اخبار مميزةليبيا

أوغلو: استمرار الانقسام في ليبيا يخدم القوى الدولية ويعطل أي حل مستدام

أوضح الباحث السياسي مهند حافظ أوغلو أن تركيا تنظر إلى الملف الليبي من منظور جيوسياسي واقتصادي، وتسعى لإعادة صياغة نفوذها في ليبيا بالتوازي مع محاولات الولايات المتحدة لاستعادة حضورها في شمال إفريقيا.

وأكد أوغلو في مقابلة مع قناة الوسط، رصدتها صحيفة الساعة24، أن واشنطن تعتبر ليبيا بوابة استراتيجية للاستثمار في القارة الإفريقية سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، في ظل مساعيها لتقليص النفوذ الروسي في المنطقة، مشددًا على رغبة الولايات المتحدة في أن تتموضع بقوة ضمن التوازنات الليبية، بحيث تدور جميع الأطراف، بما في ذلك تركيا وإيطاليا، في فلك سياساتها.
ورأى أن تقرير “المجلس الأطلسي” حول الدور التركي في ليبيا أغفل العنوان الأهم، وهو بحث أنقرة وروما عن تموضع جديد في ضوء المتغيرات الدولية، مشيرًا إلى تباين داخل الاتحاد الأوروبي حول الملف الليبي، حيث تسعى إيطاليا، خلافًا لدول أوروبية أخرى، إلى نهج ديناميكي عبر تفاهمات مباشرة مع تركيا وطرابلس، بعيدًا عن السياسات التقليدية للاتحاد الأوروبي.
وأشار أوغلو إلى أن تركيا تسعى للحفاظ على الشرعية في طرابلس، مع إبقاء حالة تنافس محسوب مع بنغازي، حماية لمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، لا سيما في ملف ترسيم الحدود البحرية وحقوق الطاقة في شرق المتوسط، مؤكدًا أن هذا التنافس يشمل دولًا مثل فرنسا واليونان وقبرص، بدعم ضمني من إسرائيل، معتبرًا أن الصراع يتعدى الغاز إلى فرض رؤى سياسية على المنطقة.
وتطرق أوغلو إلى التحركات المصرية تجاه الاتفاقيات التركية الليبية، معتبرًا أن شكوى مصر ضد الاتفاقية الليبية – التركية، تحمل رسائل سياسية للبرلمان الليبي، لكنها لا تُغلق الباب أمام تفاهمات إقليمية لاحقة. مؤكداً أن تركيا وإيطاليا، رغم ارتباطهما بالمنظومة الغربية، ليستا تابعَتين لواشنطن كما هو الحال مع دول مثل ألمانيا أو فرنسا، معربًا عن إدراكهما لدروس الحرب الروسية – الأوكرانية، والسعي لسياسة خارجية أكثر استقلالية، خاصة في ليبيا.
وأوضح أن الأطراف الدولية الفاعلة في الملف الليبي، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإيطاليا وتركيا، تتفق على إطار تعاون شكلي يشمل المشاركة الاقتصادية وتوحيد المؤسسات، لكنها تختلف من حيث الأولويات والنية الحقيقية تجاه مستقبل ليبيا، مشيرًا إلى أن الواقع يشير إلى أن بعض العواصم الغربية تفضل إبقاء الوضع على ما هو عليه بدلاً من حل الأزمة جذريًا، فيما تسعى تركيا ومصر لإنهاء الانقسام السياسي وتوحيد المؤسسات تحت قيادة واحدة.
وحذر أوغلو من أن استمرار هذه الحالة يضر بعمق القضية الليبية ويؤجل بناء الدولة، ويجعل القرار الليبي رهين الضغوط الخارجية، داعيًا إلى رؤية وطنية مستقلة تُفرض على الشركاء الدوليين والإقليميين، بدلاً من انتظار توافقات من الخارج.
كما أكد أن الصراع الخفي بين الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا، يخلق شللاً سياسيًا ويمنع التوصل إلى تسوية حقيقية، ويؤثر سلبًا على ملفات أخرى في المنطقة، مشيرًا إلى أن تركيا دفعت ثمناً أكبر مقارنة بدول أخرى رغم عملها عبر الشرعية الدولية، واتفاقاتها الرسمية مع حكومة طرابلس المعترف بها دولياً.
وأوضح أن انفتاح أنقرة مؤخرًا على الشرق الليبي أربك حسابات بعض العواصم الغربية التي كانت تسعى لإبقائها محصورة في العلاقة مع طرف واحد فقط، مشيرًا إلى أن استمرار الانقسام والفوضى يخدم بعض القوى الدولية التي تستفيد من استمرار بيع الأسلحة وتعزيز النفوذ، مما يعطل أي استراتيجية واضحة لحل شامل ومستدام.
واعتبر أوغلو، أن الاستراتيجية الأمريكية تجاه ليبيا تعتمد على ما سماه “أسلوب الشجرة”، حيث تتفرع عدة مسارات “الأممي، الأوروبي، الإقليمي، والشرقي” من جذع واحد هو الرؤية الأمريكية، والتي تسمح لدول مثل تركيا وإيطاليا بالتحرك ضمن هامش محدود، لكنها تسعى للاستفادة من أي ثمار سياسية أو اقتصادية أو أمنية.
وأشار أوغلو إلى أن تركيا دفعت أثمانًا سياسية وإعلامية نتيجة انفتاحها على الشرق الليبي، رغم دخولها عبر الشرعية الدولية، معتبرًا أن أي اتهامات بمحاولة تجاوز الاصطفاف مع طرابلس تأتي ضمن سعيها لإيجاد حل شامل للأزمة. كما انتقد ما وصفه بمحاولة أمريكية لاحتكار النتائج دون تقديم تضحيات، لافتًا إلى أن روسيا والصين تتحركان من الخلف لفرض وجودهما في الملف الليبي ضمن التنافس الأوسع على إفريقيا والشرق الأوسط.
ورأى أن التحالف الثلاثي بين أنقرة وروما وواشنطن يتحرك أحيانًا ضمن تنسيق مشترك، لكنه لا يتطابق دائمًا في الرؤية أو الأهداف، بينما تظهر قوى إقليمية ودولية أخرى، مثل فرنسا واليونان وإسرائيل، كمراكز رفض لأي مسار لا يتوافق مع مصالحها، خصوصًا فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية ومناطق النفوذ في شرق المتوسط.
واختتم أوغلو تحليله بالتأكيد على أن المشهد الليبي يُدار عبر مسارات متعددة تتقاطع أحيانًا وتتضاد أحيانًا أخرى، مما يخلق حالة تشويش استراتيجي تبقي ليبيا في دائرة المراوحة، مؤكداً أن الخاسر الأكبر هو المواطن الليبي الذي يتحمل تبعات صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل، سواء على صعيد الاستقرار أو فرص التنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى