اخبار مميزةليبيا

بن طاهر: حق المعلم لا يلغي حق الطالب في التعليم

قال أستاذ علم الاجتماع بجامعة عمر المختار، رمضان بن طاهر، إن اعتصام المعلمين في ليبيا لا يمكن اختزاله في خلاف حول المرتبات أو تعطيل الدراسة، معتبراً أن التحرك يكشف أسئلة أوسع تتعلق بوضع المعلم والتعليم وآليات توزيع الموارد داخل الدولة.

وأضاف بن طاهر، في مقال بعنوان «اعتصام المعلمين في ليبيا.. ما وراء الراتب»، أن المعلم لا يسأل فقط عن قيمة الزيادة التي سيحصل عليها، وإنما يبحث أيضاً عن القاعدة التي تحدد قيمة العمل في الدولة، ولماذا تحصل بعض القطاعات على زيادات أو مزايا أكبر من قطاعات أخرى، خصوصاً في ظل اعتماد الاقتصاد الليبي بدرجة كبيرة على النفط.

وأضاف أن اعتصام المعلمين ليس الأول من نوعه، لافتاً إلى أن تحركات سابقة أسفرت عن زيادات في مرتباتهم، إلا أن أثر تلك الزيادات تراجع أمام التضخم وانخفاض قيمة الدينار وارتفاع تكاليف المعيشة، بالتزامن مع حصول قطاعات أخرى على زيادات أكبر، وهو ما ربطه بحالة الانقسام السياسي وتعدد السلطات ومراكز القرار.

ولفت إلى أن غياب رؤية موحدة للأجور أدى إلى اتساع الفوارق بين القطاعات، بحيث لم تعد الاختلافات مرتبطة دائماً بطبيعة العمل أو المسؤولية، وإنما دخلت فيها، وفقاً لرؤيته، عوامل تتعلق بالنفوذ والقدرة على الضغط وفرض المطالب.

وأكد بن طاهر أن مشكلة حجم العمالة لا تخص قطاع التعليم وحده، مشيراً إلى أن القطاع العام يضم أعداداً كبيرة من العاملين، وأن ظاهرة وجود موظفين يعملون وآخرين لا يعملون ترتبط بتراكمات طويلة في سياسات التوظيف واستيعاب الخريجين والباحثين عن العمل.

وشدد على أن معالجة البطالة المقنعة وإعادة تنظيم العمالة تمثل إصلاحاً طويل المدى، بينما تبقى عدالة الأجور قضية قائمة، مؤكداً أن تحسين دخل المعلم لا ينبغي تأجيله بحجة إصلاح التعليم، كما أن حق المعلم في أجر عادل لا يلغي حق الطالب في التعليم.

ولفت إلى أن العدالة في الأجور لا تعني حصول جميع العاملين على الراتب نفسه، موضحاً أن التخصص والخبرة والمسؤولية وطبيعة العمل يمكن أن تبرر اختلاف الأجور، شريطة أن تستند الفوارق إلى معايير معلنة ومفهومة، لا إلى قدرة قطاع معين على الضغط أو قربه من مراكز النفوذ.

وربط أستاذ علم الاجتماع أزمة الأجور بطريقة إدارة الريع في ليبيا، موضحاً أن الدولة، في ظل الاقتصاد الريعي، تصبح الموزع الرئيسي للدخل والفرص والمزايا، ومع تعدد السلطات ومراكز النفوذ يمكن أن يتحول الضغط إلى وسيلة للحصول على حصة أكبر من الموارد.

وأشار إلى أن هذه الحالة تنقل الصراع على الموارد من مستوى السلطات ومراكز النفوذ إلى المجتمع نفسه، حيث يبدأ الموظفون والقطاعات بمقارنة ما يحصلون عليه بما يحصل عليه الآخرون، بدلاً من الاحتكام إلى قاعدة عامة مستقرة لتوزيع الموارد.

وفي ما يتعلق بالتعليم، رأى بن طاهر أن اعتصام المعلمين يفتح نقاشاً أوسع حول إصلاح المناهج والتكوين والوظيفة التعليمية ومخرجات المدارس والجامعات، مؤكداً أن إصلاح التعليم لا ينبغي أن يكون ذريعة لتأجيل حقوق العاملين فيه.

وأوضح أن جوهر المشكلة لا يرتبط فقط بمن يتحمل تكلفة التعليم، وإنما بنوعية التعليم الذي تنتجه البلاد وبسوق العمل الذي ينتظر الخريجين، معتبراً أن استمرار محدودية فرص العمل خارج القطاع العام يبقي الشهادة مرتبطة بالوظيفة الحكومية.

وأضاف أن تنويع الاقتصاد وخلق فرص حقيقية في القطاع الخاص والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والاستثمار المنتج من شأنه تغيير قيمة المهارة والخبرة والكفاءة، وبالتالي تغيير معنى الشهادة والتعليم ومكانة المعلم في المجتمع.

وخلص بن طاهر إلى أن الأسئلة التي يطرحها اعتصام المعلمين تتجاوز الزيادة الحالية في المرتبات، لتصل إلى مدى قدرة السلطات على بناء سياسة عامة للأجور تقوم على قواعد واضحة، والانتقال من اقتصاد يعتمد على توزيع الريع إلى اقتصاد يوسع دائرة الإنتاج والعمل.

وأكد أن مشكلة المعلم، من وجهة نظره، لا تنفصل عن أزمة بناء الدولة، وأن إصلاح التعليم لا يمكن فصله عن وجود دولة قادرة على وضع سياسات عامة موحدة، كما أن إصلاح الدولة يرتبط بإصلاح الاقتصاد وسوق العمل وطريقة إدارة الموارد وتوزيعها.

وشدد على أن العدالة الاجتماعية تمثل، بحسب رؤيته، ضرورة لاستقرار المجتمع، محذراً من أن غياب القواعد الموحدة قد يدفع الأفراد والقطاعات إلى منطق المقارنة والمنافسة على الموارد، بدلاً من الاحتكام إلى المؤسسة والقانون وقاعدة عادلة تطبق على الجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى