“الخضر”: معالجة الهجرة تتطلب التوازن بين الأمن القومي والاعتبارات الإنسانية

قال الناشط السياسي عبد الرؤوف الخضر إن تصاعد بعض الخطابات ذات الطابع العنصري في الأوساط الليبية لا يمكن فصله عن تفاقم أزمة الهجرة غير النظامية وغياب المعالجات الحكومية الفاعلة لهذا الملف، محمّلًا السلطة التنفيذية مسؤولية عدم التعامل الجاد مع القضية خلال السنوات الماضية.
وأوضح “الخضر”، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، أن مظاهر هذا الخطاب بدأت تظهر لدى شريحة من المواطنين الليبيين، لكنه أكد رفضه التام لمثل هذه الأطروحات، معتبراً أن فهم أسباب انتشارها يستوجب البحث في جذور الأزمة والعوامل التي أسهمت في تفاقمها، بدلاً من الاكتفاء بإدانة نتائجها فقط.
وأشار إلى أن ليبيا تمتلك منظومة من القوانين واللوائح التي تنظم دخول الأجانب إلى البلاد وإقامتهم وخروجهم منها، إلا أن تطبيق هذه التشريعات لم يكن، بحسب وصفه، بالمستوى المطلوب، الأمر الذي أسهم في تزايد أعداد المهاجرين غير النظاميين بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة.
ووجّه الخضر، انتقادات مباشرة إلى حكومة الدبيبة، متهماً إياها بعدم الالتزام بالضوابط القانونية المنظمة لملف الهجرة، وباستخدام قضية المهاجرين واللاجئين غير النظاميين كورقة ضغط سياسية تساعدها على الاستمرار في السلطة.
وأضاف أن المواطن الليبي بات، من وجهة نظره، أمام خيارين أحلاهما مر، فإما القبول بالأمر الواقع الناتج عن تزايد أعداد المهاجرين غير النظاميين داخل البلاد، أو الانزلاق نحو خطاب الكراهية والعنصرية، مؤكداً أن كلا المسارين يمثلان نتيجة مباشرة لغياب إدارة فعالة للأزمة.
وشدد على أن الاعتراض الشعبي يجب أن يتركز، وفق رؤيته، على مسألة الوجود غير القانوني داخل الأراضي الليبية، وليس على الخلفيات العرقية أو القومية للمهاجرين، داعياً إلى تطبيق القوانين واللوائح المنظمة لإقامة الأجانب بما يضمن احترام السيادة الوطنية وصون الحقوق الإنسانية في آن واحد.
وأكد أن جميع المقيمين الأجانب داخل ليبيا مطالبون بالالتزام بالإجراءات القانونية المنظمة للإقامة والعمل، بما يتيح لهم الاستفادة من الخدمات التي تقدمها الدولة ضمن الأطر الرسمية المعتمدة.
كما أوضح أن ليبيا تمتلك بالفعل منظومة تشريعية واضحة في هذا المجال، مستشهداً بالقانون رقم (6) لسنة 1987 بشأن تنظيم دخول وإقامة الأجانب، إلى جانب القانون رقم (19) لسنة 2010 الخاص بمكافحة الهجرة غير الشرعية، مؤكداً أن الإشكالية لا تكمن في غياب التشريعات وإنما في مدى تنفيذها وتطبيقها على أرض الواقع.
ولفت إلى أن الموقع الجغرافي لليبيا جعلها إحدى أهم بوابات العبور نحو أوروبا، بحكم قرب سواحلها من الضفة الشمالية للمتوسط، مشيراً إلى أن ظاهرة الهجرة غير النظامية لا تقتصر على ليبيا وحدها، بل تشمل أيضاً دولاً أخرى مثل تونس ومصر والمغرب وموريتانيا، غير أن الفارق يكمن في قدرة بعض الدول على إدارة هذه الظاهرة والحد من تداعياتها الأمنية والاقتصادية.
وأكد الخضر أن أي أجنبي يقيم أو يعمل داخل ليبيا يجب أن تكون أوضاعه القانونية منظمة وفق الإجراءات المعتمدة لدى الدولة، مستشهداً بالتجارب الدولية التي تشترط حصول المقيمين الأجانب على إقامات قانونية وعقود سكن ووثائق رسمية تتيح لهم ممارسة حياتهم اليومية وفتح الحسابات المصرفية والاستفادة من الخدمات العامة.
