أوغلو: تركيا تعيد صياغة دورها الإقليمي وتسعى لترسيخ الاستقرار في ليبيا

أكد الباحث السياسي مهند حافظ أوغلو، أن التحركات التركية الأخيرة تجاه ليبيا تأتي في إطار تحول أوسع في طبيعة الدور التركي إقليميًا، مشيرًا إلى أن أنقرة لم تعد تتحرك فقط من خلال الملفات الاقتصادية، بل أصبحت لاعبًا سياسيًا وأمنيًا مؤثرًا يسعى إلى بناء توازنات جديدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وأوضح أوغلو لقناة “ليبيا الحدث” أن المرحلة المقبلة قد تشهد حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا، من خلال زيارات لمسؤولين أتراك إلى كل من العاصمة طرابلس ومدينة بنغازي، إلى جانب احتمال عقد لقاءات ثلاثية ليبية – تركية – مصرية، بما يعكس وجود رغبة إقليمية في دفع الملف الليبي نحو مسار أكثر استقرارًا قائم على التفاهم والحوار بين مختلف الأطراف.
وأشار إلى أن تركيا باتت تبحث عن شخصيات ليبية تتمتع بالقدرة على العمل البراغماتي بعيدًا عن الاصطفافات الأيديولوجية والحزبية التقليدية، موضحًا أن الأولوية بالنسبة لأنقرة أصبحت التعامل مع قيادات تمتلك قبولًا وطنيًا ومجتمعيًا، وتضع مصلحة المواطن الليبي فوق أي اعتبارات أخرى.
وبيّن أن الهدف الأساسي من أي تحرك سياسي أو أمني أو اقتصادي يجب أن يكون خدمة المواطن الليبي، باعتباره محور جميع المبادرات المتعلقة بمستقبل البلاد، مؤكدًا أن مختلف القوى الإقليمية والدولية باتت تدرك أن استمرار الأزمة دون حل لا يخدم أي طرف.
وأضاف أن سنوات الجمود السياسي الطويلة جعلت الأزمة الليبية تراوح مكانها، مشددًا على أن بقاء الأوضاع على حالها لا يمثل استقرارًا حقيقيًا، بل يؤدي إلى مزيد من التراجع، وهو ما يستوجب البحث عن مسارات جديدة قادرة على تحريك العملية السياسية وإنهاء حالة الانسداد.
وأكد أن العلاقات التركية الليبية دخلت مرحلة مختلفة، موضحًا أن أنقرة وسعت قنوات التواصل مع مختلف الأطراف الليبية بعدما كانت أولوياتها في مراحل سابقة تتركز على ملفات محددة، من بينها اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين.
وأوضح أن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية لم تكن هدفًا نهائيًا بحد ذاتها، وإنما شكلت مدخلًا قانونيًا وسياسيًا لتعزيز العلاقات بين البلدين، وإرسال رسائل واضحة للمجتمع الدولي، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تؤكد تمسك تركيا باستقرار ليبيا ورفضها أي سيناريو يعيد البلاد إلى مربع الفوضى والانقسام.
وأشار إلى أن الرؤية التركية الحالية تقوم على دعم الشعب الليبي عبر مشاريع تنموية ومبادرات سياسية واقتصادية، لافتًا إلى أن أنقرة تتحرك أحيانًا بشكل معلن وأحيانًا عبر قنوات غير مباشرة، إلا أن الهدف يبقى واحدًا، وهو منع اندلاع مواجهة عسكرية جديدة والحفاظ على التوازنات التي تحققت خلال السنوات الماضية.
وشدد على أن ليبيا لم تعد تحتمل أي صراع مسلح جديد، وأن الأولوية يجب أن تكون تثبيت الاستقرار وتحقيق توازن حقيقي بين شرق البلاد وغربها، من خلال حوار شامل يضم جميع الأطراف الليبية، سواء عبر لقاءات مباشرة أو قنوات تواصل تمهّد للوصول إلى تفاهمات سياسية أوسع.
وأضاف أن الاستقرار في ليبيا لا يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل يشمل التعافي الاقتصادي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنهاء الملفات العالقة، وضبط الحدود، والحد من الهجرة غير الشرعية، واستكمال الملفات القانونية والسياسية المرتبطة بالعلاقات الإقليمية، بما يضمن بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات.
وأكد أن تركيا أصبحت خلال السنوات الأخيرة قوة إقليمية مؤثرة، وأن دورها تجاوز المجال الاقتصادي إلى التأثير السياسي والأمني، باعتبارها شريكًا محوريًا للولايات المتحدة في عدد من ملفات المنطقة.
وأوضح أن أنقرة استطاعت بناء شبكة واسعة من العلاقات والتفاهمات مع مختلف الأطراف، بعد إعادة صياغة سياستها الخارجية تجاه عدد من الدول العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قنوات اتصال مع إيران، وهو ما منحها قدرة أكبر على التحرك في الملفات الإقليمية المعقدة.
وأشار إلى أن التحالفات الجديدة التي نسجتها تركيا تعكس مشروعًا إقليميًا يعتمد على النفوذ السياسي والدبلوماسي، موضحًا أن المرحلة الأولى من هذا الحراك ترتبط بملفات العراق ولبنان وغزة وليبيا، مع إمكانية توسع هذا الدور مستقبلًا نحو مناطق أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وقال إن تركيا تعد من أبرز المستفيدين من التحولات الإقليمية الحالية، رغم أنها تحملت خلال السنوات الماضية أعباء سياسية وأمنية كبيرة، إلا أنها نجحت في العودة إلى دائرة الشراكات والتفاهمات، والعمل على تحقيق مكاسب استراتيجية بأقل تكلفة ممكنة.
ولفت إلى أن أنقرة تسعى إلى لعب دور الوسيط القادر على الجمع بين الشرق والغرب، وربما احتضان لقاءات سياسية مهمة خلال المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أن الرسالة التركية تقوم على دعم الحلول السياسية التي تراعي مصالح الدول المعنية وتحافظ على استقرار المنطقة.
وفي حديثه عن الملفات الإقليمية، أوضح أوغلو أن تركيا خاضت مواجهة طويلة مع حزب العمال الكردستاني استمرت لعقود، وتمكنت من دفع الحكومة العراقية نحو الاعتراف بخطورة الحزب كتهديد أمني، الأمر الذي فتح الباب أمام مستويات أكبر من التنسيق داخل العراق.
أما في لبنان، فأشار إلى أن المشهد أقل تعقيدًا مقارنة بالعراق، لعدم وجود انقسامات مشابهة، موضحًا أن تركيا واجهت في بعض الساحات الإقليمية نفوذ قوى أخرى، لكنها حافظت على قدرتها على التحرك عبر القنوات السياسية والدبلوماسية.
وأكد أن الملف الليبي يختلف عن العراق ولبنان، موضحًا أن الخلافات السياسية والقانونية بين الأطراف الليبية، رغم صعوبتها، قابلة للحل، خاصة أن المجتمع الليبي لا يعاني من انقسامات طائفية أو أيديولوجية عميقة، وأن غالبية الليبيين يشتركون في هدف بناء دولة مستقرة وموحدة.
وأشار إلى أن تحقيق الاستقرار في ليبيا يتطلب وجود شخصيات وطنية قوية تمتلك الشرعية الشعبية والقدرة على إدارة الدولة بعيدًا عن المحاصصة والتجاذبات، مؤكدًا أن مفهوم السيادة لا يعني الانعزال عن المحيط الإقليمي والدولي، بل يعني امتلاك مؤسسات قوية وقيادات قادرة على حماية المصالح الوطنية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل كبرى، وأن الدول التي تمتلك مؤسسات قوية وقيادات قادرة على إدارة المرحلة ستكون الأكثر تأثيرًا في مستقبل الشرق الأوسط، مشددًا على أن مستقبل ليبيا يرتبط بقدرة مختلف الأطراف على تجاوز الخلافات وبناء دولة مستقرة تخدم مواطنيها وتحافظ على وحدتها.









