سوريا بعد سقوط الأسد.. دولة هشة على حافة الانقسام

مرحلة حرجة تمر بها سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وسط تحديات متزايدة تطال الأمن، والاستقرار السياسي، والتماسك المجتمعي.
الأحداث الأخيرة في محافظتي السويداء والساحل كشفت عن عمق هشاشة الوضع الداخلي، وأعادت طرح الفيدرالية كخيار محتمل لمعالجة إشكالية التنوع السوري وإعادة صياغة العلاقة بين المركز والأطراف، في المقابل، يزداد تعقيد المشهد نتيجة تعثر تنفيذ الاتفاق بين الحكومة الانتقالية والإدارة الذاتية الكردية، مما يهدد بعودة المواجهات المسلحة في الشمال.
السويداء والساحل: تصاعد العنف وتآكل السلطة المركزية
شهدت محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، تصعيداً دموياً إثر اختطاف تاجر درزي على يد مجموعة بدوية، في منطقة لطالما تميزت بتوترات تاريخية بين الدروز والبدو. وسرعان ما تحولت الحادثة إلى موجة من العنف الطائفي، تضمنت عمليات انتقامية مروعة وإعدامات ميدانية.
الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع أرسلت قوات لاحتواء الموقف، إلا أن تدخلها فشل سياسياً وتكتيكياً، وسط اتهامات للقوات بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين الدروز، ما زاد من تفاقم التوتر المحلي والدولي.
في خضم هذه الأزمة، نفذت إسرائيل ضربات جوية استهدفت مبنى قيادة الأركان في دمشق ومواقع قريبة من القصر الرئاسي، بحجة الحفاظ على منطقة منزوعة السلاح في الجنوب. أدت هذه التطورات إلى نزوح واسع قُدِّر بنحو 175 ألف شخص، وسقوط مئات القتلى، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى انهيار واسع في البنية التحتية، لا سيما في قطاعات المياه والكهرباء، وظهور أزمة إنسانية حادة.
أما في الساحل السوري، فاندلعت موجة جديدة من العنف في مارس 2025، حين شنّ مسلحون موالون للنظام السابق هجمات متزامنة استهدفت مواقع عسكرية للحكومة الانتقالية، أسفرت عن مقتل 238 عنصراً أمنياً. ورداً على ذلك، أطلقت القوات الحكومية وميليشيات موالية لها حملة أمنية عشوائية اتُهمت بارتكاب مجازر بحق المدنيين، راح ضحيتها أكثر من 1400 شخص، معظمهم من المدنيين العلويين.
تزايدت التحذيرات من خطر انهيار الدولة وفشل مؤسساتها في احتواء التصعيد، وسط مطالبات محلية ودولية بتطبيق العدالة الانتقالية والقيام بإصلاحات سياسية جوهرية تضمن عدم تكرار الكارثة.
اتفاق الشمال الكردي: وعود مؤجلة وخلافات جوهرية
في العاشر من مارس 2025، تم توقيع اتفاق تاريخي بين قائد “قسد” مظلوم عبدي ورئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع، يهدف إلى دمج المؤسسات الكردية ضمن بنية الدولة السورية، مع الاعتراف بحقوق الأكراد كمكوّن أساسي.
الاتفاق، الذي تم بوساطة أمريكية، نص على إنهاء الترتيبات الانتقالية بنهاية عام 2025، لكن تنفيذه ما زال متعثراً وسط خلافات حادة حول طبيعة الحكم، وشكل العلاقة العسكرية، ومستقبل إدارة الموارد.
بينما تسعى دمشق إلى استعادة النموذج المركزي، يصر الأكراد على صيغة لامركزية تضمن حكماً ذاتياً واسع النطاق. التوتر تصاعد في أبريل 2025 بعد عقد مؤتمر كردي في القامشلي طالب باعتبار اللغة الكردية لغة رسمية ثانية، وهو ما اعتبرته دمشق تحدياً لوحدة الدولة.
من القضايا العالقة أيضاً ملف معتقلي تنظيم داعش في السجون الكردية، حيث تطالب دمشق باستلام الملف كاملاً، فيما ترى قسد ضرورة الحفاظ على إشرافها لضمان عدم استغلال الملف سياسياً.
تركيا تعارض أي شكل من أشكال الحكم الذاتي الكردي، وتعدّ قسد امتداداً لحزب العمال الكردستاني، فيما تبقى واشنطن لاعباً رئيسياً، رغم غموض التزامها على المدى البعيد.
الفيدرالية: ضرورة أم مخاطرة؟
وسط حالة الانقسام وتآكل السلطة المركزية، تبرز الفيدرالية كنموذج محتمل لإعادة بناء الدولة السورية، ورأى الدكتور محمد علي، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية، أن التجربة أثبتت فشل النموذج المركزي الصارم في إدارة تنوع البلاد، مشيراً إلى أن المجتمعات المحلية باتت تبحث عن كيانات تحميها في ظل غياب دولة قادرة على تمثيلها.
لكنه يؤكد أن الفيدرالية ليست عصا سحرية، ويشدد على أنها يجب أن تقوم على إرادة شعبية، وأسس إدارية لا طائفية، وأن تبقى ضمن إطار وحدة سوريا، ويحذر من سيناريو “الكانتونات الطائفية” المدعومة من قوى إقليمية، مثل ما يحدث جنوباً حيث تسعى إسرائيل إلى فرض منطقة نفوذ، في موازاة النفوذ التركي في الشمال.
في ظل هذه التحديات، يبدو أن مصير سوريا مرهون بقدرة السوريين على إنتاج عقد وطني جديد، يجمع بين احترام التنوع المحلي، والحفاظ على الوحدة الوطنية، في إطار دولة تعددية تقوم على المواطنة وحقوق الإنسان، وكما قال المبعوث الأممي غير بيدرسون: “الانتقال السياسي في سوريا لا يمكن أن يفشل… لأن ثمن الفشل سيكون انهياراً لا يُحتمل”.









