اخبار مميزةليبيا

بو الرايقة: زيارة صدام حفتر إلى واشنطن تعكس تصعيد التنسيق مع أمريكا

قال الباحث المختص في الأمن القومي فيصل بو الرايقة، إن التحركات الأمريكية الأخيرة بشأن الملف الليبي، وفي مقدمتها اللقاءات التي تستضيفها العاصمة واشنطن، تنسجم مع الأهداف التي حددتها وثيقة الأمن القومي الأمريكية الصادرة في نوفمبر 2025، والتي تناولت منطقة البحر المتوسط وشمال إفريقيا والشرق الأوسط باعتبارها دوائر ترتبط بشكل مباشر بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة.

وأوضح بو الرايقة، خلال مداخلة على قناة “الوسط”، رصدتها “الساعة 24″، أن المبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس أصبحت أكثر وضوحًا، معتبرًا أن زيارة نائب القائد العام للجيش الليبي، الفريق أول ركن صدام خليفة حفتر، إلى الولايات المتحدة، وما يتردد عن لقائه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، تمثل ترجمة عملية لهذه المبادرة.
وأشار إلى أن وثيقة الأمن القومي الأمريكية، رغم أنها لم تذكر ليبيا بالاسم، فإنها تناولت منطقة المتوسط وشمال إفريقيا بوصفها جزءًا من البيئة الاستراتيجية للولايات المتحدة، لافتًا إلى أنها ركزت على عدد من الملفات، من بينها مكافحة الإرهاب، ومواجهة النفوذ الروسي والصيني، وأمن الطاقة.

وأضاف أن ليبيا تحتل موقعًا مهمًا في هذا السياق، نظرًا لموقعها الجغرافي القريب من أوروبا، ولدورها في إمدادات الطاقة لحلفاء الولايات المتحدة، فضلًا عن امتلاكها إمكانات لزيادة الإنتاج، بما قد يسهم، وفق رؤيته، في الحد من نفوذ خصوم واشنطن في أسواق الطاقة.

وأكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم قدومه من خارج المؤسسات التقليدية في واشنطن، يعمل ضمن الرؤية التي ترسمها مؤسسات الدولة الأمريكية، مثل مجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية والأجهزة الاستخباراتية ومراكز الدراسات، وهي الجهات التي تشارك في صياغة وثيقة الأمن القومي وتحديد أولويات السياسة الخارجية.

ورأى بو الرايقة أن تحركات مسعد بولس تتطابق مع مضامين هذه الوثيقة، موضحًا أنها ترتكز على خمسة أهداف رئيسية تشمل توحيد السلطة في ليبيا، وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والاستثمار، وتقليص نفوذ الدول المنافسة للولايات المتحدة، إضافة إلى الانتقال من سياسة المساعدات إلى سياسة الاستثمار.

وحول زيارة صدام حفتر ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي إلى واشنطن، اعتبر بو الرايقة أن هذه الزيارة تعكس انتقال مستوى التواصل بين الولايات المتحدة والقيادة العامة للجيش الليبي من مستوى القائم بالأعمال أو المبعوثين إلى مستوى وزير الخارجية الأمريكي، وهو ما وصفه بأنه مؤشر على تصعيد مستوى التنسيق السياسي بين الجانبين.
وأضاف أن إدارة ترامب تعتمد على شبكة من المستشارين، من بينهم مسعد بولس وستيف ويتكوف وتوم باراك، بهدف ربط الملفات الخارجية مباشرة بالبيت الأبيض، وتجاوز بعض التعقيدات المرتبطة بالبيروقراطية داخل المؤسسات الأمريكية.

وأشار بو الرايقة إلى أن واشنطن تتحرك وفق سياسة تهدف إلى تقليل الانخراط المباشر وخفض الكلفة، موضحًا أن الولايات المتحدة دعمت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، إلى جانب آليات أخرى، من بينها ما يعرف بمسار “4+4″، للوصول إلى أهداف محددة تشمل تعديل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ثم إجراء الانتخابات، وصولًا إلى توحيد السلطات والمؤسسات الأمنية والعسكرية.

ورأى أن الرؤية الأمريكية تقوم على الاعتماد على الشركاء المحليين في ملفات مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار، دون الانخراط المباشر على الأرض، باعتبار أن الأمن القومي الأمريكي يمثل الإطار الحاكم لهذه السياسة.

وفي معرض حديثه عن غياب الرواية الرسمية الليبية بشأن الاجتماعات الجارية في واشنطن والقاهرة، رأى بو الرايقة أن هذا الصمت يعكس طبيعة المشهد السياسي في غرب ليبيا، الذي يشهد، بحسب وصفه، تعددًا في مراكز القرار وتباينًا في مواقف القوى السياسية والعسكرية، الأمر الذي يتطلب مزيدًا من الترتيب والتوافق قبل الإعلان عن أي تفاهمات.

وأضاف أن الساحة الليبية تشهد حضورًا مكثفًا لأجهزة استخبارات وعدد من الأطراف الدولية، من بينها إيطاليا وفرنسا وتركيا ومصر، التي تتابع عن كثب التطورات الميدانية والسياسية، وتقيم مدى قدرة الأطراف الليبية على تنفيذ ما يتم التوافق عليه.

واعتبر أن غرفة التنسيق التي جرى تشكيلها في القاهرة تمثل جزءًا من تحرك دولي أوسع تقوده الولايات المتحدة، يهدف إلى متابعة تنفيذ التفاهمات على الأرض، وتحويلها إلى خطوات عملية تمهد لتسوية سياسية شاملة في ليبيا.

