السنوسي: ليبيا تحولت إلى “دولة توطين” للمهاجرين بسبب الانقسام السياسي

أكد الباحث في الشؤون الأمنية، محمد السنوسي، أن أزمة الهجرة في ليبيا لم تعد قضية إنسانية فحسب، بل تحولت إلى ملف جيوسياسي تستخدمه بعض الدول كأداة في سياساتها الخارجية، مشيرًا إلى أن ليبيا لم تعد مجرد دولة عبور للمهاجرين غير النظاميين، بل أصبحت فعليًا “دولة توطين”، سواء بشكل مؤقت أو قسري، في ظل الانقسام السياسي وغياب استراتيجية وطنية موحدة لإدارة هذا الملف المعقد.
وأوضح السنوسي في مداخلة على تلفزيون “المسار” رصدتها الساعة24، أن ما يحدث في ليبيا يعكس فشلًا بنيويًا للنظام الدولي في تحقيق توازن حقيقي بين الأمن الإنساني والسيادة الوطنية، محمّلًا المسؤولية ليس فقط للدولة الليبية، بل أيضًا للمجتمع الدولي والفاعلين الدوليين لمعالجة جذور الأزمة وليس نتائجها فقط.
وأضاف أن حركة البشر عبر التاريخ لم تتوقف، وأن الهجرة من مناطق الجنوب نحو الشمال أو من الأطراف إلى مراكز التحضر هي ظاهرة طبيعية يمكن تنظيمها أو احتواؤها، لكنها لا يمكن إيقافها كليًا.
وحذر السنوسي من أن ليبيا، بحكم موقعها الجغرافي الرابط بين إفريقيا وأوروبا، أصبحت ضحية لتدفقات الهجرة، حيث تسعى أوروبا لمنع المهاجرين، بينما تعجز الدول الإفريقية عن ضبط حدودها، ما يجعل الأراضي الليبية ساحة مفتوحة للهجرة. وأشار إلى وجود أجيال من المهاجرين وُلدوا في ليبيا دون تسجيل رسمي في بلدانهم أو في سجلات الدولة الليبية، ما يزيد من تهديد الهوية الوطنية والأمن القومي.
وأكد أن ليبيا ليست دولة ذات كتلة سكانية كبيرة قادرة على استيعاب موجات الهجرة المتدفقة من دول جنوب الصحراء، مشيرًا إلى أن تحميل الشعب الليبي المسؤولية الأخلاقية وحده أمر غير واقعي، خصوصًا مع تخلي أوروبا عن التزاماتها السابقة، مثل اتفاقية 2008 الخاصة بأمن الحدود، واستبدالها باتفاقيات مع أطراف سياسية غير منتخبة، ما زاد من تفاقم الأزمة. مبيناً أن ملف الهجرة أصبح يمثل تهديدًا مباشرًا لهوية المجتمع الليبي واستقراره السياسي والديموغرافي، لا سيما في ظل هشاشة الدولة وضعف بنيتها التنظيمية.
وشدد السنوسي على ضرورة إيجاد توازن بين المعايير الإنسانية ومتطلبات الأمن القومي، موضحًا أن البلاد تحتاج إلى مؤسسات حكومية قادرة على صياغة سياسات واستراتيجيات تحمي الأمن الوطني، ومؤسسات مجتمع مدني رقابية تحد من الانتهاكات الحقوقية والإنسانية الناتجة عن هذه السياسات.
وفي سياق متصل، أشار السنوسي إلى أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه المشايخ والأعيان في الجنوب، وكذلك نظراؤهم في دول الجوار مثل النيجر وتشاد والسودان، لتخفيف وطأة أزمة الهجرة والتوتر الأمني، مستفيدين من التداخل العرقي والقبلي لتسهيل التفاهمات المحلية وتعزيز التنسيق الأمني والحد من تدفق المهاجرين نحو دول الساحل.
كما دعا السنوسي الدولة إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية على الاتحاد الأوروبي للسماح بعبور المهاجرين بطريقة منظمة، مؤكدًا أن أوروبا تستخدم ملف الهجرة سياسيًا، حيث يستغله اليمين للضغط على اليسار، بينما تستغله الأحزاب اليسارية لأغراض دعائية، ما يجعل ليبيا الضحية الكبرى.
واعتبر أن إغلاق الحدود الشمالية وترك الحدود الجنوبية مفتوحة مع تحميل ليبيا المسؤولية عن “عدم الإنسانية” هو بمثابة دعوة صريحة للتوطين القسري للمهاجرين.
وبينّ السنوسي أن النظام السابق كان يستغل ملف الهجرة كورقة ضغط في السياسة الخارجية، لكنه نجح بشكل محدود، في حين تواجه البلاد اليوم تحديات مركبة تشمل تصاعد الجريمة المنظمة، ومحاولات تغيير هوية الدولة وتركيبتها السكانية، إلى جانب الانقسام السياسي وغياب المؤسسات السيادية الموحدة. مشدداً على أن إعادة إنتاج الدولة يمثل المدخل الأساسي لوضع مقاربات فعّالة لمعالجة الملف.
ورأى السنوسي ازدواجية في الموقف الأوروبي، مشيرًا إلى أن أوروبا من جهة تمنع تدفق المهاجرين وتحمي حدودها، ومن جهة أخرى تضغط على ليبيا لتطبيق عمليات إعادة قسرية للمهاجرين، مطالبًا الليبيين بالتعامل مع الملف بواقعية كما تفعل الدول الكبرى التي تضع أمنها القومي فوق كل اعتبار، والاصطفاف خلف مصلحة الدولة، وتوحيد السلطة، والدفاع عن السيادة الوطنية باعتبار أن ذلك أمر أخلاقي وإنساني.
وختم السنوسي بالتحذير من أن استمرار الانقسام والتشرذم سيبقي ليبيا عرضة للضغوط الدولية والمخططات الخارجية، داعيًا إلى التوافق على رؤية وطنية واضحة تضمن الأمن والسيادة وتحمي هوية الدولة، مع التركيز على أن معالجة ملف الهجرة تتطلب استراتيجية وطنية شاملة تشمل البُعد الإنساني والجيوسياسي معًا.









