بوغالية: الحوار المهيكل يشكل الإطار الأمثل لإعادة تنشيط المسار السياسي

قال المحامي عبد السلام بوغالية، إن الأزمة السياسية التي تشهدها ليبيا، ولا سيما الخلاف حول المناصب السيادية، تكشف عن رفض واضح من بعض الأطراف الفاعلة، وفي مقدمتها مجلس النواب، لخريطة الطريق الأممية المعتمدة.
وأوضح بوغالية، أن عدداً من أعضاء المجلس عبّروا صراحة عن رفضهم لتسمية شاغلي المناصب السيادية بشكل أحادي، وامتنعوا عن الالتزام بخريطة الطريق، ما يعكس – بحسب قوله- محاولات لعرقلة المسار السياسي في هذه المرحلة الحساسة.
وأشار في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدته صحيفة الساعة24، إلى أن الموقف نفسه يتكرر داخل مجلس الدولة، حيث شُكّلت لجنة للاطلاع على خريطة الطريق، وأبدت استعدادًا لدراسة الملف، لكن هذه التحركات تتزامن مع مسار موازٍ يقوده المبعوث الأمريكي، مسعد بولس، يهدف إلى تسوية بين الطرفين الرئيسيين: حكومة الوحدة المؤقتة في الغرب بقيادة عبد الحميد الدبيبة، والقيادة العامة للجيش في الشرق بقيادة المشير خليفة حفتر، حسب تعبيره.
ووصف بوغالية الأزمة بأنها أعمق من مجرد قبول أو رفض المناصب، موضحًا أن طبيعة السلطة نفسها لا تقبل القسمة على اثنين، مشيرًا إلى أن المشير خليفة حفتر رفع سقف مطالبه التفاوضية مؤخرًا بعد سلسلة شراكات نفطية مع حكومة الدبيبة، ما يجعله يرى نفسه شريكًا قويًا يملك أوراق ضغط مهمة، لا طرفًا مساوياً في التسوية.
وأضاف أن هذه الشراكات تتطلب دعمًا لوجستيًا وبُنى تحتية غير متوفرة بشكل كافٍ في الغرب، مما يزيد من تعقيد أي تسوية شاملة.
وبخصوص اللقاء الذي جمع الطرفين الرئيسيين في روما، قال بوغالية إن المؤشرات تدل على صعوبة التوصل إلى تسوية حقيقية، مؤكداً أن الصراع الحقيقي هو على السلطة التي لا يمكن تقاسمها، وهذا يجعل فرص النجاح محدودة جدًا.
وفي تعليقه على تصريحات المشير حفتر الأخيرة التي دعا فيها إلى إشراك القبائل والأعيان في الحراك الشعبي، رأى بوغالية أن هذه الدعوة تهدف إلى إعطاء انطباع بوجود حراك شعبي داعم له، لكنه اعتبر أن عهد المبايعات والتفويضات والدعم القبلي قد انتهى بعد ثورة فبراير، ولا يتوقع أن يؤدي هذا المسار إلى نتائج فعلية.
وشدد بوغالية على أن الدور الذي يلعبه كل من مجلس النواب ومجلس الدولة يعوق خريطة الطريق الأممية، مستدلًا ببيان مجلس النواب الأخير الذي يعكس نية واضحة لعرقلة أي مسار يؤدي إلى انتخابات أو حل شامل. مؤكدا أن محاولات فرض أمر واقع جديد في ليبيا، سواء في الشرق أو الغرب، لن تؤدي إلى نتائج ملموسة في ظل الظروف الراهنة، لافتًا إلى أن اللجوء إلى القبائل والأعيان والحكماء، أو حتى محاولات المبايعة، لم تعد أدوات فعالة لتثبيت سلطة أمر واقع.
ورأى بوغالية أيضا أن فرض السيطرة بالقوة أو بدعم جزئي، في المشهد الليبي، لن ينجح على المدى الطويل، مشيرًا إلى حالة التشرذم الداخلي في الغرب وضعف سيطرة الحكومة هناك، بالإضافة إلى تعدد الفصائل المسلحة وغياب الدعم الشعبي.
وحول المشهد السياسي الراهن، قال بوغالية إن هناك إعادة إنتاج لصفقات سابقة بشكل مختلف، وأن الدبيبة يسعى لعقد اتفاقيات غير معلنة مع حفتر، شبيهة بتلك التي شهدها تشكيل حكومة فتحي باشاغا عام 2022. موضحا أن الحكومة الحالية تسعى لعقد صفقات سرية بعيدًا عن أعين الليبيين، مستشهدًا بقضية شركة “أركنو” التي باعت النفط بشكل غير مسبوق دون مرور العائدات عبر القنوات الرسمية.
ولفت بوغالية إلى أن التدخل الدولي هو ما يمنع التوافق الحقيقي، وليس العامل المحلي، مؤكداً أن الدبيبة بدأ اليوم ينخرط في تفاهمات سرية مع نفس الأطراف التي كان يهاجمها سابقًا. وانتقد المسار الموازي الذي يقوده مسعد بولس ونائب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق صدام حفتر، معتبراً أنه يضعف المسار الرسمي المدعوم دوليًا، وأن هناك سياسة أمريكية مزدوجة تجاه ليبيا.
كما نوّه بوغالية إلى هيمنة التيار الموالي لحفتر على مجلس النواب، وعرقلة جهود التوافق في مجلس الدولة، معتبراً أن ملف المناصب السيادية هو مناورات سياسية لفرض أمر واقع جديد، وأن ما يحدث اليوم هو صفقات لتقاسم السلطة والثروة بين أطراف معروفة دون اعتبار لمطالب الشعب أو مصلحة الدولة.
وكشف أن أكثر من 70 عضوًا في مجلس النواب وقعوا على شروط وصفها بالتعجيزية لعرقلة التقدم في ملف خريطة الطريق، مشابهة لشروط خليفة حفتر بشأن توزيع الوزارات، موضحًا أن السلطات الحالية في المجلسين والحكومتين تستفيد من الوضع القائم وتقاوم التغيير.
وأكد بوغالية أن رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، لا يملك السيطرة الكاملة على المجلس، حيث توجد تكتلات سياسية وعسكرية تفرض واقعًا مختلفًا، مع وجود تأثير قوي للقوى المسلحة والسلطات غير المنتخبة على القرار. معتبرا أن فكرة وجود مؤسسات تشريعية مستقلة في ليبيا تبقى طوباوية في ظل هذا الواقع.
وأشار إلى أن لجنة المناصب السيادية في مجلس الدولة تضم أعضاء ينتمون إلى تيار التأثير الذي أعاد النقاش إلى نقطة البداية حول قضايا حساسة مثل قوانين الجنسية وترشح العسكريين للانتخابات، وأن مجموعة السبعين، داخل البرلمان تعكس مصالح متشابكة، ومعارضة لخريطة الطريق المدعومة دوليًا خوفًا من فقدان الامتيازات والسلطة.
ودعا بوغالية إلى الإسراع في تبني الحوار المهيكل كخيار لكسر الجمود السياسي، مطالبًا بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بطلب دعم دولي واضح لهذا المسار واتخاذ إجراءات حازمة ضد المعرقلين. وذكر أن البعثة تعمل على إعداد الإطار النظري للحوار وتقسيم المشاركين إلى أربع مجموعات رئيسية تشمل الحوكمة والسياسة، مع وجود تنسيق مباشر بينه وبين البعثة.
وأشار بوغالية إلى الدعم الدولي المتزايد للحوار المهيكل مستندًا إلى إحاطات مجلس الأمن، معتبراً أن هذا المسار قد يكون بديلاً عمليًا للمجلسين التشريعيين في إعداد الإطار الدستوري والقانوني واستكمال الهيئات الناقصة، وصولًا إلى تشكيل حكومة جديدة.
وختم بوغالية حديثه بالتأكيد على أن الحكومة الحالية وسلطات الأمر الواقع تستفيد من حالة الجمود، وأن التغيير قريب، والحوار المهيكل هو المسار الوحيد القادر على كسر الحلقة المفرغة وإعادة الاستقرار إلى ليبيا.









