المسماري: الدبيبة والسراج تعمدا بيع الملفات السيادية.. والمذكرة الإيطالية غير ملزمة قانونياً

اعتبر أستاذ القانون الدكتور راقي المسماري، أن مذكرة التفاهم الموقعة بين حكومة فايز السراج السابقة والحكومة الإيطالية، في عام 2017، غير ملزمة قانونيًا للدولة الليبية، وذلك لعدم مصادقة مجلس النواب عليها، ما يجعلها من الناحية الدستورية والتشريعية خارج إطار الاتفاقيات الدولية النافذة داخليًا.
وأوضح المسماري في مداخلة عبر تلفزيون “المسار” رصدتها الساعة 24، أن المذكرة التي تُجدد تلقائيًا كل أربع سنوات، من الجانب الإيطالي، ويُنتظر تجديدها في الثاني من نوفمبر المقبل، لم تُعرض مطلقًا على مجلس النواب الليبي، وهو ما يُعد مخالفة للإجراءات الدستورية المتبعة في إقرار الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
وأشار المسماري إلى أن فايز السراج لجأ إلى توقيع المذكرة في ظل خصومة سياسية مع البرلمان، وغياب الثقة الممنوحة لحكومته في ذلك الحين، مستغلًا صلاحيات المجلس الرئاسي الذي وصفه بـ “الابتكار الأممي غير المنسجم مع البناء الدستوري الليبي”- على حد تعبيره.
ورأى المسماري أن إيطاليا، على غرار تركيا، استغلت الانقسام السياسي في ليبيا وثغرات المشهد القانوني، ما سمح لها بإبرام مثل هذه الاتفاقات دون المرور عبر المسار التشريعي الرسمي. مؤكداً أن هذه المذكرة لا تلتزم بها الدولة الليبية، بل تنفذها تشكيلات مسلحة و”ميليشيات” كانت تدين بالولاء لحكومة السراج آنذاك – وفق قوله.
وكشف أن الحكومة الإيطالية قدمت حينها مبلغًا قُدر بـ 50 مليون يورو، تم تسليمه إلى “الميليشيات” في مناطق غرب طرابلس ومصراتة والزاوية وزوارة، مشيرًا إلى أن هذه الأموال استُخدمت لتنفيذ بنود المذكرة من خلال تلك التشكيلات المسلحة، وليس عبر مؤسسات الدولة الرسمية.
وأبان أن الاتفاقية ألزمت الجانب الإيطالي بتحسين الخدمات الأمنية والعسكرية وتطوير قدرات حرس السواحل والداخلية الليبية، فضلاً عن تحسين مراكز الإيواء، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث، لافتاً إلى أن الدولة الليبية تتحمل وحدها أعباء الإيواء والإنفاق، رغم الوعود الأوروبية بالدعم.
وحسب المسماري فإن مجلس النواب لا يتحمل مسؤولية مذكرة لم تُعرض عليه أصلًا، وهو غير ملزم قانونيًا أو دستوريًا باتفاق لم يصادق عليه أو يُحال إليه وفق الإجراءات الرسمية، مؤكدا أن المجلس الذي يواجه العديد من الاتهامات ومنها ضعف شرعيته، لكنه يبقى الضمانة الدستورية الأقوى لإقرار الاتفاقيات الدولية، لكونه يضم أصواتًا متعددة لا تتبع فكرًا أحاديًا كما هو الحال في الحكومات التنفيذية.
واعتبر المسماري، أن المذكرة تُظهر كيف تتعامل بعض الحكومات الأجنبية مع ليبيا بمنطق الفراغ السيادي، مستفيدة من غياب التوافق الداخلي والانقسام السياسي، وهو ما يفرض – بحسب قوله – الحاجة إلى موقف وطني موحد يُعيد الاعتبار للمسار الدستوري والقانوني في إبرام الاتفاقيات الدولية.
وانتقد المسماري استمرار حكومة الوحدة المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في التمسك بمذكرة التفاهم الموقعة مع الجانب الإيطالي، بشأن ملف الهجرة، معتبراً أنها تمثل تهديداً مباشراً للهوية الليبية وتضر بمقدرات الدولة وأمنها.
وقال إن هذه الحكومة فقدت شرعيتها السياسية أمام الأمم المتحدة والبعثة الأممية وكافة الأجسام السياسية الليبية، مشيراً إلى أن هناك توافقاً دولياً ومحلياً على الدخول في مرحلة تفاوضية لإنتاج حكومة جديدة.
كما انتقد تقاعس أوروبا عن تنفيذ التزاماتها، قائلاً إن ليبيا أصبحت تتحمل أعباء سياسية واقتصادية وأخلاقية بسبب سياسات الهجرة الأوروبية، محذراً من أن استمرار هذا الوضع سيؤثر سلباً على الديمغرافيا الليبية وعلى الميزانيات المخصصة للأجيال القادمة.
وأشار إلى أن الوثائق الدستورية الليبية، بما فيها الإعلان الدستوري، ودستور المملكة، والوثيقة الخضراء الكبرى، تؤكد على الحفاظ على الهوية الليبية، معتبراً أن الاتفاقية تشكل خطراً مباشراً عليها.
وذكر المسماري، بالتقارير الحقوقية التي وثقت انتهاكات خطيرة مثل التعذيب والاغتصاب والإعدام بحق المهاجرين في مراكز الاحتجاز داخل ليبيا، والتي نسبت أفعالها إلى قوات أمنية تعمل بالتنسيق مع الجهات الأوروبية.
وفي السياق، قال المسماري إن كل ما يحدث يعكس خللاً بنيوياً كبيراً في مؤسسات الدولة، محملاً المنطقة الغربية مسؤولية تردي الأوضاع، ومشدداً على أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى خسائر جسيمة على المستويات الوطنية والاقتصادية والاجتماعية.
وأكد المسماري أن ملف الهجرة غير الشرعية في ليبيا دخل مرحلة خطيرة نتيجة تداخل عوامل داخلية وخارجية، مشيرًا إلى أن البلاد باتت ملاذًا إجباريًا للمهاجرين، بفعل ضغوط أوروبية واتفاقيات غير متوازنة، تُلزم السلطات الليبية باحتجاز المهاجرين دون خطط لإعادتهم إلى دولهم الأصلية.
وبينّ أن خفر السواحل الليبي التابع لحكومة الدبيبة، والذي كان يُعد سابقًا جهازًا عريقًا ذا سمعة دولية مرموقة، أصبح اليوم محط انتقادات محلية ودولية، بعدما تحوّل إلى أداة لإرجاع المهاجرين قسرًا إلى ليبيا، حيث يُحتجز الآلاف في ظروف مأساوية، وسط انفلات أمني خطير. مشيرا إلى أن السلطات الإيطالية لم تعد راغبة في استقبال المهاجرين، نتيجة ضغوط من الاتحاد الأوروبي وتدهور الأوضاع الاقتصادية الداخلية، الأمر الذي حمّل ليبيا عبء احتواء موجات الهجرة بمفردها، بينما تُستخدم قضايا الهجرة كورقة ضغط سياسي في أروقة الحكم بطرابلس.
وأضاف أن حكومة الوحدة المؤقتة، مثل سابقتها حكومة الوفاق، اعتادت اللجوء إلى بيع الملفات السيادية كلما واجهت أزمات داخلية، مستشهداً بمذكرة التفاهم البحرية مع تركيا، واتفاقيات الهجرة التي تفتقر للعدالة وتحول ليبيا إلى نقطة احتجاز دائم للمهاجرين.
وحذر المسماري من التأثيرات الديموغرافية والأمنية الخطيرة الناجمة عن استمرار هذا الوضع، مؤكدًا أن بعض المهاجرين يُستغلون في النزاعات المسلحة، وشبكات الجريمة المنظمة، والاتجار بالبشر، فضلاً عن خطر التلاعب بالهوية الليبية من خلال تزوير الأرقام الوطنية وإصدار هويات مزيفة عبر مكاتب السجل المدني.
ودعا إلى اتخاذ خطوات عاجلة، أبرزها فرض السيطرة التامة على الحدود البرية والبحرية ومحاسبة المتورطين في تهريب المهاجرين من الجنوب إلى الشمال وحصر استخدام السلاح بيد الدولة فقط وتعزيز دور الأجهزة الأمنية والعسكرية في حماية الشواطئ وإيقاف عمليات بناء وتجهيز المراكب من قبل الخارجين عن القانون.
وختم المسماري مداخلته بالتأكيد على أن الأزمة يمكن حلّها بخطة واضحة تبدأ من الداخل، مشددًا على أن ليبيا يجب أن تفرض سيادتها على أراضيها وحدودها، وترفض أن تُستعمل كمنطقة عازلة لاحتواء المهاجرين لصالح أوروبا، داعيًا في الوقت ذاته إلى مراجعة الاتفاقيات الدولية التي تكرّس هذا الدور.









