الباروني: المنفي يخشى على نفوذه السياسي

أكد عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة نالوت، إلياس الباروني، أن “الخلاف بين المنفي والدبيبة ليس جديداً، لكن التوقيت هو الجديد”، منوهاً إلى أن “العلاقة بينهما لم تكن منذ البداية تحالفاً سياسياً متماسكاً، وإنما جاءت في إطار تسوية جنيف عام 2021، التي قسمت السلطة التنفيذية بين مجلس رئاسي يتولى الملفات السيادية والقيادة العليا، وحكومة تمسك بالجهاز التنفيذي والوزارات والمال العام والخدمات”.
وأضاف الباروني، في تصريح لـ “اندبندنت عربية”، أن “هذا التقسيم أوجد منذ البداية ازدواجية في مراكز القرار؛ فالمنفي يمتلك شرعية الموقع السيادي، بينما يمتلك الدبيبة أدوات السلطة التنفيذية والموارد المالية، وهو ما سمح للطرفين بالتعايش طوال السنوات الماضية، في ظل تعامل المجتمع الدولي معهما باعتبارهما جزءاً من سلطة انتقالية واحدة”.
ولفت الباروني إلى أن “المعادلة تغيرت مع تحرك الأمم المتحدة نحو ترتيبات جديدة لكسر الجمود السياسي، إذ لم يعد السؤال مقتصراً على كيفية استمرار المؤسسات الحالية، بل أصبح مرتبطاً بشكل السلطة المقبلة وموقع كل طرف فيها”.
ويوضح أن “الدبيبة قد ينظر إلى إعادة ترتيب السلطة باعتبارها فرصة للحفاظ على موقعه لاعباً أساساً عبر الحكومة والموارد والتحالفات، بينما قد يرى المنفي في أي ترتيبات تقلص دور المجلس الرئاسي أو تتجاوز موقعه السيادي تهديداً لنفوذه السياسي”.
وشدد الباروني على أن “الصراع المحتمل لا يمكن اختزاله في مواجهة بين قوتين عسكريتين، لأن أدوات النفوذ لدى الطرفين مختلفة، فالدبيبة يمتلك الحكومة بما توفره من وزارات وميزانيات وتعيينات ومشروعات وإنفاق عام، إضافة إلى علاقات مع قوى وتشكيلات أمنية في غرب ليبيا، وهو أمر يمنحه قدرة على بناء التحالفات والتأثير في موازين القوى المحلية”.
في المقابل، نوه الباروني إلى أن “المنفي يستند إلى موقعه على رأس المجلس الرئاسي وما يرتبط به من شرعية سيادية وملفات القيادة العليا والعلاقات الدولية والمصالحة الوطنية، فضلاً عن قدرته على التواصل مع أطراف في الشرق والغرب والجنوب خارج نطاق الجهاز الحكومي المباشر”.
وبين أن “المشهد الأمني في طرابلس لا يقوم على كتلة واحدة ثابتة، بل على أجهزة وتشكيلات وتحالفات متغيرة، ولذلك لا يمكن الحديث عن “جيش للمنفي” في مواجهة “جيش للدبيبة”، بل عن شبكات من المصالح والتحالفات قد تتغير وفق موازين القوة”.
وحذر الباروني من أن خطورة الخلاف تكمن في وقوعه داخل العاصمة، التي تضم الحكومة والوزارات والمؤسسات السيادية والمالية والأجهزة الأمنية والبعثات الدبلوماسية، مما يجعل أي خلاف سياسي قابلاً للتحول إلى صراع على مركز القرار، منوهاً بأن إعادة توزيع الصلاحيات على الورق لن تكون كافية، لأن الأزمة الليبية في جوهرها تتعلق بالسلطة والمال والسلاح والشرعية والنفوذ المحلي.
يبين الباروني أن “السيناريو الأول يتمثل في الاحتواء والتوافق، عبر إعادة تعريف الأدوار بدلاً من إقصاء أي طرف، بحيث يحتفظ المجلس الرئاسي بدور سيادي وسياسي، في حين تركز الحكومة على الاقتصاد والخدمات وتنفيذ السياسات العامة، وهو ما يحتاج إلى ضمانات دولية وتفاهمات داخلية وضبط أمني”.
وتابع، “أما السيناريو الثاني، بحسب الباروني، فهو صراع النفوذ البارد، وهو الأكثر احتمالاً في المدى القريب، من خلال التنافس على المؤسسات والتعيينات والإعلام والملفات السياسية والقانونية والتحالفات المحلية والدولية، من دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة. ويسعى كل طرف في هذه الحالة إلى إثبات أنه شريك لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مقبلة”.
ونبه إلى “السيناريو الثالث، المتمثل في التصعيد الأمني، إذا تحولت إعادة تشكيل السلطة إلى عملية إقصاء، أو انقسمت الأجهزة الأمنية، أو دخلت التشكيلات المسلحة على خط الصراع، مما قد يحول التنافس السياسي إلى صدام مسلح داخل طرابلس”.
وأوضح أن “مصراتة ستكون عاملاً مهماً في أي معادلة جديدة، بحكم ثقلها العسكري والسياسي والاقتصادي وتأثيرها في طرابلس”، مؤكداً أن “التعامل معها ككتلة واحدة سيكون تبسيطاً للمشهد، في ظل تعدد القوى والمصالح داخلها”.
وحذّر الباروني من أن “الخطر الحقيقي يكمن في احتمال تحوّل إعادة توزيع السلطة إلى صراع على النفوذ، إذا شعر أي طرف بأنه مستهدف بالإقصاء، معتبراً أن العلاقة بين رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبدالحميد الدبيبة ستدخل خلال المرحلة المقبلة مرحلة أكثر حساسية”.
ويرى أن “العلاقة بين الرجلين لم تعد مجرد علاقة بين رئيس مجلس رئاسي ورئيس حكومة، وإنما باتت أقرب إلى مواجهة بين مشروعين يسعيان إلى تثبيت موقعهما داخل معادلة السلطة المقبلة”.
وأكد الباروني أن “ليبيا لا تحتاج إلى صراع جديد بين مركزين للسلطة، وإنما إلى سلطة واحدة ذات اختصاصات واضحة، ومؤسسات أمنية موحدة، وحكومة خاضعة للمساءلة، ومجلس رئاسي محدد الصلاحيات، إلى جانب انتخابات تنهي حالة الشرعيات الانتقالية”.
ويضيف أن “تعامل الأمم المتحدة مع الأزمة باعتبارها مجرد خلاف بين سياسيين قد يحد من قدرتها على احتوائها، بينما إدراكها باعتبارها صراعاً أوسع لإعادة تشكيل مراكز القوة والنفوذ في ليبيا قد يتيح فرصة أكبر للوصول إلى تسوية سياسية حقيقية”.
واختصر الباروني جوهر “المرحلة المقبلة في سؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان المنفي والدبيبة مختلفين، وإنما بمن سيتمكن من الحفاظ على موقعه داخل ليبيا ما بعد الترتيبات الأممية، معتبراً أن الإجابة عن هذا السؤال ستكون حاسمة في تحديد شكل التحالفات السياسية والأمنية في طرابلس خلال المرحلة المقبلة”.









