الدريجة: أزمة السيولة في ليبيا ناجمة عن فقدان الثقة بالمصارف

عزا الرئيس السابق للمؤسسة الليبية للاستثمار، محسن الدريجة، أزمة السيولة الحالية إلى حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، والتي تدفع المواطنين للاحتفاظ بأموالهم نقدًا في المنازل بدلاً من إيداعها في المصارف، خشية صعوبة سحبها عند الحاجة.
وأوضح الدريجة، في مقابلة مع قناة “الوسط”، أن الودائع المصرفية تواجه صعوبات في السحب والتحويل، مع فرض رسوم إضافية، ما يؤدي إلى تراجع الثقة في النظام المصرفي. مشيراً إلى التداعيات الكبيرة على الاقتصاد جراء تداول فئات نقدية مطبوعة خارج الأطر الرسمية، وتأثير ذلك على سمعة الدينار الليبي وقبوله المستقبلي في الأسواق المحلية والإقليمية.
وأكد أن المشكلة الأساسية تكمن في وجود سلطات نقدية متعددة داخل ليبيا، ما يعكس ازدواجية في إدارة الدولة نفسها، موضحًا أن هذه الأزمة ليست جديدة، لكنها تُعمّق الوضع الاقتصادي الراهن. كما أبرز فرق السعر بين الدولار في المصارف الرسمية والأسواق الموازية، مشيرًا إلى أن الفجوة الكبيرة في سعر الصرف تعكس هشاشة الوضع النقدي.
وشدد الدريجة، على ضرورة وضع استراتيجية شاملة لبناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات المالية، تشمل ضمان استقرار الأموال، وتسهيل استخدام وسائل الدفع الإلكتروني كبديل للنقد، مع مراعاة بعض الخدمات التي لا يمكن تنفيذها إلكترونيًا.
وأشار إلى أن إعلان المصرف المركزي عن إصدار مبلغ 60 مليار دينار جديدة، يؤكد أن الاقتصاد الليبي لا يزال يعتمد بشكل كبير على النقد الورقي رغم الجهود المبذولة لتعزيز ثقافة الدفع الإلكتروني، مبينًا أن التحول الفعلي إلى الاقتصاد الرقمي يتطلب معالجة الأسباب الهيكلية التي تدفع المواطنين إلى تفضيل النقد، أبرزها غياب الثقة في النظام المالي.
وأشار محسن الدريجة إلى أن بطاقات الاعتماد الإلكترونية وبطاقات السحب متواجدة في العالم منذ أكثر من 60 إلى 70 سنة، ما يجعل ليبيا متأخرة بشكل واضح مقارنة بالدول المجاورة والدول الأخرى. وقال إن نشر ثقافة استخدام وسائل الدفع الإلكتروني يتطلب وقتاً وجهوداً مستمرة، وليس قراراً يمكن فرضه بين ليلة وضحاها.
ولفت إلى أن فرض رسوم على عمليات السحب أو الدفع الإلكتروني يجب أن يكون مدعوماً بزيادة حجم المعاملات اليومية إلى مئات الملايين، حتى تغطي تلك الرسوم التكاليف، مشدداً على ضرورة نشر ثقافة الدفع الإلكتروني بشكل تدريجي.
وفيما يتعلق بالأموال المودعة في المصارف، رأى الدريجة أن هناك مشكلة حقيقية في إمكانية سحب هذه الأموال؛ فهي من الناحية النظرية ودائع تحت الطلب، لكن عملياً لا يستطيع المواطنون الوصول إليها بسهولة بسبب نقص السيولة، ما يجعلها غير سيولة فعلياً.
كما تناول التحديات المرتبطة بقبول الدفع الإلكتروني في معظم الخدمات اليومية مثل العمالة، الإيجارات، الصحة والتعليم الخاص، التي تعتمد غالباً على النقد، ما يضطر المواطنين للاستمرار في استخدام النقد لتغطية هذه الالتزامات.
وشدد الدريجة على أن أي تحول نحو الدفع الإلكتروني يحتاج إلى استراتيجية شاملة، تشمل توفير الخدمات التي تشجع الناس على استخدام البطاقات بدلاً من حمل النقد، إلى جانب توعية المستهلكين والتجار بفوائد الدفع الإلكتروني.
وتطرق أيضاً إلى دور مصرف ليبيا المركزي في تشجيع الاستقرار المالي من خلال تخفيض الرسوم على عمليات بيع النقد الأجنبي وتسهيل توفير النقد الأجنبي في السوق، مشيراً إلى أن الحديث عن تخفيض رسوم بنسبة 5% على مبيعات النقد الأجنبي أحدث ارتباكاً غير ضروري.
وذكر الدريجة أن هناك بطاقات دولية مثل “فيزا” تنتظر عملية المطابقة، والتي يُفترض أن تتم بسرعة، لكن التأخير الحالي يبدو متعمداً، ما يؤثر سلباً على توفير النقد الأجنبي في السوق. محذراً من أن إعادة هيكلة الاقتصاد الليبي ستستغرق سنوات طويلة، وأن الحلول القصيرة المدى تتركز في تحسين توفر النقد الأجنبي وتعزيز خدمات الدفع الإلكتروني.