وفي أشار إلى أن القانون رقم (24) لسنة 2023 يفرض عقوبات على المواطنين الليبيين الذين يقومون بتشغيل أو إيواء أجانب بصورة مخالفة للقانون، موضحاً أن العقوبات تشمل الحبس لمدة تتراوح بين سنة وخمس سنوات، إضافة إلى الغرامات المالية، في حال ثبت تشغيل أو إسكان أجانب دون استكمال الإجراءات القانونية المطلوبة.
وأضاف أن التشريعات الليبية منحت المخالفين الذين دخلوا البلاد بطرق غير قانونية فرصة لتسوية أوضاعهم القانونية عبر الإجراءات المعتمدة لدى الجهات المختصة، بما يسمح للدولة بحصر أعداد الوافدين وتحديد طبيعة وجودهم وأسباب دخولهم إلى الأراضي الليبية.
وأكد الخضر أنه لا يعارض الاستفادة من خبرات العمالة العربية والأجنبية داخل ليبيا، بل يعتبرها إضافة مهمة للاقتصاد الوطني ولسوق العمل، شريطة أن يتم ذلك في إطار قانوني منظم يحفظ حقوق الجميع ويضمن احترام سيادة الدولة وقوانينها.
وفي هذا الإطار، استعرض تجربة شخصية مر بها أثناء عمله في تونس، موضحاً أنه خضع للإجراءات القانونية والرقابية المعمول بها هناك واحترم القوانين التونسية والتزم بها، معتبراً أن احترام قوانين الدولة المضيفة واجب على كل مقيم أو عامل أجنبي.
كما حمّل المواطنين الليبيين وأصحاب الأعمال مسؤولية مباشرة في تنظيم أوضاع العمالة الأجنبية التي تستفيد منها مؤسساتهم أو مشاريعهم الخاصة، مؤكداً أن كل من يقوم بإسكان أو تشغيل أو كفالة عامل أجنبي ملزم قانوناً باستكمال إجراءاته الرسمية، وإلا سيكون عرضة للمساءلة القانونية وفق التشريعات النافذة.
وفي جانب آخر، شدد الخضر على أهمية التزام المشاركين في المظاهرات بمواقع التجمع المحددة وعدم الانجرار وراء الدعوات المفاجئة لتغيير أماكن الاحتجاجات أو نقلها إلى مواقع أخرى، مشيراً إلى أن مثل هذه التحركات قد تفتح المجال أمام محاولات الاختراق وتشتيت صفوف المتظاهرين.
وأوضح أن تغيير مسار المظاهرات أو نقلها إلى مواقع جديدة يؤدي غالباً إلى إرباك التنظيم الميداني وإضعاف دور القيادات المشرفة عليها، لافتاً إلى أن بعض الأطراف قد تحاول فرض نفسها على المشهد أو التأثير على قرارات الحراك خارج الأطر التنظيمية المعتمدة.
وأضاف أن الحفاظ على وحدة القرار والانضباط داخل المظاهرات يمثل عاملاً أساسياً لضمان سلامة المشاركين وتحقيق الأهداف المعلنة للاحتجاجات، مستنداً في ذلك إلى تجارب سابقة وخبرات ميدانية في التعامل مع مثل هذه التحركات.
وتطرق “الخضر”، إلى ما وصفه بالتحديات الصحية التي تواجه ليبيا في ظل تدفقات الهجرة غير النظامية والنزوح من بعض الدول الأفريقية، داعياً إلى تعزيز الرقابة الصحية واتخاذ التدابير الوقائية اللازمة لحماية الصحة العامة.
وأشار إلى أن بعض الدول الأفريقية تسجل معدلات مرتفعة للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز”، مستشهداً بإحصاءات تتعلق بأعداد المصابين ونسب الانتشار في عدد من دول أفريقيا جنوب الصحراء، معتبراً أن حركة التنقل والهجرة تستدعي يقظة صحية ومتابعة مستمرة من الجهات المختصة.
كما أوضح أن ليبيا تُعد من الدول ذات المعدلات المنخفضة نسبياً في انتشار الفيروس، مؤكداً أهمية الحفاظ على هذا الوضع من خلال تعزيز برامج التوعية والكشف المبكر والرقابة الصحية، إلى جانب تنظيم ملف الهجرة بما يراعي الاعتبارات الأمنية.
وشدد على أن التعامل مع ملف الهجرة وما يرتبط به من تحديات أمنية وصحية واجتماعية يجب أن يتم وفق أسس علمية ومؤسسية واضحة، وبما يحقق التوازن بين حماية الأمن القومي والحفاظ على الصحة العامة واحترام القوانين والالتزامات الإنسانية.