وقال بو الرايقة إن المبادرة الأمريكية الرامية إلى الدفع نحو تسوية سياسية في ليبيا لا تقوم على إقصاء أي طرف، وإنما تفتح الباب أمام جميع القوى الراغبة في الانخراط في مسار الحل، مؤكدًا أن من يختار البقاء خارج هذا المسار إنما يقصي نفسه بنفسه.

وأوضح أن هذا الطرح سبق أن أعلنه مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، الذي أكد، بحسب قوله، أن المبادرة ليست مشروعًا شخصيًا، وإنما تعكس توجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والبيت الأبيض، وتهدف إلى إشراك جميع الأطراف الراغبة في التوصل إلى تسوية سياسية.

ورأى أن المخاوف من معارضة بعض القوى للمسار الأمريكي أمر وارد، إلا أن معالجة هذه المخاوف ينبغي أن تتم عبر الحوار وإدماج مختلف الأطراف، وليس عبر الإقصاء، معتبرًا أن الباب لا يزال مفتوحًا أمام الجميع للمشاركة في الترتيبات السياسية المقبلة.

وفي سياق حديثه، استعرض بو الرايقة عددًا من المحطات السابقة التي تعثرت فيها جهود توحيد المؤسسات الليبية، مشيرًا إلى أن المبعوثة الأممية هانا تيتيه كانت قد طالبت، خلال أحد اللقاءات، بإجراء تغييرات على مستوى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية، إلا أن تلك المساعي لم تحقق نتائج ملموسة، وهو ما يعكس، بحسب وصفه، حجم التعقيدات التي تواجه العملية السياسية.

وأضاف أن التدخل الأمريكي سبق أن أسهم في تقريب وجهات النظر بين المؤسسات الليبية، مستشهدًا بالاجتماعات التي استضافتها تونس، والتي شارك فيها ممثلون عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إلى جانب شركة K2 Integrity، وأسفرت عن توقيع اتفاق يتعلق بالإنفاق العام، معتبرًا أن هذه الخطوة جاءت نتيجة ضغط وجهد أمريكي مباشر.

كما أشار إلى الاتفاق الموقع في مدينة بوزنيقة المغربية بشأن توحيد ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية ومكافحة الفساد، مؤكدًا أن مرور سنوات على ذلك الاتفاق دون استكمال توحيد المؤسسات يعكس استمرار حالة الجمود السياسي.

ورأى بو الرايقة أن الليبيين مطالبون باستثمار أي حراك دولي يخدم مصالحهم الوطنية، من خلال طرح أولوياتهم بوضوح، وفي مقدمتها الحريات وحقوق الإنسان وإنهاء المراحل الانتقالية، والعمل على تضمين هذه المطالب ضمن أي مسار سياسي دولي، بدلًا من الاكتفاء برفض المبادرات الخارجية.

وأوضح أن الهدف يجب أن يكون توظيف الجهد الدولي لتحقيق المصالح الوطنية الليبية، معتبرًا أن الواقعية السياسية تقتضي الاستفادة من الفرص المتاحة بدلًا من الاكتفاء بالمواقف الرافضة، خاصة في ظل تعثر المبادرات المحلية خلال السنوات الماضية.

وفي تعليقه على الحراك الأمريكي، أشار بو الرايقة إلى أن واشنطن نجحت في جمع عدد من الأطراف الإقليمية، من بينها مصر وتركيا والسعودية، داخل إطار تنسيقي واحد، بهدف توحيد الجهود وعدم السماح لكل طرف بالتحرك بصورة منفردة، وهو ما اعتبره تطورًا يختلف عن أداء بعثة الأمم المتحدة، التي تفتقر، بحسب رأيه، إلى أدوات الضغط ذاتها التي تمتلكها الولايات المتحدة.

وتطرق بو الرايقة إلى الجدل الدائر حول التغييرات الأخيرة في جهاز المخابرات العامة، معربًا عن أسفه لما وصفه بـ”الحراك العبثي” الذي يطال مؤسسة سيادية معنية بحماية الأمن القومي الليبي، معتبرًا أن غياب الضوابط وتغليب المصالح الشخصية والفئوية على المصلحة الوطنية أسهما في تعقيد المشهد.

وحول غياب رؤية ليبية موحدة في اللقاءات الدولية، قال بو الرايقة إنه يتمنى وجود وثيقة وطنية تحدد الخطوط الحمراء والمصالح الليبية، لكنه أرجع غيابها إلى استمرار الانقسام السياسي، مشيرًا إلى أن ليبيا لا تمتلك حتى الآن خطابًا سياسيًا موحدًا، ولا رؤية واحدة لتعريف المصالح الوطنية أو تحديد الأولويات.

وأضاف أن الانقسام انعكس حتى على تعريف التهديدات والأولويات بين شرق البلاد وغربها، وهو ما يجعل من الصعب تقديم موقف ليبي موحد في المحافل الدولية، معتبرًا أن المؤسسات التنفيذية القائمة أصبحت، وفق تعبيره، جزءًا من معادلة الانقسام وتستفيد من استمراره.

واختتم بو الرايقة حديثه بالتأكيد على أهمية دور النخب والمثقفين والقوى الوطنية في صياغة وثيقة تعبر عن المصالح الليبية، وطرحها على طاولة الحوار مع الشركاء الدوليين، بما يضمن إدراج المطالب الوطنية ضمن أي تسوية سياسية مقبلة، ويبدد المخاوف المرتبطة بمستقبل البلاد ووحدة مؤسساتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى