أبو سعيد: اتفاق “4+4” خطوة مهمة لحل الأزمة الليبية

قال المحلل السياسي عمر أبو سعيد إن ليبيا تمر بمرحلة مفصلية، مع تصاعد المناورات السياسية بين مجلس النواب ومجلس الدولة الايتشاري، معتبرا أن الخطوة التي اتخذتها رئاسة مجلس النواب بشأن اتفاق لجنة 4+4 تهدف إلى وضع الكرة في ملعب مجلس الدولة، بالتزامن مع انتهاء المهلة التي منحتها البعثة الأممية للمجلسين لاعتماد الاتفاق.
وأضاف أبو سعيد في حديثه لقناة “ليبيا الأحرار” عبر برنامج “حوارية الليلة”، رصدته “الساعة 24″، أن المشهد السياسي دخل مرحلة “الوقت بدل الضائع”، مشيرا إلى أن المهلة الممنوحة للمجلسين تنتهي غدا، وأن عدم الاتفاق سيدفع باتجاه ما وصفه بـ”الخيار الثالث”. ورأى أن رئاسة مجلس النواب والكتلة الداعمة لها تناور سياسيا من خلال هذه الخطوة، بعدما أصبح مجلس الدولة في مواجهة مباشرة مع الاتفاق، خصوصا عقب استعجاله في سحب الثقة من أعضائه المشاركين فيه.
وأوضح أن رئاسة مجلس الدولة، بحسب تقديره، وضعت نفسها بهذه الخطوة في مواجهة إرادة دولية ومؤيدي الاتفاق، فيما أشار إلى أن البعثة الأممية تفاعلت بصورة مختلفة مع الخطوة التي اتخذها مجلس النواب، لافتا إلى ترحيب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بها بعد إبلاغه رسميا من قبل رئيس مجلس النواب عقيلة صالح.
وقال أبو سعيد إن اتفاق 4+4، رغم وجود “عيوب كثيرة” فيه ومعارضة كتلة مهمة له، يمثل في تقديره خطوة يمكن البناء عليها، خاصة بعد اعتماد القرار رقم 7 وإلحاق القرار رقم 8 به بشأن اعتماد المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. واعتبر أن خروج المفوضية بجسم متكامل يمثل مكسبا مهما، بعد ما وصفه بالإشكالات السابقة المتعلقة بشرعية مجلس إدارتها والطعون والتشكيكات التي رافقتها.
وأضاف أن أعضاء المفوضية باتوا، بحسب وصفه، يتمتعون بطابع تكنوقراطي وتوافق، ما يجعل وجود جسم انتخابي متكامل بمثابة “صمام أمان” يمكن اللجوء إليه عند إجراء أي عملية انتخابية أو استفتاء، معتبرا أن ما تحقق يمثل أحد المكاسب المهمة للوضع السياسي الليبي.
ورأى أبو سعيد أن ما تبقى من الخطوات يدخل في إطار المناورة السياسية وضمان المواقع في المرحلة المقبلة وخلط الأوراق بين الأطراف، معتبرا أن ذلك يعكس لعبة سياسية لها أهداف أخرى.
وفي رده على سؤال بشأن ما إذا كان تحرك عقيلة صالح يستهدف المحافظة على موقعه في حال استمرار الأصوات المعارضة له داخل مجلس النواب، قال أبو سعيد إن المناورة لا تقتصر على عقيلة صالح، بل تشمل كل من يتمترس في السلطة ويرفض مغادرتها، سواء في مجلس النواب أو المجلس الأعلى للدولة.
وأشار إلى أن الموجودين في المشهد السياسي منذ سنوات راكموا خبرة في التعامل مع المحطات المختلفة، وتمسكوا بمواقعهم، معتبرا أن المشكلة تكمن في وجود تقاطع وتناغم بين مصالح دولية وأطراف محلية، وأن الملف الليبي ظل، بحسب تعبيره، “مرتهنا بدرجة كبيرة إلى الخارج” ويدار خلف الستار.
وقال إن الأجسام السياسية الموجودة خلال المحطات السابقة كانت تتناغم مع ما تريده أطراف خارجية، بما أدى إلى استمرار المشهد السياسي الليبي في حالة “لا سلم ولا حرب”، مضيفا أن الإرادة الدولية تبدلت حاليا مع التحولات التي تشهدها المنطقة والعالم.
وأشار إلى أمثلة من لبنان وسوريا والعراق، معتبرا أن المجتمع الدولي فرض، بحسب تقديره، مسارات للاستقرار في تلك الدول، وأن ليبيا أصبحت بدورها جزءا من هذا التحول بسبب موقعها الجيوسياسي.
وأوضح أن رئاسة مجلسي النواب والدولة كانت قد اتفقت في تركيا على استمرار عمل لجنة 6+6، لكن مع اقتراب انتهاء المهلة وظهور تفاعل دولي أقوى مع مخرجات لجنة 4+4، أصبح واضحا، بحسب رأيه، أن المسار الأخير يحظى بزخم أكبر.
وقال إن عقيلة صالح اتخذ “ضربة استباقية” لخصومه داخل مجلس النواب وخارجه، في ظل وجود كتلة مهمة تعارضه داخل المجلس، معتبرا أن الطرفين، مجلس النواب ومجلس الدولة، لديهما مصالح مرتبطة بالبقاء في السلطة.
وعن دلالة اعتماد عقيلة صالح لاتفاق 4+4، قال أبو سعيد إن عقيلة صالح أظهر خلال المحطات السابقة “دهاء وحنكة كبيرين”، مستشهدا باستمراره في رئاسة مجلس النواب حتى الآن، لكنه اعتبر أن قوة الخطوة الأخيرة لا تكمن فقط في صدورها عن المجلس، بل في التفاعل الدولي معها.
وأشار إلى أن جلسة مجلس النواب التي اعتمدت الاتفاق، وبمجرد انتهائها بساعات، أعقبها ترحيب غوتيريش بالخطوة، معتبرا أن هذا التفاعل يعكس وجود إرادة دولية، وأن البعثة الأممية أصبحت في سباق لإثبات حضورها في الملف الليبي، خصوصا مع وجود مبادرة أميركية للسلام في ليبيا قال إنها تحمل أبعادا تتجاوز ليبيا.
ورأى أن اعتماد القرارين 7 و8 بشأن المفوضية يدفع باتفاق 4+4 إلى الأمام، ويمكن أن يشكل أساسا للمرحلة المقبلة، مشيرا إلى أن البدائل المطروحة قد تشمل الاعتماد على مجلس النواب بصورة منفردة للمضي في الاتفاق، أو تشكيل جسم تنفيذي، أو اللجوء إلى لجنة حوار أخرى تضم أعضاء من الطرفين.
وبشأن موقف مجلس الدولة وما إذا كان تمرير الاتفاق من جانب مجلس النواب يكفي البعثة الأممية، قال أبو سعيد إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى “جسر انتقالي” يمكن من خلاله الانتقال إلى مرحلة أخرى، سواء لتمرير الدستور أو إعادة مساره عبر لجنة معينة.
وانتقد ما وصفه بالشعارات السياسية المرتفعة، قائلا إن الليبيين يعيشون أزمة حقيقية ويريدون حلا ملموسا قابلا للتنفيذ على الأرض، وليس مجرد شعارات، مضيفا أن البلاد تعيش بين أطراف متقاطعة المصالح، فيما يعاني المواطنون من الفقر وتردي الخدمات.
وأكد أن توصيف ما حدث بأنه “مناورة” هو توصيف سياسي للمشهد، وليس موقفا مؤيدا أو معارضا للاتفاق، لكنه أشار إلى وجود نقص في الخطوة التي اتخذها مجلس النواب يتمثل، بحسب تقديره، في عدم تضمين الاتفاق ضمن الإعلان الدستوري، وهو ما قد يثير إشكالات دستورية تتعلق بالنصاب المطلوب، والذي قال إنه يحتاج إلى 120 عضوا.
وحول الأطراف التي قد تعارض تمرير الاتفاق، قال أبو سعيد إن هناك أطرافا إقليمية وأخرى داخلية لا تستطيع إعلان رفضها بصورة مباشرة بسبب ارتفاع موجة الدعم الدولي للاستقرار في ليبيا، لكنها قد تسعى، عبر الجهات التي تدعمها أو تتواصل معها، إلى عرقلة تمرير الاتفاق أو ضمان مصالحها ومكاسبها التي اعتادت عليها.
وأوضح أنه يتحفظ عن تسمية تلك الأطراف بشكل مباشر حفاظا على الحد الأدنى من التوافق، رغم وجود أصوات داخلية أعلنت خلال الفترة الماضية رفضها للاتفاق.
وشدد على أن المصلحة العامة تقتضي، بحسب رأيه، المضي في الاتفاق، منتقدا تصويره على أنه مواجهة بين خاسر ورابح، وقال إن الظروف الداخلية والخارجية دفعت الأطراف الفاعلة إلى ضرورة الوصول إليه، متسائلا عن البديل في ظل استمرار الانقسام والفساد والأزمات.
وفي حديثه عن موازين القوى على الأرض، قال أبو سعيد إن الطرف الذي يسيطر على مناطق القيادة العامة في برقة وفزان يملك سيطرة واسعة على الأرض والبحر والجو في مناطق نفوذه، فيما يسيطر الطرف الموجود في العاصمة على مؤسسات الدولة، مشيرا إلى حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة ومصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والوزارات والميزانيات.
ورأى أن هذه الأطراف اضطرت إلى التفاعل مع الاتفاق لأن المجتمع الدولي، بحسب تقديره، لن يسمح باستمرار الوضع الحالي، مضيفا أن موافقة القيادة العامة على الاتفاق قد تمثل تنازلا منها، لأن وضعها الحالي، وفق وصفه، يمنحها سيطرة واسعة على منابع النفط والمياه والبحر والحدود ومجالات التواصل الدولي.
وقال إن هناك أصواتا تدعو إلى تقسيم البلاد، لكنه أكد أن القيادة العامة تريد ليبيا موحدة وتسعى إلى قيام دولة واحدة، مضيفا أنها قدمت تنازلات في محطات عديدة، وأن الاتفاق الأخير يتضمن، بحسب قوله، عددا من هذه التنازلات.
وفي معرض رده على المخاوف من انهيار التوافق بين الأطراف بمجرد تصادم المصالح، قال أبو سعيد إن القوى التي تقف خلف المشهد وتسعى إلى إدارته تريد الانتقال بليبيا من دوامة المراحل الانتقالية إلى مرحلة دائمة، مؤكدا أن الضمانات مرتبطة بالإرادة الدولية والقوى الفاعلة في الملف الليبي.
وأوضح أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا وتركيا ومصر وإيطاليا ودولا أخرى لديها مصالح استراتيجية في ليبيا، وأن التحولات في النظام الدولي والأزمات في الشرق الأوسط وأوكرانيا والساحل الأفريقي أعادت ترتيب الحسابات الدولية تجاه ليبيا.
وأشار إلى أن الأوروبيين يريدون، بحسب تقديره، تدفقا آمنا للطاقة إلى أوروبا، إلى جانب التعامل مع ملف الهجرة، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها في أفريقيا، معتبرا أن ليبيا يمكن أن تمثل بوابة لهذا الوجود وموقعا لمواجهة تمدد أطراف مناهضة للمصالح الأميركية.
وقال إن أهمية ليبيا الجيوسياسية تدفع القوى الدولية إلى السعي لاستقرارها، وليس بالضرورة من أجل مصلحة الليبيين وحدهم، بل أيضا لضمان مصالح تلك الدول، داعيا إلى استثمار هذا التحول الدولي بدلا من مواجهته.
وفي ختام حديثه، انتقد أبو سعيد مداخلة ضيف آخر في البرنامج، معتبرا أن طرح الاتفاق الحالي باعتباره تكرارا لاتفاقات سابقة لم يكن موفقا، لأن ظروف 2015 و2018 و2020 تختلف عن ظروف 2026.
كما انتقد حديثه عن النفوذ، قائلا إن ليبيا تعاني من تقاسم النفوذ منذ 2011، ورأى أن الحديث عن الانتخابات لم يكن موفقا أيضا، مشيرا إلى انتخابات 2021، التي قال إن وجود منافسين لـالقيادة العامة لم يمنع وصول العملية إلى مرحلة متقدمة، مع تسجيل مشاركة نحو 2.8 مليون ناخب ليبي، قبل أن تتعطل الانتخابات لاحقا.
وفيما يتعلق بنائب القائد العام الفريق أول ركن صدام حفتر، قال أبو سعيد إن الحديث عن فرصه الانتخابية يجب أن يقرأ في ضوء المتغيرات الحالية، معتبرا أن المشهد الانتخابي في 2026 يختلف عن 2021، وقال إن صدام حفتر، بحسب تقديره، لا يواجه حاليا منافسا بالمستوى نفسه الذي كان موجودا في الانتخابات الرئاسية السابقة، مضيفا أن “حزب الكنبة” أو الأغلبية الصامتة، بحسب وصفه، لو دخل صدام حفتر أو أي ممثل عن القيادة العامة الانتخابات غدا، فسيحصل على نتيجة واسعة.









