اخبار مميزةليبيا

القماطي: ليبيا تحتاج إلى منظومة اقتصادية جديدة

قال أستاذ الاقتصاد حلمي القماطي، إن المشكلة في ليبيا أكبر من استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، وأكبر من تغيير شخص بشخص، موضحاً أن السؤال الاقتصادي الصحيح ليس: هل ناجي عيسى فشل؟ وإنما: هل كانت لديه أصلاً مساحة كافية لإدارة سياسة نقدية مستقلة داخل منظومة مالية وسياسية واقتصادية مضغوطة من كل الجهات؟

وأضاف “القماطي”، في تصريحات لصحيفة صدى الاقتصادية، أن السياسة النقدية لا تستطيع وحدها معالجة عجز المالية العامة، ولا وقف التوسع في الإنفاق، ولا إصلاح منظومة الدعم، ولا منع تهريب الوقود، ولا معالجة ضعف الإنتاج المحلي، ولا وقف الطلب المتزايد على الدولار، مشيراً إلى أن الأرقام تؤكد أن المشكلة هيكلية.

وأضاف أن استخدامات النقد الأجنبي في ليبيا بلغت خلال عام 2025 نحو 31.1 مليار دولار، مقابل إيرادات نفطية وإتاوات في حدود 22.1 مليار دولار، أي بفجوة تقارب 9 مليارات دولار بين ما يدخل من المورد الرئيسي وما يخرج من النقد الأجنبي.

وأشار إلى أن الأخطر هو وصول فاتورة المحروقات إلى أعلى مستوى لها الشهر الماضي، متسائلاً: كيف لدولة نفطية تنتج وتصدر النفط، ثم تدفع قرابة 10 مليارات دولار لاستيراد المحروقات؟

وأكد أن هذه ليست مشكلة مصرف مركزي فقط، بل مشكلة اقتصاد ريعي، ودعم غير كفؤ، وتهريب، وضعف في الإنتاج والتكرير، وتشوه في الأسعار والحوافز، وغياب سياسة مالية موحدة.

وفي المقابل، شدد القماطي على أن المصرف المركزي ليس معفياً من المسؤولية، موضحاً أن المصرف مسؤول عن إدارة النقد الأجنبي، واستقرار سعر الصرف، والسيولة، والقطاع المصرفي، والرقابة، وحماية استقلال السياسة النقدية.

وقال إن النقطة الأخطر تتمثل في أنه إذا أصبحت قرارات النقد الأجنبي والإنفاق والدعم والاعتمادات تحت ضغط جماعات مصالح، فالمشكلة لم تعد تسمى فشل محافظ، وإنما استحواذاً على المؤسسة الاقتصادية.

وأوضح أن المؤسسة التي يفترض أن تدير الموارد العامة وفق الكفاءة والاستقرار الاقتصادي تتحول تدريجياً إلى ساحة صراع على توزيع الريع، معتبراً أن هذا هو جوهر الأزمة الليبية، حيث يولد النفط الريع، ويولد الريع مصالح، وتضغط المصالح على المؤسسات، فيما تعيد المؤسسات الضعيفة إنتاج الحلقة نفسها.

وأكد “القماطي” أن تغيير المحافظ وحده لن يحل المشكلة، قائلاً إنه في حال تغيير ناجي عيسى وتعيين محافظ آخر، مع بقاء الإنفاق العام متضخماً، واعتماد الاقتصاد على النفط، والدعم مفتوحاً، وتهريب المحروقات مستمراً، والطلب على الدولار مرتفعاً، والسياسة المالية غير منضبطة، والانقسام المؤسسي قائماً، وجماعات المصالح قادرة على التأثير في القرار الاقتصادي، فإن ما سيحدث هو تغيير الشخص دون تغيير المعادلة.

وأشار إلى أن القضية اليوم ليست قضية ناجي عيسى وحده، بل تتمثل في التساؤل حول ما إذا كانت ليبيا تريد مصرفاً مركزياً مستقلاً فعلاً، أم مصرفاً مركزياً محاصراً بضغوط السياسة والمالية وجماعات المصالح.

ولفت إلى أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من إعادة بناء المنظومة، من خلال قاعدة مالية تضبط الإنفاق، وإصلاح الدعم، ومواجهة تهريب المحروقات، وإعادة هيكلة قطاع النفط والتكرير، وتنويع الاقتصاد، وتوحيد المؤسسات، وتحقيق شفافية كاملة في استخدام النقد الأجنبي.

وشدد على أن الاحتياطيات ليست أموالاً بلا نهاية، بل هي خط الدفاع الأخير عن قيمة الدينار والاستقرار الاقتصادي، محذراً من أن الاستمرار في استخدام النقد الأجنبي لتمويل الاختلالات الهيكلية لا يعالج الأزمة، وإنما يرحّلها إلى المستقبل ويجعل فاتورتها أكبر.

واختتم “القماطي” بالتأكيد على أن ليبيا اليوم لا تحتاج فقط إلى محافظ جديد للمصرف المركزي، بل تحتاج إلى منظومة اقتصادية جديدة تحمي المصرف المركزي من التدخل، وتحمي المال العام من جماعات المصالح، وتحول النفط من مصدر للريع إلى مصدر لبناء اقتصاد.

وأضاف أنه إذا كانت استقالة المحافظ قد حدثت فعلاً، فيجب ألا تكون نهايتها مجرد تغيير اسم المحافظ، بل يجب أن تكون بداية مراجعة حقيقية للسياسات التي أوصلت الاقتصاد الليبي إلى هذه النقطة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى