الطاهر: استمرار اعتماد ليبيا على النفط والغاز يمثل نقطة ضعف هيكلية

أكد المستشار الاقتصادي محمد الطاهر أن تقييم الاقتصاد الوطني الليبي لا يمكن أن يستند إلى الأرقام المجردة وحدها، مشددًا على أن ليبيا لا تعاني نقصًا في الموارد والإمكانات، بقدر ما تعاني ضعفًا في الإدارة الاقتصادية، وغيابًا للبيانات الدقيقة، وتضاربًا بين أرقام الجهات التنفيذية والرقابية، إلى جانب ضعف الرقابة على الصادرات والواردات والإنفاق العام.
وقال الطاهر، خلال مداخلة على قناة “الوسط”، رصدتها “الساعة 25″، تناولت واقع الاقتصاد الليبي وتحدياته، إن المؤشرات الاقتصادية تبدو جيدة من الناحية النظرية عند النظر إلى حجم الموارد المتاحة وعدد السكان والاحتياطيات، إلا أن الواقع العملي يعكس اختلالات كبيرة في إدارة هذه الموارد وترشيد استخدامها.
وأوضح أن ليبيا، التي لا يتجاوز عدد سكانها نحو سبعة ملايين نسمة، تمتلك موارد مالية ونفطية كبيرة، مشيرًا إلى تقديرات تتحدث عن أصول للصندوق السيادي في حدود 68 مليار دولار، وناتج محلي إجمالي يقارب 50 مليار دولار، واحتياطيات من النقد الأجنبي تتجاوز 98 مليار دولار، فضلًا عن احتياطيات من الذهب تُقدّر بنحو 18 مليار دولار.
وأضاف أن هذه المؤشرات، في حال دقتها، لا تعكس اقتصادًا يعاني بالضرورة من أزمة موارد أو ضائقة مالية، وإنما تطرح سؤالًا أكثر أهمية يتعلق بكيفية إدارة الموارد وضبط الإنفاق وتوفير المعلومات الاقتصادية الموثوقة.
وأشار الطاهر إلى أن العجز التجاري، بوصفه الفرق بين الصادرات والواردات، لا يمكن تقييمه بصورة دقيقة ما لم تكن بيانات التجارة الخارجية شاملة وموثقة، معتبرًا أن الأرقام المتداولة قد لا تعكس كامل النشاط التجاري الفعلي.
وبيّن أن الصادرات الليبية تعتمد بصورة شبه كاملة على النفط، ما يجعل الإيرادات الخارجية شديدة التأثر بتقلبات أسعار النفط في الأسواق الدولية، مؤكدًا في الوقت ذاته ضرورة التدقيق في منظومة الصادرات ككل، سواء تلك التي تقوم بها الدولة أو القطاع الخاص.
وقال إن السؤال لا يتعلق فقط بحجم صادرات النفط، بل بمدى دقة حصر جميع الصادرات، وما إذا كانت هناك صادرات أخرى لا تظهر بصورة واضحة في البيانات الرسمية، معتبرًا أن وجود ما وصفه بـ«صادرات غير مرئية» يستوجب تطوير منظومة إحصائية ورقابية أكثر دقة.
وبالمثل، شدد على أن أرقام الواردات تحتاج إلى مراجعة شاملة، لأنها قد تقتصر في بعض الحالات على الواردات التي تمر عبر الاعتمادات المستندية والقنوات المصرفية الرسمية، بينما توجد واردات أخرى يقوم بها أفراد وشركات خارج هذه القنوات، وهو ما قد يؤدي إلى فجوة بين الأرقام الرسمية وحجم التجارة الفعلي.
وأكد أن تضارب البيانات بين الأجهزة التنفيذية والرقابية يمثل أحد أبرز التحديات أمام اتخاذ القرار الاقتصادي، داعيًا إلى توحيد مصادر المعلومات وإعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية بما يسمح بتوفير أرقام دقيقة يمكن الاستناد إليها في وضع السياسات العامة.
وتطرق الطاهر إلى مشكلة عرض النقد، مشيرًا إلى وصول إجمالي عرض النقد إلى مستويات مرتفعة، مع وجود جزء كبير من السيولة خارج المنظومة المصرفية.
وأكد أن معالجة الاختلالات النقدية لا تكون فقط من خلال الإجراءات المتعلقة بسعر الصرف، وإنما تبدأ من ضبط الإنفاق العام وإعادة تنظيم القطاع المصرفي وإعادة الثقة في النظام المالي.
وقال إن الإنفاق الحكومي، وفق تصوره، لم يخضع بعد للترشيد المطلوب، خصوصًا في ظل استمرار الإنفاق المرتفع في وقت تتأثر فيه الإيرادات بتقلبات أسعار النفط.
وأضاف أن معالجة مشكلة سعر الدولار في السوق الموازية لا ينبغي أن تبدأ بالضرورة من تعديل سعر الدينار، موضحًا أن ضبط الإنفاق واستمرار الإيرادات النفطية عند مستويات مناسبة قد يخففان الضغوط على العملة المحلية، شريطة إعادة صياغة سياسة الإنفاق الحكومي والحد من أوجه الهدر.
وشدد الطاهر على ضرورة مراجعة منظومة استيراد واستهلاك الوقود، معتبرًا أن الأرقام الخاصة بكميات المنتجات النفطية المستوردة تحتاج إلى تدقيق ومقارنتها بمعدلات الاستهلاك الفعلية داخل البلاد.
وأشار إلى أن ليبيا تستورد كميات كبيرة من البنزين والديزل، متسائلًا عن حجم الاستهلاك الحقيقي للمواطنين والمؤسسات والشركات، وعن مصير الكميات التي تتجاوز الاحتياجات المحلية.
ورأى أن جزءًا كبيرًا من المشكلة يرتبط بفارق الأسعار، الذي قد يخلق حوافز لإعادة تهريب الوقود أو إعادة تصديره بصورة غير رسمية، داعيًا إلى معالجة هذه الاختلالات من دون تحميل المواطن أعباء إضافية.
وأكد أن الدعم يجب أن يصل إلى المواطن المستحق، لا أن يتحول إلى دعم للتهريب أو لأصحاب الدخول والثروات المرتفعة أو للجهات الأجنبية الموجودة في ليبيا، مشددًا على ضرورة إعادة تصميم منظومة الدعم بطريقة تضمن وصوله إلى مستحقيه وتحمي محدودي الدخل.
ودعا الطاهر إلى إحكام الرقابة على الاعتمادات المستندية، ليس فقط من حيث فتح الاعتماد وإتمام عملية التوريد، وإنما أيضًا من حيث التحقق من نوعية السلع وكمياتها ومواقع دخولها واستخداماتها النهائية.
وقال إن بعض الاعتمادات قد لا تُستخدم بالكيفية التي فُتحت من أجلها، ما يستدعي رقابة دقيقة على مراحل العملية التجارية كافة، ابتداءً من فتح الاعتماد وحتى وصول السلعة واستخدامها داخل السوق المحلية.
وحذر من إمكانية استخدام بعض الاعتمادات في عمليات تجارية لا تعود بالنفع الحقيقي على الاقتصاد الليبي، مؤكدًا أن الرقابة يجب أن تكون فنية ومصرفية وجمركية في الوقت نفسه.
وشدد الطاهر على أن استمرار اعتماد الاقتصاد الليبي على النفط والغاز يمثل نقطة ضعف هيكلية، رغم امتلاك البلاد إمكانات كبيرة تسمح بخلق قطاعات إنتاجية بديلة.
وأكد ضرورة استثمار عائدات النفط والغاز في بناء صناعات حقيقية، سواء في قطاع الطاقة والصناعات المرتبطة بالنفط والغاز، أو في الصناعات الغذائية وغير الغذائية، إلى جانب تطوير الصناعات التقليدية.
وأشار إلى أنه عمل في قطاع النفط لنحو 40 عامًا في مجالات التسويق والاستثمار، وقدم خلال السنوات الماضية مقترحات لتطوير مصفاة الزاوية، وزيادة قدرة ليبيا على تكرير جزء أكبر من إنتاجها النفطي محليًا، إلى جانب مقترحات لتطوير مصفاة طبرق وإعادة تشغيل مصفاة رأس لانوف.
وأوضح أن زيادة قدرات التكرير المحلية يمكن أن تقلل من الاعتماد على استيراد المنتجات النفطية، وتوفر قيمة مضافة أكبر داخل الاقتصاد الوطني، بدلًا من تصدير الخام واستيراد المنتجات المكررة.
وربط الطاهر جانبًا كبيرًا من المشكلات الاقتصادية بعدم الاستقرار السياسي وتكرار الحكومات المؤقتة، معتبرًا أن غياب الاستمرارية السياسية يؤدي إلى غياب الاستمرارية في الخطط الاقتصادية.
وقال إن عدم الالتزام بخطط طويلة الأجل يجعل من الصعب تنفيذ مشروعات استراتيجية في قطاعات النفط والتكرير والصناعة والتنمية، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المبادرات والمقترحات تظل دون تنفيذ بسبب تغير السلطات التنفيذية.
وتساءل عن الأسس التي يتم بناء خطط الإنفاق الحكومي عليها، خصوصًا في ظل تغير أسعار النفط، مشيرًا إلى أنه إذا كانت الخطط قد أُعدت على أساس سعر نفط عند مستوى 50 دولارًا للبرميل، بينما ارتفع السعر إلى نحو 80 دولارًا، فإن الفارق ينبغي أن يخضع لإدارة مالية واضحة، وألا يتحول تلقائيًا إلى إنفاق إضافي.
ودعا إلى توجيه الفوائض الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط إلى الاحتياطيات أو إلى استثمارات استراتيجية، بدلًا من استخدامها في توسيع الإنفاق الجاري.
وأشار المستشار الاقتصادي إلى تضخم الجهاز الإداري للدولة، موضحًا أن عدد العاملين في القطاع الحكومي يتجاوز مليوني شخص وفق الأرقام التي استند إليها، وهو ما يمثل نسبة كبيرة من إجمالي السكان.
وربط بين تضخم الجهاز الحكومي وارتفاع معدلات الفقر، معتبرًا أن استمرار الدولة في استيعاب أعداد كبيرة من المواطنين في وظائف غير منتجة لا يمثل حلًا مستدامًا، وإنما يفرض أعباء إضافية على الخزانة العامة.
وشدد على أن الحل يتمثل في خلق فرص إنتاج حقيقية من خلال الاستثمار في الصناعة والزراعة والخدمات والطاقة والصناعات المرتبطة بالنفط والغاز، بما يسمح بتحويل جزء من القوة العاملة من الاعتماد على الوظيفة الحكومية إلى النشاط الاقتصادي المنتج.
وفي ختام مداخلته، دعا محمد الطاهر إلى إطلاق حوار اقتصادي وطني موازٍ للحوار السياسي، بهدف تحديد مكامن الخلل بصورة واضحة، والإجابة عن سؤال أساسي: هل المشكلة في ضعف الإمكانات أم في سوء إدارة الإمكانات المتاحة؟
وأكد أن معالجة الوضع الاقتصادي تتطلب رؤية وطنية تتجاوز الخلافات السياسية، وإعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات التنفيذية والرقابية والمصرفية، وتوحيد البيانات، وضبط التجارة الخارجية، وترشيد الإنفاق، وإعادة هيكلة منظومة الدعم والقطاع المصرفي.
كما دعا إلى تعزيز استقلالية القرار الاقتصادي الليبي، وتجنب الارتهان لأي ضغوط خارجية، معتبرًا أن استمرار التأخر في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية قد يؤدي إلى تعاظم التدخلات الدولية في تفاصيل إدارة الموارد والحسابات المالية للدولة.
وختم الطاهر بالتأكيد على أن ليبيا تمتلك من الموارد والإمكانات ما يؤهلها لبناء اقتصاد قوي ومستقر، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب إدارة رشيدة للموارد، وبيانات دقيقة، ورقابة فعالة، وخططًا اقتصادية طويلة الأجل، واستقرارًا سياسيًا يسمح بتنفيذها.









