اخبار مميزةليبيا

العبار: لقاءات الفريق صدام حفتر في تركيا مؤشر إيجابي في مسار بناء الجيش الليبي

قال الباحث السياسي صلاح العبار، إن اللقاءات التي استضافتها تركيا بين قيادات عسكرية ليبية، والتي جاءت بدعوة رسمية من وزارة الدفاع التركية، لم تكن حدثًا معزولًا، بل امتدادًا لسلسلة اجتماعات متواصلة منذ نحو عام ضمن مساعٍ تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين المؤسسات العسكرية الليبية.
وأوضح العبار، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن اللقاءات التي جمعت نائب القائد العام الفريق صدام حفتر ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام زوبي، وبحضور مسؤولين أتراك، سبقتها مبادرات، من بينها لجنة “5+5” إلى جانب زيارات متبادلة بين قيادات عسكرية، معتبرًا أنها أسست لمرحلة أولية في مسار بناء المؤسسة العسكرية.
وفي السياق نفسه، أشار إلى أن الدور التركي، إلى جانب أطراف دولية أخرى، يعكس وجود توجهات داعمة لهذا المسار، لافتًا إلى انتقال الجهود إلى مرحلة “المخرجات” فيما يتعلق بتوحيد الجيش، مبيناً أن هذه التفاهمات بين القيادات العسكرية المختلفة تعكس وجود أرضية مشتركة، رغم استمرار الحاجة إلى معالجة الجوانب التنظيمية والهيكلية.
كما أكد أن مشاركة أطراف إقليمية ودولية، مثل تركيا ومصر، تمنح هذا المسار بعدًا ضامنًا، موضحًا أن المرحلة الحالية ما تزال في إطار التنسيق الأولي.
ونوه بأن المؤشرات الراهنة، بما في ذلك اللقاءات والتفاهمات والتصافح بين القيادات العسكرية، تعكس وجود إرادة مبدئية للمضي في مسار توحيد المؤسسة العسكرية، مع توقع استمرار هذه اللقاءات خلال المرحلة المقبلة.
من جهة ثانية، قال العبار معلقاً على الأحداث الأمنية الأخيرة في مدينة الزاوية، إن الاشتباكات الدائرة في المدينة هذه المرة تبدو أكثر حدّة وشراسة، خاصة مع رفع شعارات تتعلق بمكافحة أوكار الجريمة، مشيرًا إلى أن المشهد في المدينة بات شديد التعقيد والتشابك نتيجة تعدد الأطراف وتداخل مراكز النفوذ داخلها.
وأوضح العبار، أن مدينة الزاوية لا يمكن النظر إليها كبؤرة توتر محلية فحسب، بل إنها تكتسب أهمية استراتيجية على المستويين الداخلي والخارجي، نظرًا لقربها من العاصمة طرابلس واحتضانها لأكبر مصفاة نفط في ليبيا، فضلًا عن كونها من أبرز نقاط انطلاق الهجرة غير النظامية وعمليات التهريب والجريمة المنظمة.
وأشار إلى أن هذه المعطيات جعلت ملف الزاوية محل متابعة واهتمام من بعض الدول الأوروبية، معتبرًا أن ذلك يعكس وجود أبعاد وتدخلات خارجية مرتبطة بما يجري داخل المدينة.
وأضاف العبار أن المشهد في الزاوية يشهد حالة من “اختلاط الأوراق”، في ظل تعدد مراكز القوة وغياب جهة واحدة يمكن التفاهم معها أو تحميلها المسؤولية بشكل مباشر، موضحًا أن الاشتباكات الأخيرة تشارك فيها عدة أطراف، في حين تظهر أطراف أخرى بمظهر الحياد رغم انخراطها غير المباشر في الأحداث.
وتساءل عن الجهات التي توفر الدعم المالي والعسكري للمجموعات المسلحة الموجودة في المدينة منذ سنوات، وكذلك الأطراف التي تمنح الغطاء لتلك الجماعات المتورطة ـ بحسب قوله ـ في تهريب الوقود والبشر.
وأكد العبار أن ما يجري في الزاوية لا يمكن اختزاله في إطار محلي فقط، بل يرتبط أيضًا بتدخلات وعوامل خارجية أسهمت في إبقاء المدينة داخل هذا التعقيد الأمني المستمر.
كما اعتبر أن العمليات الأمنية التي أُطلقت في الزاوية تحت شعارات مكافحة أوكار المخدرات والجريمة المنظمة لم تحقق نتائج ملموسة، مشيرًا إلى أن تكرار هذه العمليات بالخطاب نفسه بعد عام يعكس عمق الأزمة وتعقيدها.
ولفت إلى أن التحركات العسكرية السابقة، ومن بينها تلك التي نُسبت إلى صلاح النمروش، سعت إلى فرض السيطرة الأمنية، غير أن الواقع أثبت ـ بحسب رأيه ـ أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تتم عبر عمليات مؤقتة أو استعراضات للقوة، خصوصًا مع تجدد الاشتباكات بشكل دوري.
وأكد أن فهم الصراع في الزاوية يتطلب تفكيك تركيبته الداخلية، موضحًا أن الأزمة لا تقتصر على وجود ميليشيات أو جماعات متطرفة فقط، بل تتداخل فيها أيضًا أبعاد قبلية ومناطقية، ما يجعلها “أزمة مركبة ومعقدة”.
وأضاف أن بعض المجموعات المسلحة تستند إلى نفوذ قبلي، إلى جانب وجود جماعات متشددة وأخرى مرتبطة بمصالح اقتصادية وشبكات تهريب، وهو ما يجعل أي محاولة لفرض الأمن دون معالجة هذه البنية محكومة بالتعثر.
وفي الإطار ذاته، رأى العبار أن حكومة الوحدة المؤقتة، ووزارة الدفاع حاولتا التدخل لفرض الأمن، إلا أن تلك الجهود لم تحقق النتائج المرجوة لأنها لم تعالج جذور الأزمة أو تفكك طبيعة التشكيلات المسلحة. كما شدد على ضرورة التمييز بين هذه المجموعات، بحيث يتم دمج من يقبل الانخراط في مؤسسات الدولة، مقابل مواجهة الجماعات المتطرفة أو تلك التي تعتمد على نفوذ مناطقي وقبلي خارج إطار الدولة.
وفي جانب آخر، طرح تساؤلات بشأن الجهات التي توفر الدعم اللوجستي والتقني والعسكري لبعض الميليشيات، خاصة مع استخدام الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا الحديثة في الاشتباكات، معتبرًا أن هذا المستوى من التسليح لا يمكن أن يكون عشوائيًا.
واعتبر أن استمرار الفوضى في الزاوية لسنوات لا يمكن تفسيره كحالة انفلات عفوية، بل هو “وضع مدروس” يُستخدم كورقة ضغط في الصراع السياسي الليبي، سواء على مستوى العلاقة مع حكومة عبد الحميد الدبيبة أو في إطار الترتيبات السياسية المستقبلية. وأضاف أن ما يجري يرتبط، في تقديره، بتدخلات من دول تسعى إلى توظيف الملف الليبي ضمن حسابات إقليمية ودولية.
ولفت العبار إلى أن السيطرة على مواقع استراتيجية، وفي مقدمتها أكبر مصفاة نفط في ليبيا، ترتبط مباشرة بطبيعة الصراع القائم، مشيرًا إلى أن بعض القوى الدولية تنخرط بشكل مباشر أو غير مباشر في الملف الليبي.
وبينّ أن بعض هذه الدول ليست محايدة، بل تمتلك مصالح اقتصادية واستراتيجية في النفط والغاز، ما يجعل استمرار الفوضى ـ بحسب رأيه ـ يخدم تلك المصالح.
وأكد أن وجود جيش نظامي موحد ودولة قوية كان من شأنه الحد من التهريب وضبط المشهد الأمني، مشددًا على أن الفوضى القائمة تستفيد منها أطراف داخلية وخارجية على حد سواء. منوهاً إلى أن الأزمة في الزاوية لا يمكن التعامل معها كاشتباكات متقطعة، بل هي ملف ممتد يرتبط بتوازنات إقليمية ودولية معقدة.
ورأى الباحث السياسي، أن الحل الأمني ممكن، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية ودعمًا جادًا لبناء مؤسسة عسكرية موحدة، مع التأكيد على أن أي دعم دولي يجب أن يُوجَّه نحو تعزيز الاستقرار لا إدارة الفوضى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى