أيمن العسكري: معالجة ملف الهجرة يتطلب توازنا أمنياً وإنسانيا

قال المحامي والحقوقي، أيمن العسكري، إن ليبيا باتت تمثل وجهة مركزية للمهاجرين غير الشرعيين، بالرغم من الوضع الأمني والسياسي الهش الذي تعيشه البلاد، مشيرًا إلى أن ذلك يعود إلى موقعها الجغرافي الذي يجعلها دولة عبور رئيسية نحو أوروبا.
وأوضح العسكري، في مداخلة على قناة “الوسط”، رصدتها “الساعة 24” أن ظاهرة الهجرة غير الشرعية أصبحت من القضايا الأهم في ليبيا اليوم، ليس فقط لتأثيراتها المحلية، بل بسبب تداعياتها الإقليمية والدولية، حيث تتضرر منها عدة دول، وفي مقدمتها الدول الأوروبية التي تُعد المقصد النهائي للمهاجرين.
وأضاف أن الموقع الجغرافي لليبيا، الممتد على ساحل طويل يزيد عن أربعة آلاف كيلومتر، جعلها محطة عبور مثالية للمهاجرين القادمين من دول إفريقية تعاني من صراعات مسلحة وأزمات اقتصادية خانقة، مثل السودان، النيجر، ومالي.
وأكد أن هذه الدول، التي وصفها بالهشة أمنيًا وسياسيًا، تشهد موجات نزوح كبيرة، ما يدفع المهاجرين للبحث عن طريق آمن نسبيًا نحو أوروبا، حتى وإن اضطروا للمجازفة بعبور الأراضي الليبية.
كما لفت إلى أن الانهيار الاقتصادي في دول المنشأ يدفع العديد من المهاجرين للسفر إلى ليبيا بغرض تحسين أوضاعهم المعيشية، ثم محاولة الوصول لاحقًا إلى أوروبا التي يُنظر إليها كجنة اقتصادية.
وأشار العسكري إلى أن أعداد المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا قد تكون أكبر بكثير مما هو معلن رسميًا، مرجّحًا أن الأرقام الحقيقية مخيفة نظرًا لصعوبة الحصر، وعدم وجود نظام شامل للتوثيق، مضيفًا أن بعض التقارير تشير إلى أن نسبة المهاجرين غير النظاميين قد أصبحت تمثل نسبة مقلقة مقارنة بعدد سكان البلاد.
وشدد على أن مكافحة الهجرة غير الشرعية تتطلب معالجة جذرية على المستوى الأمني، من خلال تعزيز قدرات الأجهزة المختصة على ضبط الحدود، وتقنين مسارات الهجرة بما يضمن احترام حقوق الإنسان والسيادة الوطنية في آن واحد.
وأكد العسكري على ضرورة إعادة النظر في الطريقة التي يُعالج بها ملف الهجرة غير الشرعية، مشددًا على أهمية الانتقال من المقاربة الأمنية الصرفة إلى معالجة إنسانية متوازنة، تأخذ في الاعتبار الظروف التي تدفع المهاجرين إلى هذه الخطوة المحفوفة بالمخاطر.
وأوضح العسكري أن القانون رقم 19 لسنة 2010 والقرارات المكملة له، عالجت ظاهرة الهجرة من زاوية أمنية وعقابية بحتة، حيث ركزت على تجريم ومعاقبة من يُسهّل دخول المهاجرين، وكذلك المهاجر نفسه، باعتباره شريكًا في الجريمة. إلا أن هذه المقاربة – بحسب قوله – تتجاهل الجوانب الإنسانية والحقوقية التي ترتبط بهذا الملف الحساس.
وأضاف أن ليبيا، بحكم توقيعها على اتفاقية جنيف لعام 1951 والبروتوكولات المكملة لها، ملزمة دوليًا باحترام حقوق اللاجئين والمهاجرين ومعاملتهم وفقًا لمعايير القانون الدولي الإنساني. وشدد على أن معاقبة المهاجرين دون مراعاة الظروف التي دفعتهم إلى الهروب، مثل الأوضاع الأمنية أو الاقتصادية أو حتى سعيهم للالتحاق بأقارب في أوروبا، يُعد ظلمًا لا يتماشى مع مبادئ حقوق الإنسان.
وبيّن العسكري، أن بعض الجماعات المسلحة وحتى الأجهزة الأمنية تتعامل مع المهاجرين وكأنهم مجرمون خطرون، دون مراعاة لأي أبعاد إنسانية أو سياقات اجتماعية، وهو ما اعتبره نهجًا غير مقبول ويزيد من تفاقم الأزمة.
كما لفت إلى أن حالة الضعف المؤسسي التي تمر بها ليبيا منذ عام 2011 وحتى اليوم، ساهمت في تفاقم الظاهرة، وجعلت من البلاد نقطة جذب رئيسية للمهاجرين، خاصة مع موقعها الجغرافي الاستراتيجي المطل على السواحل الأوروبية، والذي يعتبره الكثير من المهاجرين بوابة إلى الجنة، بحسب وصفه.
وشدد على ضرورة أن تكون المعالجة الأمنية مرافقة لمعالجة إنسانية تراعي حقوق وكرامة الإنسان، داعيًا إلى تعديل التشريعات المحلية بما يتوافق مع الالتزامات الدولية التي تعهدت بها ليبيا في هذا الإطار.
وأكد العسكري أن ليبيا تشهد أزمة متفاقمة نتيجة تنامي ظاهرة الهجرة غير الشرعية، والتي باتت تشكل تهديدًا مباشرًا للنسيج المجتمعي والأمن العام. مشيرا إلى أن المواطن الليبي أصبح اليوم يعاني من مظاهر سلبية في الشارع العام، مشددًا على أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد قضية إنسانية، بل تحوّلت إلى أزمة أمنية واجتماعية واضحة. لافتاً إلى أن عددًا من المقاطع المصورة التي تم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي كشفت عن سلوكيات منافية للآداب العامة يُتهم بها المهاجرون في عدة مناطق في ليبيا.
وفي هذا السياق، دعا العسكري إلى ضرورة معالجة ملف الهجرة من الداخل، عبر تعزيز الأجهزة الأمنية، وفرض سيادة الدولة، مؤكدًا أن ذلك هو السبيل الوحيد لفرض شروط واضحة على دول شمال البحر المتوسط، وتنظيم الهجرة بشكل قانوني وإنساني. كما نوه إلى أهمية التوازن في معالجة الأزمة، بشكل أمني وإنساني مراعاة لالتزامات ليبيا الدولية التي تحتم عليها احترام حقوق الإنسان. مبيناً الحاجة إلى عقد ندوات ومؤتمرات تدريبية، بهدف ترسيخ مفاهيم القانون الإنساني لدى الأجهزة الأمنية، وضمان تعامل أكثر احترامًا لحقوق الإنسان مع هذه الفئة.









