اخبار مميزةليبيا

احميد: الأولوية لتأسيس سلطة قوية قادرة على فرض النظام قبل أي انتخابات

قال الصحفي والباحث في الشأن السياسي إدريس احميد، إن ليبيا منذ البداية لم تكن جاهزة للانتخابات، مضيفاً أنه لا توجد إرادة حقيقية للوصول إلى الاستحقاق الانتخابي، وهو ما تعكسه – وفق رأيه – السنوات الماضية، حيث لا يُحترم دور النخب أو الساسة، وأن كل من يصل إلى المشهد السياسي يسعى للبقاء فيه.

وأوضح احميد خلال مداخلة على قناة “الوسط”، رصدتها “الساعة 24″، أن ما يجري يعكس سلوك مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، مشيراً إلى تقديم مبادرة سريعة جاءت عبر اجتماع افتراضي (زوم)، في ظل مبادرة أمريكية تواصلت مباشرة مع الأطراف الفاعلة في ليبيا بهدف الوصول إلى تفاهمات وتوافقات لتشكيل حكومة، انطلاقاً من فهم الواقع الليبي، على حد قوله.

وأضاف أن الحديث اليوم لا يتجاوز هذه المبادرة باعتبارها الإطار المطروح بين الأطراف المختلفة، لافتاً إلى أن انتخابات 24 ديسمبر 2021 كانت موعداً دولياً شهد تدخلات وخلافات، رغم تسجيل نحو ثلاثة ملايين ليبي للمشاركة فيها، باعتبارها ثاني انتخابات بعد انتخابات المؤتمر الوطني.

وشدد على ضرورة الواقعية في التعامل مع ملف الانتخابات، معتبراً أن الأطراف الحالية لا ترغب في مغادرة المشهد السياسي، وأن قبول هذه المبادرات – إن حدث – لن يكون كافياً لتحقيق نتائج فعلية.

وأشار إلى أن التأثير الحقيقي في المشهد يعود – بحسب رأيه – إلى أطراف مثل القيادة العامة وحكومة الوحدة الوطنية، باعتبارها قوى فاعلة تمتلك القدرة على التأثير وفرض القبول أو الرفض، ولها إنجازات على الأرض، على حد تعبيره.

وانتقد احميد في المقابل الأطراف الأخرى التي ترفض أو تعارض هذه المبادرات، مستشهداً بدخول حكومة الوفاق إلى طرابلس وما رافقه من تهديدات في ذلك الوقت، معتبراً أن الشارع الليبي يبحث عن سلطة توفر الخدمات وتحسن الأوضاع الاقتصادية وتبسط الأمن، وتعمل على نزع سلاح التشكيلات المسلحة التي وصفها بأنها تُرهب المدنيين، خصوصاً في المنطقة الغربية.

وأكد أنه لا يؤمن إلا بوجود سلطة قوية قادرة على فرض النظام أولاً، ثم الانتقال إلى المراحل السياسية اللاحقة، مشيراً إلى أن الحديث عن الانتخابات ومجلس الدولة لا يزال يواجه تعطيلات مرتبطة باتفاقات سابقة، ومنها اتفاق بوزنيقة عام 2023، إضافة إلى انقسامات داخل المجلس الأعلى للدولة بين شخصيات مثل خالد المشري وتكالة، وفق ما ذكر.

واعتبر أن المجلس الأعلى للدولة أصبح جزءاً من حالة التعطيل السياسي، في ظل تداخل المواقف مع حكومة الوحدة المؤقتة، التي تؤكد أنها لن تسلم السلطة إلا لحكومة منتخبة، ما يفتح الباب أمام استمرار حالة الجمود السياسي.

وأشار إلى أن التجربة الليبية واضحة فيما يتعلق بإفشال الانتخابات منذ البداية، في ظل وجود أطراف تحمل السلاح وتسعى في الوقت نفسه إلى الحكم تحت شعارات الديمقراطية، مؤكداً تأييده للديمقراطية وتداول السلطة، لكن مع أولوية المبادرات المطروحة والدور الداعم لها، مشيراً إلى أن المواطنين ملّوا من استمرار الجمود السياسي.

وحسب احميد فإن فرص نجاح الخطة المنسوبة إلى المستشار الأمريكي مسعد بولس تعتمد على فهم دقيق لتعقيدات المشهد الليبي الممتد منذ عام 2011، موضحاً أن المبادرة الأمريكية تعكس إدراكاً لواقع السنوات الماضية والانحرافات التي رافقت المسار الانتخابي، بما في ذلك تجربة 2012 وما تلاها من خلافات سياسية وتوظيف للعزل السياسي، ما أدى إلى تعطيل بناء مسار ديمقراطي مستقر.

وأضاف أن الاستحقاقات الانتخابية السابقة لم تنجح في ترسيخ مسار واضح، مرجعاً ذلك إلى ضعف المشاركة الفعلية، وتعدد القوى المسلحة، وغياب الاستقرار السياسي والمؤسسي.

وتساءل احميد عن مدى جاهزية الشارع الليبي للمشاركة السياسية، معتبراً أن البلاد تعاني من تصحر سياسي، حيث تسعى النخب – وفق قوله – إلى التموقع داخل السلطة بدلاً من بناء مشروع سياسي مستدام.

ورأى أن المشهد بحاجة إلى مبادرة واقعية تجمع الأطراف القادرة على التأثير والتنفيذ لتحقيق استقرار سريع، مؤكداً أنه لا يمكن الحديث عن انتخابات في ظل وجود سلاح خارج مؤسسات الدولة وأطراف مسلحة تسعى للحفاظ على نفوذها وتعطيل العملية السياسية.

وشدد احميد على أن الأولوية يجب أن تكون لتأسيس سلطة قوية قادرة على فرض النظام وتوحيد المؤسسات قبل أي استحقاق انتخابي، معتبراً أن الحديث عن الانتخابات في ظل الظروف الحالية يظل نظرياً.

وأشار إلى أن مطالب الليبيين الأساسية تتمثل في تحسين الخدمات مثل الكهرباء والمياه ومكافحة الفساد وإنهاء الفوضى، أكثر من التركيز على المسارات السياسية المجردة.

وفي سياق حديثه عما بعد 2011، قال احميد إن ليبيا شهدت انحرافات متعددة في المسار السياسي بدءاً من الخلافات حول المؤتمر الوطني العام، مروراً بتوظيف العزل السياسي، وصولاً إلى انتشار السلاح خارج الدولة، وهو ما حال دون بناء تجربة ديمقراطية مستقرة.

وأضاف أن الحديث عن تعلّم الديمقراطية عبر الانتخابات لم يتحقق بالشكل المطلوب، بسبب تعثر التجارب السابقة، مشيراً إلى أن استحقاق 2021 وما قبله لم يكتمل بسبب الانقسام السياسي والتدخلات المسلحة.

وأكد أن الليبيين يطمحون إلى دستور يضمن الحقوق وقاعدة قانونية تنظم الانتخابات، إلا أن الواقع لم يسمح بتجسيد هذه التطلعات.

وانتقد احميد ما وصفه بضعف الدور الفعّال للشارع مقابل هيمنة الفاعلين السياسيين والمسلحين، معتبراً أن المجتمع الليبي يعاني من انقسامات قبلية وجهوية ومناطقية أثرت على وحدة الموقف الوطني.

وفيما يتعلق بالمبادرات الدولية، قال احميد إن فرض أي مبادرة بشكل كامل قد يقابل بالرفض أو التجاهل، في حين أن المبادرات المحلية قد تُستخدم ضمن التوازنات السياسية.

وأكد أن المقاربة الواقعية تفرض إدارة الأزمة بدلاً من القفز نحو الانتخابات، معتبراً أن وجود مؤسسات أمنية وعسكرية حالياً يمثل عنصر استقرار نسبي يجب التعامل معه كأمر واقع.

وأضاف أن المبادرات الثلاثية، في حال تم قبولها، لن تكون قابلة للتنفيذ عملياً، موضحاً أن الإشكال الأساسي في ليبيا ليس في صياغة المبادرات بل في القدرة على تنفيذها، في ظل انقسام المؤسسات السياسية، بما في ذلك المجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي.

وختم احميد بالقول إن الأزمة الليبية مرتبطة بغياب الإرادة التنفيذية الموحدة أكثر من ارتباطها بغياب المبادرات السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى