اخبار مميزةليبيا

بو الرايقة: واشنطن تسعى لتعزيز مصالحها الاقتصادية والسياسية في ليبيا

أكد المحلل السياسي، فيصل بو الرايقة أن ليبيا ليست على رأس أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، لكنها تحتل موقعًا مهمًا ضمن استراتيجية واشنطن الشاملة لمواجهة روسيا والصين، ومكافحة الإرهاب والتهديدات السيبرانية، إلى جانب مراقبة خطوط الطاقة في المتوسط وإفريقيا.

وأوضح بو الرايقة في حديث لقناة “الوسط”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن الولايات المتحدة تعتمد في مقاربتها للملف الليبي على أدوات متعددة، أبرزها البُعد الأمني والعسكري، إلى جانب المسارات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن كلًا من تركيا وإيطاليا تتحركان ضمن هامش الاستراتيجية الأمريكية ولا تخرجان عنها.

وذكر بو الرايقة، أن المشاركة المتوازنة عبر الانقسام الليبي، كما ورد في تقرير المجلس المتوسطي، تمثل جوهر الاستراتيجية الأمريكية في المرحلة الحالية، مؤكدًا أن واشنطن تسعى ليس فقط لدعم الخطة الأممية، وإنما لتعزيز مصالحها الاقتصادية والسياسية في ليبيا، مع التركيز على احتواء النفوذ الروسي والصيني المتنامي في المنطقة.

وأشار بوالرايقة، إلى أن التحركات الأمريكية الأخيرة، تخلّت تدريجيًا عن المقاربة الدبلوماسية لصالح حضور عسكري وأمني مباشر. موضحاً بالقول: إن واشنطن كثّفت من زيارات مسؤولي وزارة الدفاع (البنتاغون)، إلى جانب زيارات استخباراتية وتحركات بحرية، في إطار ما وصفه بـ “الجهد القاسي” لتعزيز النفوذ الأمريكي شرق ليبيا. مبيناً أن دعوة مسؤولين عسكريين من المنطقة الشرقية لزيارة الولايات المتحدة، تؤكد سعي واشنطن إلى تطويع التحالفات المحلية لصالحها واحتواء التقارب الروسي مع شرق البلاد.

في السياق ذاته، اعتبر بو الرايقة أن تحركات أنقرة وروما لا تخرج عن الرؤية الأمريكية، بل تمثل أدوات تنفيذية لها. لافتاً إلى أن دخول تركيا على خط الأزمة الليبية منذ اتفاقية نوفمبر 2019، كان يهدف جزئيًا إلى الحد من النفوذ الروسي في ليبيا، وهو ما يتقاطع مع أولويات واشنطن الأمنية.

أما بالنسبة لإيطاليا، فرأى أنها واحدة من الأبواب السياسية للبنتاغون في المتوسط، مشيرًا إلى أنها لا تتحرك بشكل منفصل، بل ضمن مظلة استراتيجية أوسع تقودها الولايات المتحدة، خاصة في ملفات الطاقة والاستثمار.

وبينّ المحلل السياسي أن واشنطن تتعامل مع ليبيا من خلال عدة مسارات متوازية، تشمل المسار العسكري، والمسار السياسي، وكذلك المسار الاقتصادي، الذي توليه أهمية كبيرة في المرحلة الراهنة. وقال إن الولايات المتحدة دفعت بقوة نحو توحيد المسارات المالية، عبر دعم شركاتها، وتدخلات مباشرة من مسؤولين أمريكيين مثل ريتشارد نورلاند، وجيريمي برنت، في محاولة لتوحيد الموازنة العامة والتعامل مع الدين العام.

وتابع: التحركات الأمريكية والإقليمية في ليبيا، تهدف بالدرجة الأولى إلى خدمة مصالح هذه الدول الاستراتيجية والاقتصادية، أكثر من سعيها الحقيقي لتجاوز الانقسام الليبي أو دعم الاستقرار الداخلي.

ورأى بو الرايقة، أن ليبيا رغم امتلاكها لأكبر احتياطات نفطية في إفريقيا، ما زالت تشكل مصدرًا لعدم الاستقرار في جنوب البحر المتوسط، وممرًا رئيسيًا للهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، وهو ما يجعلها محل اهتمام متزايد من قِبل القوى الكبرى، ويدفع هذه الأطراف لتنسيق تحركاتها بما يضمن تحقيق أهدافها.

وأشار المحلل السياسي، إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى ليبيا من زاوية استراتيجية تتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع التمدد الروسي في المنطقة، معتبرًا أن أي تقارب روسي– ليبي، خصوصًا في الشرق، يُعد تهديدًا محتملاً لجناح “الناتو” الجنوبي ولأمن المتوسط.

وذكر أن هناك انطباعًا متزايدًا لدى بعض النخب الليبية بأن واشنطن، إلى جانب أنقرة وروما، تُفضل إدارة الانقسام الليبي بدلاً من حله فعليًا، حيث تسعى هذه الدول لتحقيق مكاسب استراتيجية من الوضع القائم، بينما ما يزال الليبيون منقسمين على أنفسهم دون خارطة طريق موحدة.

وشدد بو الرايقة على أن هذه الدول، رغم تحركاتها، لن تكون أحرص من الليبيين على أمنهم القومي أو مصالحهم الوطنية العليا. لكنه لفت إلى غياب ما وصفه بـ “عقل الدولة” القادر على توحيد الرؤية الوطنية، قائلاً: “حتى اللحظة، لا توجد رؤية ليبية موحدة تُحدد من هم الأعداء، ومن هم الحلفاء، وما هي الاستحقاقات الوطنية، أو حتى تعريف المصالح الحيوية للبلاد”.

ودعا إلى ضرورة إعادة بناء هذه الرؤية من خلال مجالس استراتيجية وأمن قومي، تُحدد السياسات الخارجية وتعامل الدولة مع الأطراف الدولية على أساس وطني صرف، وليس عبر تحركات فردية متفرقة.

ووصف الدول المنخرطة في الملف الليبي، والتي كانت جزءًا من مسار برلين، تعمل بالدرجة الأولى لخدمة أجنداتها الخاصة، بينما تأتي المصلحة الليبية في مرتبة ثانية أو ثالثة، مؤكدًا أن الخروج من هذا الواقع يتطلب “إرادة وطنية” ليبية واضحة ومسؤولة.

وذكر بو الرايقة إلى أن واشنطن تمتلك أدوات قوية كفيلة بفرض الاستقرار في ليبيا، منها العقوبات، والضغط العسكري، والوسائل المالية، إلا أن الرغبة الحقيقية في توظيف هذه الأدوات لتحقيق استقرار حقيقي ما تزال غائبة.

وأوضح أن ليبيا لطالما كانت ضمن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، لكنها لم ترتقِ إلى مرتبة “الدوائر الأساسية” التي تحظى بالاهتمام الأول، مثل دول الخليج الغنية بالطاقة. ومع ذلك، ومع تصاعد التوترات الإقليمية والتحديات في أسواق الطاقة العالمية، بدأت واشنطن تُعيد النظر في ليبيا باعتبارها خيارًا بديلًا محتملًا ضمن ما يُعرف بـ “الدائرة الجنوبية” لمصادر الطاقة.

واعتبر بو الرايقة أن التحركات الأمريكية الأخيرة في ليبيا تعكس مقاربة أمنية صِرفة، موضحًا أن واشنطن عززت حضورها العسكري من خلال البوارج والزيارات الأمنية والاستخباراتية رفيعة المستوى، مثل زيارة مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) لكل من طرابلس وبنغازي في يناير 2023، وكذلك تحركات القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (آفريكوم) والبنتاغون خلال الأشهر الماضية.

وأضاف: “هذه المقاربة الأمنية لا تُبنى على أساس دعم مشروع سياسي موحد لليبيا، بل تتعامل مع الدولة باعتبارها ساحة للمصالح والتوازنات الإقليمية”، مشددا على أن الليبيين وحدهم هم المسؤولون عن صياغة مستقبل بلادهم، بعيدًا عن الارتهان الكامل للخارج، محذرًا من خطورة تسليم القرار السيادي للأطراف الأجنبية.

ولفت المحلل السياسي إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية – التي وصفها بـ “إدارة التفاهمات العقارية والتجارية” – قد تُبرم أي صفقة إذا ضمنت من ورائها مكسبًا معينًا، وهو ما يفرض على الليبيين الحذر وتقدير حساسية المرحلة إقليميًا ودوليًا.

وختم بالقول: “إن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في التدخلات الخارجية، بل في غياب عقل دولة قادر على تقييم المخاطر، وتحديد الأصدقاء من الخصوم، وصياغة سياسة خارجية وطنية قائمة على المصالح العليا لليبيا.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى