اخبار مميزةليبيا

الترهوني: تحشيدات عسكرية تمهّد لمرحلة جديدة في الزاوية

حذّر الباحث السياسي محمد الترهوني من أن التطورات الأمنية والعسكرية في مدينة الزاوية والمناطق المحيطة بها قد تكون مؤشرات على ترتيبات لمرحلة جديدة، مرجحًا أن تتجه الأوضاع نحو تحرك عسكري أو محاولة اجتياح للمدينة، في ظل صراع متصاعد على النفوذ وموازين القوة وشبكات تهريب الوقود والبشر الممتدة على الساحل الغربي.

وقال الترهوني في حديث لقناة “ليبيا الحدث” رصدته “الساعة 24” إن ما تشهده الزاوية لا يمكن اختزاله في كونه صراعًا مسلحًا محدودًا، معتبرًا أن التشكيلات المسلحة الموجودة في الزاوية وصرمان وصبراتة والعجيلات وغيرها تحولت إلى عامل نفوذ سياسي وأمني واقتصادي، بعد سنوات من اعتماد الحكومات المتعاقبة عليها وتعزيز قدراتها وتمويلها.

وأوضح أن جوهر الأزمة الحالية يرتبط بإعادة ترتيب التحالفات وموازين القوة، مشيرًا إلى أن بعض التشكيلات المسلحة باتت تُنظر إليها باعتبارها حلفاء أو خصومًا سياسيين واستراتيجيين وفقًا لمستوى ولائها للسلطة التنفيذية وموقفها من سياسات حكومة الدبيبة.

وأضاف أن المنطقة الممتدة من الزاوية مرورًا بصبراتة وصرمان وصولًا إلى زوارة تمثل مسارًا بالغ الحساسية، نظرًا لما تشهده من أنشطة مرتبطة بتهريب البشر والوقود، إلى جانب صفقات معلنة وأخرى غير معلنة، معتبرًا أن التنافس على السيطرة على هذه الموارد يمثل أحد العوامل الرئيسية التي تغذي الصراع.

وأشار الترهوني إلى أن التطورات الأخيرة في الزاوية تأتي ضمن سياق أوسع من الصراع على النفوذ، موضحًا أن استهداف مصادر التمويل أو السيطرة عليها قد أصبح جزءًا من أدوات الصراع بين القوى المسلحة المتنافسة.

ورأى أن بعض الأحداث السابقة، ومن بينها اغتيال شخصية محورية في المنطقة وما تبع ذلك من غموض حول ملف القضية، لم تُغلق فعليًا ملف الصراع، بل تركت وراءها عوامل توتر ساهمت في إعادة إنتاج النزاع بصورة مختلفة.

وقال إن السؤال المطروح حاليًا لا يتعلق فقط بمن يسيطر على الأرض، وإنما بمن يحصل على الحصة الأكبر من الموارد المرتبطة بالاقتصاد غير الرسمي، ومن يتم استبعاده من تلك الموارد، معتبرًا أن الصراع قد يدفع بعض الأطراف إلى استهداف مصادر القوة والتمويل لدى خصومها.

وبشأن التطورات العسكرية، تحدث الترهوني عن وجود مؤشرات على تحشيد وتحركات لقوات وآليات عسكرية باتجاه طرابلس، إلى جانب تحركات من مناطق الجبل الغربي، معتبرًا أن هذه التطورات، بالتزامن مع الوضع في الزاوية، قد تكون جزءًا من ترتيبات لمرحلة قادمة.

ورجّح أن يكون أحد السيناريوهات المطروحة هو تنفيذ عملية عسكرية داخل الزاوية، معربًا في الوقت نفسه عن رفضه لهذا الخيار لما قد يترتب عليه من خسائر بشرية وأمنية، خصوصًا في ظل الكثافة السكانية والترابط الاجتماعي للمدينة والمناطق المحيطة بها.

وأكد أن ما يجري لا يمكن فصله عن محاولات سابقة للسيطرة على الخط الساحلي وفرض سلطة الدولة عليه، مشيرًا إلى أن محاولات سابقة لم تحقق أهدافها بسبب قوة التشكيلات المسلحة المحلية وقدرتها على حشد المقاتلين والموارد والدعم الاجتماعي.

وفي تقييمه لعلاقة التشكيلات المسلحة بحكومة الدبيبة، قال الترهوني إن الإشكالية الأساسية تكمن في أن عددًا من هذه التشكيلات يتبع رسميًا وزارات أو مؤسسات أمنية وعسكرية، بينما يحتفظ في الوقت ذاته بهامش واسع من الاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرار.

وأوضح أن بعض التشكيلات تتبع وزارة الداخلية، وأخرى ترتبط برئاسة الأركان أو وزارة الدفاع بحكومة الدبيبة، الأمر الذي يجعل العلاقة بينها وبين السلطة التنفيذية معقدة، خصوصًا في ظل غياب قدرة حكومية حقيقية على إنهاء نفوذها أو فرض سيطرة كاملة عليها.

وأضاف أن اعتماد الحكومات المتعاقبة على التشكيلات المسلحة، وتمويلها وإدماجها في هياكل الدولة، أسهما في تعزيز نفوذها، بدلًا من إنهاء ظاهرة السلاح خارج مؤسسات الدولة.

ورأى أن المشكلة لا تكمن في وجود هذه التشكيلات فقط، وإنما في سياسة توظيفها وتعزيز طرف على حساب آخر، معتبرًا أن هذا النهج أدى إلى استمرار منطق المحاصصة والولاءات بدل بناء مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة.

وفيما يتعلق بتبرير أي تحرك عسكري تحت عنوان فرض الأمن وإنهاء الفوضى في الزاوية، شكك الترهوني في أن يكون العامل الأمني وحده هو الدافع وراء التحركات الحالية.

وقال إن هناك أبعادًا سياسية واقتصادية تتجاوز مسألة حفظ الأمن، خصوصًا في ظل أهمية المنطقة الساحلية وشبكات تهريب الوقود والبشر، مشيرًا إلى أن الصراع على النفوذ والموارد أصبح جزءًا أساسيًا من المشهد.

وأضاف أن استخدام القوة ضد بعض المواقع في مناطق غرب طرابلس خلال الفترة الماضية، بما في ذلك استهداف مواقع في المطرد وصياد والماية، يعكس، بحسب تقديره، تحولًا في طريقة تعامل الحكومة مع بعض خصومها، من سياسة الاحتواء إلى سياسة أكثر صرامة تجاه التشكيلات التي لا تضمن الحكومة ولاءها.

وأشار الترهوني إلى أن حكومة الدبيبة، وفق قراءته، باتت تبحث عن الأطراف الأكثر قدرة على تنفيذ قراراتها وضمان عدم تحولها لاحقًا إلى خصوم، معتبرًا أن العلاقة بين السلطة وبعض التشكيلات المسلحة لا تقوم دائمًا على الانتماء المؤسسي، وإنما على مستوى الثقة والولاء السياسي.

وأوضح أن بعض التشكيلات التي كانت مرتبطة سابقًا بالمجلس الرئاسي تغيرت مواقعها وعلاقاتها بعد التحولات السياسية والأمنية الأخيرة، بينما أصبحت تشكيلات أخرى أقرب إلى الحكومة أو أكثر ارتباطًا بها.

وشدد على أن الخلاف الحالي لا ينبغي تفسيره فقط باعتباره صراعًا بين «الشرعية» و«المتمردين على القرار السياسي»، بل يجب النظر إليه أيضًا باعتباره صراعًا على النفوذ والمصالح وترتيبات المحاصصة.

وتساءل الباحث السياسي عن سبب تركيز التحركات الأمنية والعسكرية على مدينة الزاوية، في وقت توجد فيه تشكيلات مسلحة أخرى داخل طرابلس ومناطق مختلفة، متهمًا السلطة التنفيذية بالتعامل بصورة انتقائية مع ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة.

وقال إن معالجة ملف التشكيلات المسلحة، إذا كانت تستند فعلًا إلى فرض القانون، ينبغي أن تشمل جميع التشكيلات دون استثناء، متسائلًا عن مدى قدرة الحكومة على محاسبة التشكيلات الموجودة داخل العاصمة أو المرتبطة بها، وكذلك التعامل مع الانتهاكات التي تنسب إلى مجموعات مسلحة مختلفة.

وأضاف أن هذه الازدواجية تثير تساؤلات حول حقيقة الأهداف السياسية والأمنية للتحركات الحالية، وما إذا كانت تستهدف بالفعل بناء مؤسسات الدولة أم إعادة توزيع النفوذ بين قوى مسلحة مختلفة.

وأكد الترهوني أن أبناء الزاوية وصرمان لا ينبغي أن يتحولوا إلى ضحايا لصراع بين مجموعات مسلحة تتنافس على النفوذ، مشددًا على أن دماء سكان المنطقة يجب أن تكون فوق أي حسابات سياسية أو اقتصادية.

وحذّر من أن أي مواجهة واسعة داخل الزاوية قد تؤدي إلى سقوط المزيد من الضحايا وتعميق الانقسام، فضلًا عن تداعياتها المحتملة على حركة الوقود والطاقة والأمن في كامل الساحل الغربي.

وأشار إلى أن التشكيلات المسلحة الموجودة في الزاوية ومصراتة وطرابلس وصرمان والعجيلات وغيرها ليست ظاهرة جديدة، مؤكدًا أن الإشكال الأساسي يكمن في السياسات التي ساهمت في تقويتها ومنحتها أدوارًا أمنية وسياسية متزايدة.

وفي ختام حديثه، أعرب الترهوني عن رفضه لأي عملية عسكرية واسعة داخل الزاوية، مؤكدًا أن حماية أرواح السكان يجب أن تتقدم على أي اعتبارات مرتبطة بالنفط أو الوقود أو السيطرة على طرق التهريب.

وقال إن ليبيا لا تحتاج إلى إعادة إنتاج سيناريوهات الحرب داخل المدن، داعيًا إلى معالجة ملف التشكيلات المسلحة من خلال مشروع مؤسسي حقيقي يفضي إلى احتكار الدولة للسلاح وتطبيق القانون على جميع الأطراف دون استثناء.

وختم بالتشديد على أن الحفاظ على دماء أبناء الزاوية وصرمان وسائر المدن الليبية يجب أن يكون أولوية، محذرًا من أن أي تصعيد عسكري جديد قد يفتح الباب أمام دورة أخرى من العنف يصعب احتواؤها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى