدت في روما ضمن صيغة “4+4″، والتي وصفها بأنها خطوة عملية نحو تنفيذ مخرجات المبادرة.
ورجّح المرعاش أن تفضي هذه الخطوات إلى تغييرات مؤسسية، من بينها إعادة تشكيل بعض الهيئات السيادية، مثل المفوضية العليا للانتخابات، عبر تكليف شخصيات قضائية مستقلة، بما يعزز ثقة الشارع في العملية السياسية.
من جهة أخرى، انتقد المرعاش أداء المجلس الرئاسي، معتبرًا أنه لم يُفعّل صلاحياته بالشكل المطلوب رغم ما يمنحه له الاتفاق السياسي من اختصاصات واسعة، ما أدى – بحسب قوله – إلى تراجع دوره وتحوله إلى مؤسسة محدودة التأثير، في ظل تمدد نفوذ الحكومة في طرابلس، إضافة إلى حالة الانقسام الداخلي التي أضعفته وجعلته غير قادر على أداء دوره كجسم موحد.
وفي سياق متصل، تناول المرعاش موازين القوى في غرب ليبيا، مشيرًا إلى وجود تداخل بين السلطة الرسمية والتشكيلات المسلحة التي تتلقى دعمًا ماليًا، مؤكدًا أن أي تسوية سياسية قادمة ستتطلب إعادة هيكلة هذه التشكيلات ضمن إطار مؤسساتي موحد، سواء عبر الدمج أو الحل، مع إمكانية التعامل مع بعض الكيانات الرافضة كأجسام خارجة عن الشرعية في حال التوصل إلى اتفاق شامل.
وعبّر المرعاش عن تفاؤله بإمكانية نجاح المبادرة، مرجعًا ذلك إلى خضوع الملفات الأساسية، خاصة الأمنية والعسكرية، لنقاشات تفصيلية ضمن إطار زمني ومنهجي قائم على التدرج في التنفيذ، إلى جانب تزايد القناعة لدى الأطراف الليبية والشارع بأن توحيد المؤسسات يمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار.
وبينّ أن أولى خطوات المبادرة هو الدفع نحو إعادة تفعيل مفوضية الانتخابات، تمهيدًا لتنظيم الاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها الانتخابات الرئاسية والتشريعية، بهدف تجاوز الخلافات التي عطلت التوافق بين مجلس النواب والأعلى للدولة، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تحمل رسالة واضحة بضرورة التوجه نحو انتخابات شفافة تعيد إنتاج الشرعية السياسية.
وفيما يخص المسار الأمني، شدد المرعاش على أن تحقيق تقدم فعلي يتطلب معالجة ملف التشكيلات المسلحة عبر آليات الحل أو الدمج، مع إمكانية إدماج بعض القيادات ضمن ترتيبات انتقالية، موضحًا أن استكمال هذا المسار سيفتح المجال أمام المجلس الرئاسي لممارسة صلاحياته بالتنسيق مع الحكومة القائمة أو أي حكومة يتم التوافق عليها لاحقًا، ضمن مخرجات مسار “4+4”.
أما على الصعيد السياسي، فقد اعتبر المرعاش أن الأجسام الحالية، بما في ذلك مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، فقدت جزءًا كبيرًا من فعاليتها، ولم تعد قادرة على إنتاج حلول حقيقية، مرجحًا تراجع دورها لصالح ترتيبات سياسية جديدة، مع إمكانية بلورة مشروع وطني جامع يمهد لتأسيس إطار سياسي جديد قد يُعرف بـ“الجمهورية الثانية”، إلى جانب طرح فكرة عقد مؤتمر تأسيسي يضم شخصيات وطنية بعيدًا عن نظام المحاصصة.
وفي تفسيره لاعتماد صيغة “4+4″، أوضح المرعاش أن الهدف منها يتمثل في تقليص عدد المشاركين لزيادة الفاعلية وتجنب التشتت، مؤكدًا أن نجاح هذه الصيغة يظل مرتبطًا بمدى التزام الأطراف وإرادتها السياسية، رغم أن تقليص العدد قد يسهم في تسريع الوصول إلى نتائج عملية دون أن يشكل ضمانة كاملة.
وأشار إلى أن هذا التوجه جاء نتيجة تجارب سابقة لم تحقق النتائج المرجوة بسبب اتساع قاعدة المشاركة، معتبرًا أن تلك المسارات ساهمت في تعميق الانقسام، ومؤكدًا أن “العبرة بالنتائج لا بعدد المشاركين”، وأن تمثيل الأطراف الرئيسية قد يكون أكثر إنتاجية.
وفي معرض تعليقه على الانتقادات الصادرة من بعض الشخصيات في الجنوب، والتي حذرت من تداعيات المبادرة، اعتبر المرعاش أن هذه القراءات غير دقيقة وتسهم في تغذية الانقسام، مشددًا على أن الأولوية ينبغي أن تكون لتوحيد الليبيين، متوقعًا في الوقت ذاته أن تحظى المبادرة بقبول شعبي واسع باعتبارها مخرجًا من حالة الجمود.
كما انتقد المواقف الرافضة للمبادرة، معتبرًا أنها تنطلق من حسابات سياسية تسهم في إطالة أمد الأزمة، رافضًا في الوقت ذاته تصريحات وزير الثقافة الأسبق الحبيب الأمين، الذي وصف المبادرة بأنها “خيانة لثورة فبراير”، مؤكداً أن تقييم المبادرات يجب أن يستند إلى مضمونها ونتائجها المحتملة، لا إلى المواقف الشخصية.
وفي ختام حديثه، أعرب المرعاش عن أسفه لما وصفه بتشدد بعض الخطابات السياسية، معتبرًا أن ذلك يضعف فرص التوافق، مؤكدًا في المقابل أن المبادرة تمضي في مسارها التنفيذي، وأن أولى خطواتها تتمثل في إعادة تفعيل مفوضية الانتخابات، تمهيدًا لتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية بإشراف جهاز فني مستقل وضمن ترتيبات أمنية متفق عليها، بما قد يفضي إلى إنتاج سلطة منتخبة تستمد شرعيتها من الشعب الليبي، وهو الهدف الأساسي للمرحلة المقبلة.









