العبدلي: استهداف منشآت نفط بالزاوية يكشف مخاطر التدخل الخارجي في ليبيا

قال المحلل السياسي حسام الدين العبدلي، إن الأحداث المتسارعة التي تشهدها ليبيا خلال الأيام الأخيرة، ولا سيما الاستهدافات التي طالت منشآت النفط في مدينة الزاوية غرب البلاد، تثير مخاوف جدية بشأن طبيعة الجهات التي تقف وراء هذه العمليات والأهداف السياسية والأمنية التي تسعى إلى تحقيقها.
وأوضح العبدلي في تصريح لراديو أفريقيا، رصدته “الساعة 24″، أن أهمية الاستهدافات لا ترتبط فقط بطبيعة المنشآت التي تعرضت للهجوم، باعتبارها من المنشآت النفطية المهمة، وإنما أيضًا بموقع مدينة الزاوية وقربها من العاصمة طرابلس، مشيرًا إلى أن المنطقة شهدت خلال الأيام الماضية توترات أمنية واشتباكات، خصوصًا في مدينة صرمان القريبة من الزاوية.
وأضاف أن قراءته الشخصية للمشهد تشير إلى وجود طرف يسعى إلى استهداف البنية التحتية الحيوية في ليبيا بهدف تأجيج الحرب أو ممارسة ضغوط سياسية على الحكومة، لافتًا إلى أن التدخلات الأجنبية في الشأن الليبي تجعل من الصعب قراءة هذه الأحداث باعتبارها مجرد وقائع أمنية منفصلة.
وأشار العبدلي إلى أن طريقة استهداف خزانات النفط باستخدام طائرات مسيّرة تمثل تطورًا لافتًا، خصوصًا مع الحديث عن استخدامها موجهة عبر الألياف الضوئية، وهي تقنية تجعل عمليات التشويش الإلكتروني التقليدية أكثر صعوبة، وتمنح الطائرة قدرة أكبر على الوصول إلى الهدف بدقة.
وقال إن طبيعة هذه العمليات توحي بأن الجهة التي نفذتها لم تتحرك بصورة عشوائية، وإنما ربما أعدت للهجمات مسبقًا، معتبرًا أن امتلاك مثل هذه القدرات التقنية يفتح الباب أمام تساؤلات حول الجهات القادرة على توفير هذه التكنولوجيا وتشغيلها وتحديد الأهداف.
وتوقف العبدلي عند ما أُعلن بشأن موقف وزارة الدفاع التابعة لحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، مشيرًا إلى أنها تحدثت عن وجود جهات داخلية تنفذ الاستهدافات بدعم أو بتنسيق مع جهة خارجية، من دون أن تسمي هذه الجهة.
وأكد أن هذا الأمر، إذا ثبتت صحته، يمثل تطورًا بالغ الخطورة، لأنه يعني أن القضية لا تتعلق فقط بخلافات داخلية، وإنما بوجود تدخل خارجي يستهدف الأمن القومي الليبي والمنشآت الحيوية للدولة.
وتساءل العبدلي عن الرسالة التي يريد منفذو هذه الهجمات إيصالها، ومن هو المستفيد منها، معتبرًا أن أحد الاحتمالات يتمثل في محاولة إظهار حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة باعتبارها حكومة ضعيفة وغير قادرة على حماية مقدرات الدولة.
وأوضح أن إضعاف صورة الحكومة أمام الليبيين والمجتمع الدولي قد ينعكس على المسارات السياسية القائمة، خصوصًا المبادرات التي تسعى إلى جمع الأطراف الليبية والتوصل إلى تسوية سياسية تمهد للانتخابات وتُنهي حالة الانقسام.
وأضاف أن استهداف المنشآت النفطية يمكن أن يخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أي طرف يريد إفشال المسار السياسي، لأن ضرب الاستقرار الأمني والاقتصادي من شأنه أن يعيد ليبيا إلى مربع الفوضى ويعقد فرص التوصل إلى اتفاق سياسي شامل.
وفي الوقت نفسه، لم يستبعد العبدلي احتمال وقوف مجموعات مسلحة محلية وراء بعض العمليات، لكنه رأى أن السؤال الأهم هو مدى مصلحة هذه المجموعات في تدمير منشآت موجودة في محيطها وتخدم المنطقة اقتصاديًا وأمنيًا.
وقال إن الجماعات المسلحة الموجودة بالقرب من المنشآت النفطية لديها، من حيث المبدأ، وسائل أخرى لتنفيذ هجمات إذا أرادت ذلك، بينما استخدام طائرات مسيّرة بهذه التقنية يفرض البحث عن جهة تمتلك قدرات أكثر تطورًا ودعمًا لوجستيًا وتقنيًا.
وفي سياق متصل، ربط العبدلي ما يجري في ليبيا بالتوترات الإقليمية والدولية، ولا سيما أزمة الطاقة والصراع المتصاعد في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن أي اضطراب في إنتاج أو تصدير النفط والغاز الليبيين يمكن أن تكون له تداعيات على الأسواق الأوروبية، باعتبار ليبيا من المصادر المهمة للطاقة بالنسبة لأوروبا.
