الكاديكي: الرقابة والمساءلة أساس نجاح المشروع التنموي الموحد

أكد الخبير الاقتصادي خالد الكاديكي أن الاتفاق الموحد بين مجلسي النواب والدولة جاء استجابةً لسلسلة من النقاشات المطوّلة بين المجلسين حول الميزانية العامة وبرامج الإعمار والتنمية.
وأوضح الكاديكي في حديث لقناة “ليبيا الحدث” رصدته الساعة24، أن الاتفاق تمّ بعد مراجعة الميزانية المتكررة التي عُرضت أمام مجلس النواب خلال السنوات الماضية، وما رافقها من توصيات بضرورة توحيد آليات الإنفاق وتوزيع المشاريع على مختلف المدن بما يتماشى مع الاحتياجات الفعلية وخطط التنمية.
وقال الكاديكي: إن المستفيد الأكبر من هذا الاتفاق هي المدن وبرامج التنمية إلى جانب الشركات الوطنية العاملة في مجالات الإعمار والتطوير، مشيراً إلى أن نجاح الاتفاق مرهون بوجود توزيع عادل وشفاف للمخصصات، بما يضمن استفادة جميع المناطق من الميزانية المخصصة للمشاريع.
وأضاف أن الاتفاق جاء كذلك نتيجة خلافات سابقة داخل مجلس النواب حول ترتيب أولويات الإنفاق، مؤكداً أن الصيغة النهائية تهدف إلى دعم برامج الإعمار والتنمية بصورة أكثر انتظاماً وعدالة.
وشدد الكاديكي على أن وجود جهاز موحد لإدارة العملية التنموية سيكون عاملاً أساسياً في تحقيق الاستقرار وتحسين البنية التحتية إذا التزمت الجهات المعنية بتنفيذ البرامج وفق المخطط لها.
ورأى الخبير الاقتصادي أن المستفيد الأكبر من الاتفاقات الاقتصادية الجارية يتحدد وفق البنود وآليات التنفيذ وما ستسفر عنه الأيام المقبلة، وبين أن الحكم على جدية أي اتفاق يرتبط بترجمة مخرجاته إلى مشروعات ملموسة على الأرض.
لافتاً إلى أن ليبيا تشهد بالفعل نمواً اقتصادياً حقيقياً، حيث حملت الأيام الأخيرة مؤشرات واضحة على ذلك، خصوصاً في المنطقة الشرقية، التي شهدت عمليات إعمار وتنمية حقيقية نالت إشادة عربية وأوروبية، كما أضاف أن المطالبات المتزايدة من المدن الأخرى بتوسيع دائرة العدالة في مشاريع البناء والإعمار تُعد خطوة إيجابية تعكس وعياً مجتمعياً متنامياً بأهمية التنمية المتوازنة.
واعتبر الكاديكي أن كل المصاريف المخصصة حالياً تُوجَّه نحو مشروعات التطوير، الأمر الذي يعزز من فرص تحقيق نهضة اقتصادية شاملة، وإن البرنامج التنموي المطروح يخدم البنية التحتية ويدعم الاقتصاد الوطني، بما ينعكس إيجاباً على حياة المواطنين ومستقبل البلاد.
وأكد الكاديكي أن تحقيق نمو اقتصادي حقيقي في البلاد ما يزال مرتبطاً بجملة من التحديات البنيوية، وفي مقدمتها غياب الميزانية الموحدة واستمرار ازدواجية الحكومات، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطن البسيط، موضحا أن المواطن لا يلمس الأزمة الاقتصادية من خلال المفاهيم النظرية، بل يراها يومياً في انعدام السيولة، وارتفاع الأسعار، ونقص النقد الأجنبي في المصارف، وضعف الخدمات المصرفية، وهي مظاهر يرى أنها تمثل جوهر الأزمة بالنسبة لليبيين.
وتابع أن النمو الاقتصادي يقوم على مكوّنين رئيسيين: النمو الميكانيكي المرتبط بالبنية المالية للدولة، ونمو الموارد البشرية، وأوضح أن تضخم أعداد الموظفين وتضخم بند المرتبات يمثلان عبئاً على الميزانية، الأمر الذي يحجب فرص الانتعاش الاقتصادي الحقيقي.
وبين الكاديكي أن تحسن الوضع المالي للمواطن لا يتحقق إلا عبر زيادة الدخول، وتوفير القروض، وتحسين سعر الصرف، وإعادة هيكلة الإنفاق، مؤكداً أن هذه الخطوات من شأنها أن تغيّر المشهد الاقتصادي في ليبيا بشكل كامل، مشددا على أن البلاد تحتاج إلى ميزانية موحّدة، وبرامج تنمية واضحة، ومشاريع إعمار فعلية، وصرف مالي منظم تحت سلطة حكومة واحدة، وليس عبر حكومتين تتقاسمان الموارد والنفوذ، كما شدد على ضرورة دراسة مستوى الدخل مقارنةً بالإنفاق وارتفاع الأسعار والتضخم، قائلاً إن الدولةمطالبة بخلق توازن حقيقي بين الإيرادات والإنفاق لضمان استقرار الاقتصاد الوطني.
ولفت الكاديكي أن محاولات تحسين الوضع الاقتصادي في بعض المناطق جاءت نتيجة وجود حاجة ملحّة للإعمار في الشرق والجنوب، بينما تعاني مناطق أخرى من ضعف في قدرات البناء والتنمية، وأكد أن وجود شركات كبرى واستثمارات حقيقية هو شرط أساسي لعودة النشاط الاقتصادي، موضحا أن التقاسم السياسي بين البرلمان والمجلس الأعلى للدولة أثّر على تنفيذ برامج التنمية، مشيراً إلى أن بعض المناطق أصبحت خارج قدرة المؤسسات المركزية على ضبط عملية التنمية بشكل كامل، وهو ما أعاق مسار الإعمار والانتعاش الاقتصادي في البلاد.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن ليبيا شهدت خلال السنوات الثلاث الماضية بداية حقيقية لعجلة النمو الاقتصادي، سواء عبر برامج الإعمار في المنطقة الشرقية أو عبر مشروع “عودة الحياة” في المنطقة الغربية، مبينا أن هذه البرامج التنموية كانت موحدة في أهدافها وتسعى جميعها إلى تطوير البنية التحتية في البلاد.
ونوه إلى أن أبرز نقاط الضعف الاقتصادية تتمثل في غياب ميزانية واضحة ومستمرة لبرامج التنمية، لافتاً إلى أن الباب الثاني والثالث من الميزانية العامة متوقفان منذ نحو أربع سنوات، وهو ما تسبب في تعطيل مشاريع البناء والإعمار في مختلف المدن.
وأضاف أن بعض الحكومات المتعاقبة في الشرق والغرب اعتمدت مخصصات استثنائية مكّنت من تنفيذ عدد محدود من مشاريع البنية التحتية، مثل الطرق والجسور، إلا أن هذه التمويلات توقفت مؤخراً بعد مطالبة مصرف ليبيا المركزي بتوحيد عملية الإنفاق التنموي بحيث تكون موزعة بعدالة على جميع البلديات.
وقال الكاديكي إن الضمانات لا تزال محدودة، لكن الاتفاق الجديد بين مجلس النواب والأعلى للدولة الخاص بتوحيد الميزانية التنموية، يتضمن بنوداً واضحة تُلزم الطرفين ووزارتي المالية والتخطيط بتنفيذ المشاريع وفق الدراسات المعتمدة والجداول الزمنية المتفق عليها، شريطة خلو العمليات من الفساد والتجاوزات.
وشدد على أن أجهزة الرقابة منها ديوان المحاسبة، وهيئة الرقابة الإدارية، والنيابة العامة يجب أن تكون طرفاً فاعلاً في متابعة تنفيذ الاتفاق، مؤكداً ضرورة وجود مواد تفصيلية تحدد آليات الرقابة والمساءلة لضمان نجاح المشروع التنموي الموحد، كما أكد أن تفعيل إدارات المشاريع والمتابعة هو الأساس لضمان تنفيذ التنمية بالشكل الصحيح، وأن حضور كل الجهات الرقابية في هذا الاتفاق سيكون الضامن الحقيقي لاستمرار خطط الإعمار في ليبيا.
وختم الكاديكي حديثه مؤكداً أن توفير الاستقرار السياسي والاقتصادي سيمهّد لمرحلة من الانتعاش والرفاهية، مشيراً إلى أن ليبيا تملك المقومات التي تمكنها من تحقيق اقتصاد قوي يتفوق على كثير من دول المنطقة.









