“احواس”: رفض التوطين وحده لا يكفي.. والحل يبدأ بتطبيق القانون وحماية الحدود

اعتبر العميد السابق لكلية القانون بجامعة سرت، الدكتور خليفة احواس، أن حالة الرفض الرسمي والشعبي لمشاريع توطين المهاجرين داخل ليبيا، تمثل خطوة مهمة، لكنها غير كافية لمواجهة ما وصفه بالتحديات المرتبطة بملف الهجرة غير الشرعية، مشيداً في الوقت ذاته بسرعة استجابة الجهات الأمنية والعسكرية للمطالب الشعبية المتعلقة بمكافحة الظاهرة.
وأوضح احواس، في حديث لتلفزيون “المسار”، أن التعليمات الصادرة عن نائب القائد العام الفريق صدام حفتر، بشأن تنفيذ حملات مكثفة لضبط المهاجرين غير الشرعيين وترحيلهم، إلى جانب الإجراءات والبيانات الصادرة عن جهات أخرى في مختلف أنحاء البلاد، تعكس إدراكاً متزايداً لخطورة الملف، إلا أن معالجة القضية تتطلب أكثر من مجرد ردود فعل آنية أو عاطفية.
وأضاف أن قضية الهجرة ترتبط بشكل مباشر بمفهوم السيادة الوطنية، موضحاً أن القانون الدولي والقانون الوطني يؤكدان أن السيادة تعد من الركائز الأساسية التي تقوم عليها العلاقات بين الدول، وأن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول يمثل أحد أهم المبادئ القانونية المستقرة.
وأشار إلى أن أي توجه نحو تحويل ليبيا إلى منطقة استقرار أو توطين للمهاجرين برعاية دولية، تحت ذرائع تتعلق بحماية الأمن القومي للدول الأجنبية أو دول الضفة الشمالية للبحر المتوسط، يمثل خطراً بالغاً على الدولة الليبية ومصالحها الوطنية.
وأوضح أن الإجراءات التي اتخذتها السلطات، رغم ما قد يراه البعض بأنها جاءت استجابة لحالة غضب شعبي، تعد إجراءات عملية وواقعية، لافتاً إلى أن التشريعات الليبية المنظمة لهذا الملف واضحة وصريحة.
وأكد أن القانون رقم (19) لسنة 2010، إلى جانب التشريعات والقرارات اللاحقة الصادرة عن السلطة التشريعية، تتضمن نصوصاً واضحة تتعلق بمكافحة الهجرة غير الشرعية وتوطين الأجانب، مشدداً على أن أي شخص يدخل الأراضي الليبية بصورة مخالفة للقانون، سواء كان هدفه العبور أو الإقامة أو أي غرض آخر، يعد مهاجراً غير شرعي وفقاً للتشريعات النافذة، الأمر الذي يستوجب اتخاذ الإجراءات القانونية بحقه حفاظاً على الأمن القومي.
ودعا احواس، جميع السلطات والمؤسسات في شرق البلاد وغربها وجنوبها إلى تجنب الانقسام السياسي بشأن هذا الملف، معتبراً أن قضية الهجرة غير الشرعية يمكن أن تشكل أرضية مشتركة لتوحيد المواقف الوطنية، نظراً لما تمثله من تحدٍ يمس جميع الليبيين دون استثناء.
وأضاف أن ليبيا، بوصفها دولة عبور، تواجه تدفقات بشرية غير منظمة، مؤكداً أن كثيراً من الأشخاص الموجودين داخل البلاد بصورة غير قانونية دخلوا عبر طرق غير مشروعة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول آليات دخولهم ووصولهم إلى الأراضي الليبية.
وأشار إلى أن الظروف الأمنية التي مرت بها ليبيا خلال السنوات الماضية، بما شهدته من صراعات واضطرابات، ساهمت في تفاقم الظاهرة، إلا أن تحسن الأوضاع الأمنية في العديد من المناطق يفرض اليوم، بحسب تعبيره، تعزيز جهود حماية الحدود ومكافحة التسلل والهجرة غير القانونية باعتبار ذلك واجباً وطنياً يتعلق بحماية الدولة ومؤسساتها.
وأثار احواس، تساؤلات حول الأساس القانوني لعمل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل ليبيا، وما إذا كان وجودها يستند إلى إطار قانوني دائم أم إلى ترتيبات مؤقتة فرضتها ظروف معينة.
وأشار إلى تصريحات مندوب ليبيا السابق لدى الأمم المتحدة إبراهيم الدباشي، التي أكد فيها أن وجود المفوضية في ليبيا بدأ في إطار مهام مؤقتة مرتبطة بمعالجة أوضاع اللاجئين الصوماليين وتسوية ملفاتهم، قبل أن يتوسع نشاطها لاحقاً ليشمل منح صفة اللجوء لفئات أخرى.
وأوضح احواس، أن الأعراف والممارسات الدولية المتبعة تقضي بأن منح صفة اللجوء يعد اختصاصاً سيادياً للدول ويتم وفقاً لاتفاقيات وترتيبات قانونية محددة، معتبراً أن الدولة هي الجهة الأصلية المخولة بمنح اللجوء، وليس المفوضيات الدولية، ما لم تكن هناك اتفاقيات أو أطر قانونية تنظم هذا الاختصاص بصورة واضحة.
وقال إن وجود مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا يستند إلى اتفاق إداري أُبرم عام 1991 بين المفوضية ووزارة الخارجية الليبية، موضحاً أن الاتفاق اقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية والرعاية لبعض الفئات التي اضطرتها الظروف إلى القدوم إلى ليبيا، ومن بينها لاجئون من دول شهدت نزاعات وأزمات، وعلى رأسها الصومال آنذاك، معتبراً أن أي إجراءات تتعلق بمنح صفة اللجوء أو تقرير مصير المقيمين داخل البلاد تبقى من اختصاص الدولة الليبية باعتبارها صاحبة السيادة.
وبينّ أن وجود المفوضية منذ عام 1991 كان وجوداً مؤقتاً ومقيداً بإطار محدد، مشدداً على أنها تعمل داخل الأراضي الليبية تحت مظلة السيادة الوطنية، ولا تملك، بحسب رأيه، صلاحية منح بطاقات أو وثائق من شأنها أن تترتب عليها آثار قانونية تتعلق بالتوطين أو التمتع بحقوق يختص القانون الوطني بتنظيمها.
ولفت إلى أن الدور الإنساني الذي أُنشئت المفوضية من أجله لا ينبغي أن يتحول إلى دور تشريعي أو سيادي، مشيراً إلى أن التنسيق مع السلطات الليبية كان يهدف في الأصل إلى تقديم الدعم الإنساني للفئات المحتاجة، وليس إلى الحلول محل مؤسسات الدولة أو ممارسة اختصاصاتها.
وفي معرض حديثه عن إمكانية إعادة تنظيم أو إغلاق مكاتب بعض المنظمات الدولية العاملة في ملف الهجرة، وعلى رأسها مفوضية اللاجئين، قال احواس، إن للدولة الليبية، عبر مؤسساتها المعترف بها، الحق في مراجعة طبيعة عمل أي جهة أجنبية داخل أراضيها، واتخاذ ما تراه مناسباً وفقاً لمقتضيات السيادة الوطنية والقانون الداخلي.
وقال إن ردود الفعل الشعبية الواسعة التي ظهرت في مختلف مناطق البلاد تعكس حالة إجماع متنامية حول رفض أي مشاريع تستهدف توطين المهاجرين داخل ليبيا، مشيراً إلى أن هذا الموقف برز في الشرق والغرب والجنوب على حد سواء.
وشدد على ضرورة أن تتولى الدولة الليبية بنفسها إدارة ملف اللجوء والهجرة عبر مؤسساتها المختصة، مؤكداً أن وزارة الخارجية والجهات السيادية الليبية هي صاحبة الاختصاص الأصيل في هذا الملف.
وأضاف أن أي انحراف عن الأهداف المحددة للاتفاقات المنظمة لعمل الجهات الدولية، أو أي ممارسة تؤدي إلى تسهيل توطين غير الليبيين داخل البلاد، يبرر – من وجهة نظره – مطالبة الدولة بإعادة النظر في استمرار تلك الجهات أو إنهاء عملها، وفقاً لما تقتضيه القوانين الوطنية ومقتضيات السيادة.









