اخبار مميزةليبيا

الشيباني: مؤسسة النفط هي العمود الفقري للاقتصاد الليبي

قال الباحث بالشأن السياسي والاقتصادي، عبد الرحيم الشيباني، إن أزمة الإغلاقات الجزئية التي طالت خطوط نقل النفط تعكس، هشاشة الدولة وضعف أداء الحكومة وسيطرتها على المؤسسات الأمنية التابعة لها، محذراً من أن تحول مطالب تتعلق بالمرتبات والأوضاع الوظيفية إلى تهديد مباشر للإنتاج النفطي يكشف خللاً في إدارة الدولة وقطاعاتها الحيوية.

وأوضح الشيباني، خلال مقابلته على قناة الوسط، رصدتها “الساعة 24″، أن الجهة المكلفة بتأمين المنشآت النفطية يفترض أن يكون دورها الأساسي حماية هذه المنشآت وضمان استمرار عملها، معتبراً أن تهديدها بإغلاق خطوط النفط أو تنفيذ الإغلاق فعلياً يمثل مخالفة كبيرة لدور المؤسسة وللمهام المنوطة بها.

وأشار إلى أن هذه المسألة تضع الحكومة والمؤسسات التي تتبع لها هذه الجهات أمام مسؤولية مباشرة، خصوصاً أن المطالب المتعلقة بالمرتبات وسداد الالتزامات المالية لم تعد مقتصرة على قطاع واحد، بل أصبحت تشمل أكثر من فئة داخل الدولة.

وبيّن أن هناك فئات متعددة تطالب برفع المرتبات أو بصرف وسداد الالتزامات المالية المستحقة لها، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع الإنفاق ضمن الباب الأول من الميزانية، الخاص بالمرتبات، والذي يمثل الجزء الأكبر من الإنفاق العام.

وأضاف أن المشهد يشمل كذلك فئات من الأطباء والمعلمين، مشيراً إلى أن احتجاجات المعلمين أدت إلى توقف الدراسة وتعطيلها، في وقت تتزايد فيه مظاهر الاضطراب داخل البلاد، معتبراً أن قبول الحكومة بمبدأ الضغط والابتزاز من بعض الأطراف ساهم في استمرار هذه الأزمات.

وطرح الشيباني احتمال أن تكون السياسات الإنفاقية والمالية التي اتبعتها الحكومة خلال السنوات الماضية قد أسهمت في إنتاج هذه الاختلالات، من خلال زيادة المرتبات لبعض الفئات أو القطاعات وإهمال قطاعات أخرى، إلى جانب عدم وجود ارتباط كافٍ بين السياسات المالية والسياسات النقدية.

وأكد أن معالجة الأزمة كان ينبغي أن تشمل، العمل على تعزيز قيمة الدينار الليبي، بما يسمح للموظف والمواطن بالشعور بأن دخله الفعلي قادر على تغطية احتياجاته الأساسية، بدلاً من استمرار تآكل القدرة الشرائية.

وحمل الشيباني السلطات التنفيذية، مسؤولية هذا الوضع، معتبراً أن المشكلة ترتبط بعجزها عن إيجاد التوازن بين السياسات المختلفة وتحقيق الاستقرار داخل مؤسسات الدولة.

وشدد على أن المؤسسة الوطنية للنفط تمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي، كما تشكل محوراً رئيسياً للحياة المالية والدورة المالية في الدولة، ولذلك فإن أي تهديد باستمرار تدفق النفط أو تعطيل خطوط نقله لا يمكن التعامل معه باعتباره أزمة قطاعية محدودة.

وأوضح أن الخطوط التي يجري الحديث عن إغلاقها ترتبط بمصفاة الزاوية، التي تسهم في إنتاج جزء من المحروقات التي تحتاجها السوق المحلية، مشيراً إلى أن المصفاة توفر نسبة تقدر بنحو 20 إلى 25 في المئة من احتياجات الدولة الليبية من المحروقات.

وحذر الشيباني من أن استمرار الإغلاق قد يؤدي إلى تعميق أزمة نقص البنزين والديزل وعودة الطوابير أمام محطات الوقود، بما يضيف أزمة جديدة إلى سلسلة الأزمات التي تواجهها البلاد.

وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب من الحكومة والسلطات التنفيذية والمؤسسة الوطنية للنفط رفع مستوى الأداء، داعياً، في حال عدم القدرة على معالجة هذه الملفات محلياً، إلى الاستعانة بالخبرات الدولية المتخصصة للمساعدة في إدارة الأزمات والقطاعات الحيوية.

وقال إن الأزمات باتت تتوالى على البلاد بصورة متقاربة، مشيراً إلى أن ليبيا واجهت خلال الفترة الماضية أزمة كهرباء وأزمة محروقات، فيما تواجه اليوم أزمة مرتبطة بإغلاق النفط، معتبراً أن هذه الأزمات، تعكس عدم قدرة السلطات التنفيذية على إدارة الدولة وقطاعاتها ومرافقها بالشكل المطلوب.

أوضح الشيباني أن مطالبة حرس المنشآت النفطية بنقل تبعيته المالية والإدارية إلى المؤسسة الوطنية للنفط، ليست جديدة، وإنما تمتد منذ سنوات، متسائلاً عن الأسباب التي جعلت الخلاف حول المرتبات أو التبعية الإدارية يصل إلى مرحلة تهديد تدفق النفط.

وأشار إلى أن التحرك في هذا التوقيت تحديداً قد تكون له، صلة بالصراع على التعيينات في مجالس إدارات بعض الشركات، معتبراً أن هذا الصراع ربما يكون المحرك الرئيسي أو الأساسي للإغلاق أو التهديدات التي حدثت في الفترة الأخيرة.

أكد الشيباني أنه لا يملك معلومات دقيقة حول عدد أفراد حرس المنشآت النفطية أو حجم المشكلة المالية التي يطالبون بحلها، مشدداً على ضرورة معرفة القيمة الفعلية لهذه المطالب المالية قبل الحكم على إمكانية معالجتها.

وأوضح أن تحديد حجم المبالغ المطلوبة يمثل الخطوة الأولى لمعرفة ما إذا كان بالإمكان التعامل معها وحلها بطريقة ترضي المطالبين بها، أو الوصول إلى حل وسط، أو تقديم وعود واضحة لمعالجة الملف في المستقبل.

ودعا إلى البحث في أصل المشكلة الأخرى المتعلقة بالصراع على مجالس إدارات الشركات، متسائلاً عن أسباب استمرار هذا الصراع، ومؤكداً أن الأصل هو اختيار الشخص الكفؤ والقادر على إدارة القطاع وتولي المنصب، بعيداً عن الاعتبارات المناطقية والمحاصصة.

ولفت إلى أن المحاصصة والمناطقية أصبحتا قاعدة وأساساً في تعيين المناصب داخل الدولة الليبية، مشيراً إلى أن هذا النهج بدأ من الحكومة والمجلس الرئاسي ومجلس النواب، وأصبح جزءاً من الممارسة السياسية والإدارية في البلاد.

واستشهد الشيباني باجتماعات بوزنيقة وما نتج عنها من ترتيبات مرتبطة بالمناصب السيادية السبعة، إضافة إلى الجدل المتعلق بمن يتولى منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي، معتبراً أن النقاش في هذه الملفات غالباً ما ينطلق من الانتماء المناطقي بدلاً من البحث عن الأكثر كفاءة وخبرة وقدرة على إدارة المؤسسة.

وأوضح أن المفترض عند اختيار شاغلي المناصب القيادية أن يتم النظر إلى الكفاءة والخبرة والدراية والتاريخ المهني والنجاحات التي حققها المرشح، بدلاً من اختيار أسماء على أساس مناطقها، مشيراً إلى أن هذا النهج أدى إلى تولي أشخاص لمناصب داخل مؤسسات لا يمتلكون بالضرورة الدراية أو القدرة الكافية لإدارتها.

وأضاف أن بعض المؤسسات أصبحت تُدار من جانب شخصيات يمكن أن تكون، أكثر قابلية للتأثر بالضغوط أو الابتزاز، وهو ما يفاقم مشكلات الإدارة ويضعف أداء مؤسسات الدولة.

شدد الشيباني على ضرورة معرفة العدد الحقيقي للعناصر المنتسبة لهذه التشكيلات، ومدى قيامها فعلياً بالمهام الموكلة إليها، وحجم القوة الموجودة على الأرض، فضلاً عن تحديد مؤهلات المنتسبين وأوضاعهم الوظيفية.

كما طرح تساؤلات بشأن احتمال وجود أسماء تتقاضى مرتبات دون أن تكون موجودة فعلياً، أو وجود أفراد يعملون في مؤسسات أخرى في الوقت نفسه، معتبراً أن هذه الملفات تحتاج إلى تدقيق فعلي في القوائم والبيانات.

وأشار إلى أن الحكومة ووزارة المالية سبق أن طالبتا بتقديم قوائم تفصيلية بأسماء المنتسبين إلى هذه الوحدات والتشكيلات، إلى جانب أرقامهم الوطنية، إلا أن عدداً من الجهات، ومن بينها جهات تتبع وزارة الداخلية، رفضت الاستجابة لهذه التفاصيل، وأصرت على صرف المرتبات أو المعاشات في صورة مبلغ إجمالي تحت تصرف قيادات هذه التشكيلات.

وأكد أن هذه الآلية تثير تساؤلات حول العدد الحقيقي للعناصر المستحقة للمرتبات، وما إذا كان بعضهم يعمل في أماكن أخرى أو توجد لديه ازدواجية وظيفية، مشدداً على أن التحقق من هذه البيانات يمثل ضرورة لضبط الإنفاق العام.

وانتقل الشيباني إلى الحديث عن الأوضاع الاقتصادية العامة، معتبراً أن ما يجري يعكس في جوهره ضعفاً في السلطة التنفيذية وخللاً في أداء الحكومة، فضلاً عن استمرار ضعف أداء عدد من التشكيلات والوحدات والمؤسسات التابعة للدولة.

وقال إن الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها ليبيا، وتراجع قيمة الدينار وتعدد المشكلات الاقتصادية، يفترض أن تدفع الحكومة إلى تبني سياسات تقشفية وترشيد الإنفاق، إلا أن ذلك لا يظهر، في سلوك الحكومة أو أولوياتها.

وانتقد استمرار الإنفاق على السفر والوفود، سواء كان ذلك بداعي الحاجة أو من دونها، إضافة إلى استمرار الإنفاق على الحفلات والمظاهر الاحتفالية، فضلاً عن مبالغ كبيرة تنفق على مسابقات وسباقات السيارات وغيرها من أوجه الإنفاق التي وصفها بأنها لا تنسجم مع الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

وأكد أن هذه الممارسات لا تساعد على ترسيخ الانضباط داخل مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أنه من الصعب مطالبة الموظفين والمرؤوسين بالالتزام بالقواعد والقيم والمفاهيم المرتبطة بإدارة الدولة إذا كان المسؤولون أنفسهم لا يلتزمون بها.

وأوضح أن القدوة يجب أن تبدأ من رأس السلطة والمؤسسات القيادية، حتى تنعكس على بقية المؤسسات التابعة لها، معتبراً أن هذا الأمر غير واضح في أداء الحكومة الحالية.

ولفت إلى أن استمرار ضعف سيطرة السلطة على المؤسسات المختلفة يتيح المجال أمام أطراف عديدة للضغط من أجل الحصول على مزيد من الدخل أو تحقيق مطالب خاصة، مستشهداً بممارسات مثل قطع الطرق أو إخراج الناس إلى الشوارع للضغط على الدولة.

وأكد أن هذه الممارسات ستظل قائمة طالما أن السلطة لا تبسط نفوذها على جميع المؤسسات بصورة صارمة وقانونية، مشدداً في الوقت ذاته على أن فرض سلطة الدولة يجب ألا يتم من خلال قوة الأشخاص أو الاعتقالات، وإنما من خلال قوة القانون واحترام المؤسسات وسيادة القواعد القانونية.

وفيما يتعلق بالعجز المالي الذي يقترب من خمسة مليارات دولار وفق البيانات التي أشار إليها النقاش، قال الشيباني إن احتمال اللجوء مجدداً إلى خفض قيمة الدينار يبقى مطروحاً، باعتبار أن تخفيض قيمة العملة سبق أن استخدمه مصرف ليبيا المركزي أكثر من مرة كإحدى أدوات التعامل مع الاختلالات المالية.

وأوضح أن إنتاج ليبيا النفطي يبلغ نحو مليون و400 ألف برميل يومياً، إلا أن الإيرادات النفطية لا تصل بالكامل إلى مصرف ليبيا المركزي، وفق ما يتم تبريره باستخدام جزء منها في توريد المحروقات.

وأشار إلى أن قيمة هذا الجزء بلغت، نحو مليار و400 مليون دولار في أحد الأشهر، معتبراً أن هذا الرقم كبير جداً، ومتوقعاً ألا يقل إجمالي الإنفاق على استيراد المحروقات بنهاية العام عن 12 مليار دولار، وربما يصل إلى 15 مليار دولار.

وأضاف أن هذا المبلغ يمثل أكثر من 50 في المئة من إيرادات الدولة الليبية، معتبراً أن وصول الإنفاق على المحروقات إلى هذه النسبة يمثل مفارقة تستدعي البحث في أسبابها وآليات معالجتها.

وأوضح أن مصرف ليبيا المركزي، من أجل توفير الدينارات اللازمة لتغطية احتياجات الحكومة والتزاماتها، وفي مقدمتها باب المرتبات، يحتاج إلى توفير كميات أكبر من العملة المحلية، وهو ما قد يدفعه إلى البحث عن حلول أخرى.

وأشار إلى خيار زيادة المعروض النقدي من خلال طباعة المزيد من النقود، معتبراً أن مثل هذه الخيارات تضع المصرف المركزي أمام مجموعة من التحديات النقدية في تعامله مع الأزمة.

وأكد الشيباني أن معالجة هذه الاختلالات لا ينبغي أن تقع على عاتق المصرف المركزي وحده، مشدداً على أن الحكومة مطالبة أيضاً بتبني سياسات مالية واضحة تتعلق بالإنفاق وتوجيهه وترشيده، وإعطاء الأولوية للإنتاج بدلاً من الاستهلاك.

وأوضح أن هذه المبادئ معروفة في علم الاقتصاد، وتشمل كذلك التعامل مع الإنفاق الموازي والإنفاق الخارج عن الأطر الرسمية، إلا أن السياسات اللازمة لمعالجة هذه الملفات لا تبدو واضحة بالشكل المطلوب.

وفيما يتعلق بالبيانات التي نشرها مصرف ليبيا المركزي والتي تتحدث عن وجود فائض في دخل الحكومة أو في العملة المحلية يقدر بنحو 30 مليار دينار، شكك الشيباني في إمكانية اعتبار هذا الرقم فائضاً حقيقياً، موضحاً أن هناك مصروفات غير مدرجة، كما أن الإنفاق لا يتم توجيهه بالشكل الصحيح.

وأضاف أن الالتزامات المالية للدولة الليبية قد لا تظهر بصورة كاملة إلا في نهاية السنة المالية، وبالتالي فإن الحديث عن فائض فعلي يتطلب أولاً التأكد من أن الحكومة أوفت بجميع التزاماتها، بما في ذلك علاوة الأسرة والأبناء وغيرها من الاستحقاقات.

وقال إنه إذا كان هناك بالفعل فائض حقيقي بقيمة 30 مليار دينار، فمن الممكن نظرياً توجيهه إلى سداد جزء من الدين العام، الذي أشار إلى أنه يتجاوز 300 مليار دينار، لكنه اعتبر أن الصورة المالية لا تبدو بهذه البساطة.

وأكد أن البيانات التي ينشرها مصرف ليبيا المركزي يجب التعامل معها باعتبارها مؤشرات وإشارات تحذيرية تستوجب التحليل والبحث من الجهات المختصة، إلا أنه أشار إلى غياب الجهات التي تتعامل مع هذه الأرقام بصورة فعلية وجادة.

وحمل الشيباني الجسم التشريعي والجهات الرقابية مسؤولية فحص البيانات المالية والنقدية ومتابعة أسباب العجز، متسائلاً عن مصدر العجز الذي يقترب من خمسة مليارات دولار وكيفية تغطيته، وما إذا كانت الأموال التي يتم استخدامها توجه فعلاً إلى الاحتياجات الضرورية للدولة.

كما تساءل عن حقيقة استخدامات النقد الأجنبي التي يتم توفيرها عبر الاعتمادات وغيرها من الأدوات، مشيراً إلى رقم يقدر بنحو 16 مليار دولار، مع تأكيده عدم التأكد من الرقم بصورة دقيقة، ومطالباً بالتحقق مما إذا كانت هذه الأموال قد استخدمت بالفعل لتوفير الاحتياجات الأساسية والضرورية للمواطن والدولة، أم وجهت إلى أوجه إنفاق أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى