اخبار مميزةليبيا

رقص: ليبيا تمتلك ثروة نفطية كبيرة لكنها لم تبنِ حولها اقتصادًا متنوعًا

قال الخبير الاقتصادي أوس رقص إن ليبيا تملك ثروة كبيرة، لكن المواطن لم يرَ من غنى البلاد ما ينعكس على حياته اليومية، مشيرًا إلى أن تراجع الطبقة الوسطى يمثل خطرًا اقتصاديًا واجتماعيًا متزايدًا.

وأوضح رقص في منشور عبر صفحته بموقع “فيسبوك”، أن الطبقة الوسطى لا تعني الأغنياء ولا الفقراء، وإنما المواطن الذي يستطيع من دخله تغطية أساسيات حياته، ويتبقى لديه جزء يسمح له بشراء الملابس، وصيانة سيارته، وتحسين منزله، والذهاب إلى المطاعم، ودفع تكاليف التعليم والعلاج، وربما الادخار والسفر.

وأشار إلى أن هذا المواطن يمثل اقتصاديًا أحد أهم محركات السوق، لأن إنفاقه يتحول إلى دخل لصاحب المحل والمطعم والورشة والسائق والطبيب والمدرس والشركة، وهؤلاء بدورهم يدفعون رواتب ويشترون من الموردين وينفقون في أنشطة أخرى، لتدور عجلة الاقتصاد.

وأضاف أن المشكلة في ليبيا اليوم تتمثل في تعرض هذه القدرة على الإنفاق لضغط كبير، موضحًا أنه عندما يذهب معظم دخل الأسرة إلى الغذاء والسكن والعلاج والضروريات، تبدأ الأسرة في حذف بقية الأشياء من حياتها.

وبيّن أن إلغاء الذهاب إلى المطاعم يؤدي إلى خسائر للمطاعم، وتأجيل شراء الملابس يضر بالمحال، وتأجيل صيانة المنازل يضر بالحرفيين، وتأجيل تغيير السيارات يضغط على السوق، فيما يؤدي تقليل الخدمات والترفيه إلى خسائر لعشرات الأنشطة.

وأكد أن أصحاب هذه الأنشطة يبدأون بدورهم في تقليل إنفاقهم، وعندها يتحول ضغط المعيشة إلى ركود اقتصادي.

ولفت رقص إلى مفارقة تتمثل في أن الدولة قد تنفق المليارات ويحقق الاقتصاد نموًا بسبب النفط، بينما يشعر المواطن والتاجر بالركود في الوقت نفسه، موضحًا أن وجود المال لا يعني بالضرورة وجود دورة اقتصادية حقيقية.

وقال إن ليبيا تمتلك ثروة نفطية كبيرة، لكنها لم تبنِ حولها اقتصادًا متنوعًا بالقدر الكافي، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من المال يدخل من النفط إلى الدولة ثم يخرج منها في شكل رواتب وعقود وتوريدات ومشروعات.

وأضاف أن هذا المسار قد يصنع ثروات كبيرة لدى بعض التجار والشركات المرتبطة بالعقود والتوريدات والإنفاق العام، لكن وجود أثرياء جدد لا يعني أن الاقتصاد أصبح أقوى.

وأوضح أن الاقتصاد الحقيقي يظهر عندما يصنع رجل الأعمال حوله موظفين وموردين وشركات صغيرة وفرص عمل ودخولًا جديدة وأسرًا تنتقل إلى الطبقة الوسطى، بما يجعل الثروة تنتشر آثارها داخل المجتمع.

وأشار إلى أن زيادة الثراء في الأعلى مقابل تراجع القوة الشرائية في الوسط تقود إلى مفارقة خطيرة، تتمثل في أن الدولة تنفق أكثر، وبعض التجار يصبحون أكثر ثراء، بينما المواطن يشتري أقل والسوق يفتقد الحركة.

وفي هذا السياق، أوضح رقص الفرق بين ليبيا ودول مثل مصر وتونس، مؤكدًا أن ذلك لا يعني أن مصر وتونس لا تعانيان من مشاكل اقتصادية، لكن لديهما قطاعات تدخل أموالًا جديدة من خارج الاقتصاد، مثل السياحة.

وبيّن أن السائح يدخل بأموال من الخارج ويدفع للفندق، والفندق يدفع للعامل والمورد، ثم يذهب السائح إلى المطعم ويركب سيارة أجرة ويشتري من المحلات ويزور المواقع السياحية، فتدخل أموال جديدة وتدور بين آلاف الأشخاص والأنشطة.

أما ليبيا، فما زالت تعتمد بصورة كبيرة على النفط والدولة كمصدر رئيسي لحركة الأموال، معتبرًا أن ذلك يجب أن يقلق المسؤول قبل المواطن، لأن استمرار تراجع الطبقة الوسطى يعني أن المشكلة القادمة لن تكون فقط في أن المواطن أصبح يشتري أقل، بل إن السوق نفسه سيفقد جزءًا كبيرًا من زبائنه.

وأشار إلى أن ضعف مبيعات القطاع الخاص يؤدي إلى انخفاض الاستثمار، ثم تقل فرص العمل، وتتراجع دخول أسر أخرى، وينخفض الاستهلاك أكثر، لتدخل البلاد في دائرة اقتصادية يغذي فيها الركود نفسه.

وحذر من أن الأمر لن يتوقف عند الاقتصاد، موضحًا أنه عندما لا تستطيع الأسرة التي كانت من الطبقة الوسطى تحمل تكلفة العلاج الجيد، أو تضطر إلى تخفيض مستوى تعليم أبنائها، أو يصبح شراء المسكن وتكوين الأسرة والادخار خارج قدرتها، فإن الحديث لم يعد عن انخفاض القوة الشرائية فقط، بل عن الصحة والتعليم والسكن والزواج والفرص ومستقبل جيل كامل.

وأكد أن تحول المجتمع بصورة متزايدة إلى فئة صغيرة تستطيع شراء كل شيء، وفئة واسعة تحاول فقط توفير الضروريات، مع تقلص الطبقة الوسطى بينهما، يعني خسارة السوق والمنطقة التي تحفظ توازن المجتمع واستقراره.

وشدد على أن السؤال الذي يجب أن يطرحه المسؤول ليس «كم أنفقنا؟»، بل «كم أسرة تحسنت حياتها نتيجة هذا الإنفاق؟ وكم وظيفة حقيقية صنعنا؟ وكم مشروعًا يستطيع الاستمرار من السوق وليس من عقود الدولة؟ وكم مواطنًا انتقل إلى الطبقة الوسطى بدلًا من أن يخرج منها؟».

واختتم رقص بالتأكيد على أن الدولة قد تعيش بالنفط، لكن الاقتصاد الحقيقي يعيش بالناس الذين يعملون وينتجون ويشترون ويستثمرون وتدور الأموال بينهم.

وحذر من أن الخطر الحقيقي لا يتمثل في أن يصبح بعض الليبيين أكثر ثراء، وإنما في أن يصبح الثراء مرتبطًا أكثر بمن يستطيع الوصول إلى أموال الدولة، بينما يصبح الوصول إلى حياة الطبقة الوسطى أصعب على المواطن الذي يعتمد على عمله ودخله.

وأكد أن استمرار هذا المسار لا يعني المخاطرة بركود اقتصادي فحسب، بل ينذر بانقسام اقتصادي واجتماعي تصبح فيه الثروة موجودة في الدولة، لكن أثرها يغيب عن حياة جزء متزايد من المجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى