“الديباني”: أوروبا مطالبة بمساندة ليبيا في تأمين حدودها لا فرض التوطين

قال الباحث القانوني عبد الله الديباني، إن الحشود الشعبية التي شهدتها ليبيا اليوم، رفضاً لما وصفه بمشروعات توطين المهاجرين، بعثت برسالة واضحة ومباشرة إلى المنظمات الدولية ومختلف الأطراف الخارجية، مفادها رفض الليبيين لأي مساعٍ تهدف إلى تحويل البلاد إلى وجهة لاستقرار المهاجرين غير الشرعيين ومعالجة أزمة الهجرة عبر إبقائهم داخل الأراضي الليبية.
وأوضح الديباني، في حديث لتلفزيون “المسار”، أن المهاجرين الموجودين في ليبيا يُصنفون قانونياً كمهاجرين غير شرعيين، لعدم حصولهم على تأشيرات دخول قانونية إلى البلاد، مستنداً في ذلك إلى أحكام القانون رقم (19) لسنة 2010، والقانون رقم (4) لسنة 2004، إضافة إلى القانون رقم (2) لسنة 2004 المنظم لدخول وإقامة الأجانب.
وأشار إلى أن هذا الحشد يعكس بصورة قاطعة حجم الرفض الشعبي لتلك المشروعات لافتاً إلى أن هذا الموقف لا ينطلق فقط من اعتبارات السيادة الوطنية، بل يستند كذلك إلى مبادئ تتعلق باحترام القانون وحقوق الإنسان وحماية الدولة ومؤسساتها.
وفي السياق ذاته، قال الديباني إن شريحة واسعة من الليبيين باتت تعلن رفضها لوجود المفوضية السامية لشؤون اللاجئين داخل البلاد، معتبراً أن نشاطها يفتقر إلى الأساس القانوني اللازم.
وأضاف أن المفوضية، رغم كونها إحدى الإدارات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، لا يمكنها العمل داخل أي دولة دون وجود ما يعرف بـ”اتفاقية المقر”، وهي الاتفاقية التي تحدد اختصاصات المنظمة ومجال عملها داخل الدولة المضيفة، وتحتاج إلى اعتماد وتصديق من السلطة التشريعية المختصة.
وأوضح أن المفوضية دخلت ليبيا لأول مرة عام 1991، وكانت تقتصر في بدايات نشاطها على إعداد تقارير محدودة تتعلق بملفات اللجوء والهجرة، قبل أن تغادر البلاد عام 2000، ثم تعود مجدداً خلال عامي 2014 و2015 لتصبح إحدى المؤسسات الدولية العاملة في ليبيا إلى جانب منظمات وهيئات أممية أخرى مثل اليونسكو.
ورأى الديباني، أن الإشكالية بدأت تتفاقم مع توسع المفوضية في ممارسة أنشطة واختصاصات تتجاوز، من وجهة نظره، طبيعة مهامها الأصلية.
واستشهد في هذا الإطار بتصريحات وزير الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية، الذي أكد مؤخراً عدم وجود إذن قانوني يمنح المفوضية تلك الصلاحيات، مشيراً إلى أن فترة تولي وزيرة الخارجية السابقة نجلاء المنقوش شهدت منح المفوضية تسهيلات سمحت لها بتوسيع نطاق عملها، بما في ذلك الزيارات التي قامت بها إلى مناطق الجنوب الليبي والتي أثارت جدلاً واسعاً في ذلك الوقت.
وأضاف أن المفوضية مُنحت صلاحيات تتعلق بإنشاء مراكز لتقديم الخدمات والمساعدات للمهاجرين واللاجئين، إلا أنها، بحسب تقديره، تجاوزت تلك الأدوار إلى التدخل في اختصاصات ترتبط بالسيادة الإقليمية للدولة الليبية، وهي اختصاصات ينظمها القانون الوطني والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
كما بين أن المفوضية اتجهت إلى إصدار بطاقات ووثائق خاصة باللاجئين، معتبراً أن هذه الخطوة تثير إشكالات قانونية جوهرية، لأن منح الإقامات أو إصدار الوثائق التي تمنح وضعاً قانونياً للأجانب يُعد اختصاصاً حصرياً تنظمه التشريعات الليبية، وأسندته الدولة إلى جهات رسمية مختصة، في مقدمتها مصلحة الجوازات والجنسية وشؤون الأجانب.
وأكد أن أي منظمة دولية، بما في ذلك المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لا تملك قانوناً حق إصدار تراخيص أو بطاقات أو وثائق ذات أثر قانوني داخل ليبيا، لأن هذه الصلاحيات تدخل ضمن اختصاصات الدولة السيادية التي ينظمها التشريع الوطني بشكل حصري.
وفي الإطار نفسه، شدد على أن عضوية ليبيا في الأمم المتحدة لا تمنح تلقائياً أي هيئة أو إدارة أممية صلاحيات مباشرة داخل الأراضي الليبية، موضحاً أن ممارسة أي نشاط من هذا النوع تستوجب وجود اتفاقيات قانونية واضحة ومصادق عليها، وعلى رأسها اتفاقية المقر المعروفة في القانون الدولي وقانون المنظمات الدولية.
وتابع: أن المفوضية لا تمتلك الحق في إصدار تصنيفات قانونية أو منح بطاقات ورخص ووثائق تتعلق بالإقامة أو اللجوء داخل ليبيا، لأن هذه الاختصاصات حددها القانون الليبي وأوكلها إلى جهات معينة على سبيل الحصر.
ورأى الديباني أن المفوضية أصبحت تؤدي دوراً يتجاوز اختصاصاتها الأصلية، إلى درجة أنها باتت، وفق تعبيره، تنفذ سياسات ترتبط بحماية الحدود الأوروبية أكثر من ارتباطها بمعالجة أوضاع المهاجرين داخل ليبيا، معتبراً أن البطاقات والوثائق التي تصدرها تخدم في جانب منها معالجة الإشكالات المرتبطة بملف الهجرة بالنسبة للدول الأوروبية.
وكشف أن المفوضية تقدم مساعدات مالية للمهاجرين المسجلين لديها بتمويل من الاتحاد الأوروبي، موضحاً أن بعض الحاصلين على البطاقات والوثائق الصادرة عنها يتلقون مخصصات مالية شهرية تُقدّر بنحو 70 يورو لتغطية احتياجاتهم الأساسية من مأكل وملبس.
كما تطرق إلى ما وصفه ببرامج إعادة التوطين وإعادة التوجيه نحو الدول الأوروبية، معتبراً أنها تثير تساؤلات تتعلق بمبادئ حقوق الإنسان وآليات اختيار المستفيدين منها.
وأشار إلى وجود شهادات لمواطنين من المنطقة الغربية تفيد بوجود عمليات انتقاء للمهاجرين وفق معايير مرتبطة بالحالة الصحية والقدرات والمهارات ومستوى اللغة، حيث يتم اختيار بعضهم لإعادة التوطين أو النقل إلى دول أوروبية، بينما يبقى آخرون داخل ليبيا.
ولفت إلى أن هذه التطورات أسهمت في تصاعد حالة الرفض الشعبي، وهو ما تجسد، بحسب قوله، في المظاهرات والتجمعات التي شهدتها عدة مناطق في البلاد، مؤكداً أن خروج الليبيين إلى الساحات العامة جاء للتعبير عن موقف واضح ومباشر يرفض مشروعات التوطين.
وعن دور المنظمات الدولية، أكد الديباني، أنها لا تعمل بالضرورة وفق المصالح الليبية، وإنما تسعى إلى معالجة الإشكاليات المرتبطة بملف الهجرة على المستوى الدولي، موضحا أن ليبيا لا تواجه مشكلة مع العمالة أو الوافدين الذين يدخلون عبر المنافذ الرسمية من الدول العربية أو المجاورة، وإنما تكمن الأزمة في تدفقات الهجرة غير الشرعية القادمة من عمق القارة الأفريقية.
وأضاف أن الأعداد المتزايدة من المهاجرين لم تعد تنظر إلى ليبيا باعتبارها مجرد محطة عبور نحو أوروبا، بل ظهرت محاولات تهدف إلى إبقائهم داخل الأراضي الليبية واستقرارهم فيها، مستندة إلى اتساع مساحة البلاد وانخفاض كثافتها السكانية.
وحذر “الديباني”، من أن هشاشة الوضع السياسي والانقسام المؤسسي وضعف بسط السيادة على كامل التراب الليبي أسهمت في تنامي دور بعض المنظمات الدولية في إدارة ملفات تخص المهاجرين بما يتجاوز، أحياناً، اختصاصات مؤسسات الدولة، منبهاً إلى أن استمرار هذا المسار قد يقود مستقبلاً إلى تغيرات ديموغرافية عميقة تمس التركيبة السكانية الليبية.
وشدد على أهمية العودة إلى الاتفاقيات والتفاهمات السابقة التي تنص بوضوح على أن ليبيا تُعد دولة عبور وليست دولة استيطان، على غرار عدد من دول المنطقة مثل النيجر وتشاد، مؤكداً أن هذا المبدأ يجب أن يشكل الأساس الذي تُبنى عليه المقاربة الدولية لملف الهجرة في ليبيا.
ودعا الاتحاد الأوروبي إلى تحمل مسؤولياته عبر تقديم دعم فعلي للدولة الليبية في مجال تأمين الحدود الجنوبية، من خلال تدريب عناصر حرس الحدود وتزويدهم بالمعدات التقنية الحديثة، فضلاً عن دعم خفر السواحل بالخبرات والإمكانات اللازمة لمكافحة الهجرة غير الشرعية وشبكات التهريب، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية الليبية تمتلك الأطر القانونية المنظمة للتعامل مع ملف الهجرة استناداً إلى التشريعات النافذة، مشيراً إلى أنها تؤدي مهامها في إطار القانون بهدف حماية الحدود والحفاظ على الأمن الوطني.
وكشف “الديباني”، كذلك عن وجود ضغوط تمارسها بعض الجهات الدولية والمنظمات المعنية بملف الهجرة لإجراء تعديلات على القوانين الليبية المنظمة لهذا الملف، بما يمنح المهاجرين خيارات أوسع للبقاء داخل البلاد، موضحاً أن هذه المساعي ليست جديدة، بل طُرحت خلال السنوات الماضية.
وأكد أن الحفاظ على السيادة الوطنية وصون مصالح الدولة الليبية يجب أن يشكلا المرجعية الأساسية لأي تعديلات قانونية أو سياسات مستقبلية تتعلق بملف الهجرة، داعياً إلى تبني رؤية وطنية واضحة تحقق التوازن بين الالتزامات الإنسانية ومتطلبات الأمن القومي.