ورأى أن أحد الاحتمالات التي يجب وضعها على طاولة التحليل هو وجود جهات قد تسعى إلى استخدام موارد الطاقة الليبية كورقة ضغط على الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية المتزايدة.
وأكد في الوقت ذاته أن هذا السيناريو لا يمكن اعتباره حقيقة نهائية في غياب الأدلة، لكنه يظل احتمالًا يستحق الدراسة عند محاولة فهم دوافع استهداف منشآت النفط في هذا التوقيت.
ولفت العبدلي إلى ضرورة قراءة الأحداث الليبية بصورة مترابطة، وعدم التعامل مع كل واقعة باعتبارها حادثة منفصلة، مشيرًا إلى تزامن استهداف منشآت النفط في الزاوية مع أحداث أمنية أخرى، بينها اغتيال اللواء فوزي المنصوري في شرق ليبيا، وما أُثير حول استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى لأسباب وصفها بالحساسة، إضافة إلى عمليات التخريب التي طالت قطاع الاتصالات.
وقال إن هذا التزامن يفرض أسئلة كبيرة حول ما إذا كانت هذه الأحداث مجرد وقائع منفصلة أم أنها جزء من حالة أوسع من استهداف مؤسسات الدولة ومقدراتها، مؤكدًا أن الصورة العامة تعكس وجود هشاشة كبيرة في الوضع الليبي واختراقات متعددة لمؤسسات الدولة وقطاعاتها الحيوية.
وأضاف المحلل السياسي أن ليبيا تقف اليوم أمام مرحلة حساسة، في ظل محاولات الدفع نحو حل سياسي يمكن أن يقود إلى الانتخابات أو إلى تشكيل حكومة موحدة تنهي الانقسام، لكن استمرار التوترات الأمنية واستهداف المنشآت الحيوية قد يمثل عقبة أمام الوصول إلى هذه المرحلة.
وأكد أن أي عملية سياسية تحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة، وأن ضرب النفط والاتصالات والبنية التحتية من شأنه خلق حالة من الفوضى وعدم الثقة، بما يسمح للأطراف الرافضة للتسوية بإعادة إنتاج الأزمة.
وأشار العبدلي إلى أن ليبيا سبق أن شهدت في عام 2014 موجة واسعة من إغلاقات المنشآت النفطية وتعطيل إنتاج النفط، مؤكدًا أن التدخلات الخارجية لعبت خلال السنوات الماضية دورًا في تعميق الانقسامات والصراعات داخل البلاد.
وقال إن التدخلات قد تتغير أشكالها وأدواتها من مرحلة إلى أخرى، لكن النتيجة واحدة عندما تكون الغاية إضعاف الدولة وإبقاؤها في حالة من الانقسام وعدم الاستقرار.
وشدد العبدلي على أن ليبيا لا تستطيع مواجهة هذه التحديات بالاعتماد على السياسيين والمسؤولين وحدهم، داعيًا إلى رفع مستوى الوعي الشعبي بخطورة التدخلات الخارجية ومحاولات توظيف معاناة المواطنين في صراعات سياسية تخدم أجندات خارجية.
وأوضح أن المواطن الليبي يعاني بالفعل من أزمات حقيقية، من تراجع الخدمات وانقطاع الكهرباء إلى نقص الوقود والضغوط الاقتصادية والفساد وتدهور البنية التحتية، مشيرًا إلى أن هذه الملفات تمثل مسؤولية مباشرة على عاتق المسؤولين والمؤسسات التي يجب أن تتحمل مسؤولياتها أمام الشعب.
وأكد أن الاحتجاج السلمي حق مشروع للمواطن عندما يكون تعبيرًا عن معاناته ومطالبه، لكنه حذر في الوقت نفسه من تحويل الاحتجاجات إلى أدوات بيد جهات مجهولة أو وسائل إعلام ممولة من الخارج.
وقال إن الليبيين بحاجة إلى وعي وطني يحميهم من محاولات الاستقطاب، سواء جاءت عبر وسائل إعلام خارجية أو عبر منصات إلكترونية وحسابات مجهولة التمويل، مشددًا على أن المطالب الشعبية يجب أن تبقى نابعة من إرادتهم وألا تتحول إلى وقود لصراعات إقليمية ودولية.
وختم حسام الدين العبدلي حديثه بالتأكيد على أن مستقبل ليبيا لن يُحسم فقط داخل غرف السياسة أو عبر التدخلات الدولية، وإنما من خلال وعي الليبيين وتمسكهم بوحدة بلادهم ومقدراتها، قائلًا إن الشعب مطالب اليوم بأن يرفع صوته ضد الفساد والانقسام والتدخلات الخارجية، وأن يضع مصلحة الدولة فوق مصالح السياسيين والأطراف المتصارعة.
وأكد أن الرسالة التي يجب أن تصل إلى جميع الأطراف هي أن ليبيا ليست ساحة مفتوحة للصراعات الدولية، وأن النفط والمنشآت الحيوية والثروات الوطنية ملك للشعب، داعيًا إلى وضع حد لما وصفه بالعبث السياسي والأمني الذي أنهك البلاد، والعمل على بناء دولة موحدة وقادرة على حماية سيادتها وثرواتها ومؤسساتها.









