المسماري: نقل قيادات عسكرية بطائرة عمرها 56 عامًا يشكل خطراً قانونياً وجنائياً

أكد أستاذ القانون بالجامعات الليبية، د. راقي المسماري، أن الحادثة الجوية التي وقعت قرب مدينة أنقرة التركية، وأودت بحياة الفريق محمد الحداد ومرافقيه، تتطلب التمييز بين بطء الروايات الرسمية وتباعد الاستنتاجات.
وأضاف في مقابلة مع قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن الطائرة سقطت بعد وقت قصير من إقلاعها، رغم أنه كان يفترض إجراء فحص دوري روتيني للطائرة قبل الإقلاع والموافقة عليها.
وأوضح المسماري، أن الطائرة سقطت ولم يتمكن المسؤولون الأتراك من تحديد موقعها بسرعة، لافتًا إلى أن الاتصالات الأولية أفادت بفقدان الاتصال بها ثم التأكيد لاحقًا على وفاة جميع من كانوا على متنها.
وأكد أن الحادثة تُصنّف كحادث طائرة مدنية وفق اتفاقية شيكاغو لحماية الطيران المدني، بغض النظر عن وظائف الضحايا أو مناصبهم العسكرية.
وشدد المسماري، على ضرورة تشكيل لجان تحقيق مستقلة تتبع المعايير الدولية، خاصة أن الطائرة سقطت على أرض دولة غير مستقلة.
وأشار إلى أن التحقيق يجب أن يشمل دولًا محايدة خارج دولة جنسية الركاب أو الضحايا، ودولة تسجيل الطائرة، والدولة التي سقطت فيها، مثل ليبيا ومالطا وتركيا.
وبين أستاذ القانون، أن أعضاء لجان التحقيق يجب أن يكونوا مستقلين، مشيراً إلى أن هناك وكالات وشركات تحقيق في الطيران المدني عالمية ومعروفة يمكن أن تتدخل بعد الرواية الرسمية للدولة التي سقطت فيها الطائرة لتقديم الرواية الفنية والملاحية المتعلقة بالأعطال والطقس والأجواء وظروف الطيران.
وأكد أن التعامل مع الصندوق الأسود للطائرة يجب أن يتم بحضور جهات محايدة لضمان الشفافية والنزاهة، بعيدًا عن تأثير الدولة التي سقطت على أرضها الطائرة، مشيرًا إلى أن هذه الإجراءات تستغرق وقتًا محددًا لإتمام التحقيقات والإعلان عن النتائج.
وتابع: عملية تفريغ معلومات الصندوق الأسود للطائرة لن تستغرق عادة أكثر من أربعة إلى خمسة أيام، مشيرًا إلى أهمية مشاركة الشركة المصنعة للطائرة كونها تمتلك أدوات ومفاتيح فنية رئيسية لا يمتلكها غيرها.
وأكد أن غياب الروايات الرسمية يثير التساؤلات، مشدداً على أنه لا يمكن القول بوجود تعتيم متعمد قبل الاطلاع على البيانات المستخرجة من الصندوق الأسود.
ونوه بأن الطائرة كانت تقل شخصيات ذات وظائف حساسة في الدولة الليبية، مما يجعل أي وفاة في مثل هذه الحوادث محل اجتهاد للتأكد من عدم وجود عوامل خارج إرادة الطيار تؤثر على الحادث.
ورأى المسماري، أن بعض الملابسات السياسية قد تحيط بالحادثة، مستعرضًا الإجراءات التركية المتعلقة بتمديد وجود قواتها في ليبيا والتي اعتبرها في القانون الدولي العام بمثابة احتلال، مؤكدًا ضرورة الحفاظ على كبرياء المسؤولين العسكريين الليبيين بعدم التواجد على أراضي الدولة الأجنبية وقت اتخاذ القرارات.
وبيّن المسماري، أن أي شبهة تتعلق بسقوط الطائرة يجب التعامل معها بحذر، خاصة مع وجود شخصيات عسكرية مهمة على متنها، موضحًا أن التواجد في الأراضي التركية لم يكن مدعومًا بموافقة واضحة من الدولة الليبية، وأن هناك اعتبارًا قانونيًا دوليًا لإجراءات تركيا من جانب واحد.
وأكد أن الرواية الرسمية للحادثة لا تزال حصرية للدولة التركية، مشيرًا إلى تشكيل لجنة ليبية من وزارة الداخلية، لكنه اعتبر أن تشكيل اللجنة يجب أن يكون من قبل الحكومة بشكل متكامل، يشمل دبلوماسيين وممثلين عن الطيران المدني والقوات الجوية ووزارات الخارجية والمواصلات، لضمان تحقيق فني متكامل بعد تقديم الدولة التركية للرواية الفنية لسقوط الطائرة.
وأوضح أن التحقيقات الفعلية تبدأ بعد الكشف عن العوامل الفنية التي أدت لسقوط الطائرة، بما في ذلك ما إذا كان هناك اصطدام أو عطل فني، مؤكدًا أن التقارير الأولية لشهود عيان تشير إلى انفجار قبل الارتطام، لكن يجب انتظار الرواية الرسمية للدولة التركية قبل التأكد من ملابسات الحادث.
وأكد أستاذ القانون، أن الطاقم الذي كان على متن الطائرة ليس ليبيًا، مشيرًا إلى أن التعازي الليبية استهدفت فقط العسكريين الخمسة الذين كانوا ضمن الضحايا. مبيناً أن الطائرة كانت مؤجرة بطاقم أجنبي، وأن العرف الدبلوماسي ينص على أن الدول الأجنبية تتلقى في البداية إخطارًا رسميًا من الدولة التي ينتمي إليها الطاقم لتبلغ أهاليهم ثم تنتظر نتائج التحقيق قبل اتخاذ أي موقف.
وأشار إلى أن التحقيق الأولي تقوم به الدولة التركية وفق اتفاقية شيكاغو، بينما قد تطلب الدولة الليبية لاحقًا إجراء تحقيق ثانوي بمشاركة جهات دولية متخصصة في الطيران المدني، بما يشمل الشركات المصنعة للطائرة، مؤكدًا أن جميع الجنسيات الموجودة على الطائرة لها الحق في طلب تحقيق دقيق ومستقل.
وأكد المسماري، أن نتائج التحقيق الأولي ستحدد طبيعة سقوط الطائرة، سواء بسبب عطل ميكانيكي أو هندسي أو ملاحي، مشيرًا إلى أن الانفجار قبل الارتطام، الذي أشار إليه بعض الشهود، يحتاج إلى تأكيد الرواية الرسمية للدولة التركية.
واعتبر أن حادثة الطائرة تمثل مسألة حساسة حتى بالنسبة لتركيا، خصوصًا مع وجود مسؤولين عسكريين كبار على متنها، وأن الدولة التركية سارعت إلى الوصول لموقع الحادث للحصول على الصندوقين الأسود والصوتي، حيث يحتوي الصندوق الأسود على المعلومات الحاسمة لتحديد سبب سقوط الطائرة.
وأشار إلى أن انتظار نتائج التحقيقات الأولية هو الأساس قبل الانتقال إلى المراحل التالية لتقييم الخيارات القانونية وفق القانون الدولي، مؤكدًا ضرورة عدم استباق النتائج بالافتراضات، ومشدّدًا على أن التحقيقات اللاحقة يجب أن تكون دقيقة وشفافة بمشاركة جميع الأطراف المعنية.
ورأى المسماري، أن حادث الطائرة سيؤثر على العلاقات الليبية التركية حتى على المستوى النفسي والمعنوي، موضحًا أن العديد من الليبيين سيبتعدون عن السفر إلى تركيا عبر الطيران الخاص، سواء لأغراض تجارية أو رسمية، مشيرًا إلى أن الوضع النفسي والمعنوي لا يسمح بالكثير من السفر إلى تركيا في الوقت الحالي.
وأضاف أن أي حادث متعمد سيؤدي إلى اهتزاز العلاقات تمامًا، خاصة أن الطائرة كانت تقل شخصيات عسكرية ليبية مهمة على مناصب عليا في الدولة، مؤكّدًا ضرورة التزام المسؤولين العسكريين الليبيين بالأنفة السياسية بعدم التواجد على أراضي دولة أجنبية وقت اتخاذ قرارات حساسة تتعلق بها.
وأشار المسماري إلى أن تركيا تتصرف في ليبيا من جانب واحد بموجب مذكرات تفاهم أمنية، وأن الوجود التركي في بعض القواعد العسكرية جاء كأمر واقع منذ عام 2020، دون ممانعة فعلية من الأطراف الليبية.
وأضاف أن الطاقم المساعد للطائرة يحمل جنسية فرنسية، فيما تحمل إحدى الموظفات جنسية قبرصية، مؤكدًا أن جميع الدول المعنية ستتحرك لحماية رعاياها وضمان متابعة التحقيقات.
وأوضح أن الأجواء التركية المزدحمة بالطيران المدني والخاص والتجارة الدولية والسياحة تجعل من الحوادث الجوية مسألة حساسة، مشددًا على ضرورة أن تكون التحقيقات الأولية شفافة، مع مشاركة الشركة المصنعة للطائرة أو الشركة المالكة، ومتوقعًا أن تستغرق عملية تفريغ الصندوق الأسود حوالي سبعة أيام.
وبينّ المسماري، أن الحادث الجوي، في حال ثبوت تعمّده، سيتحوّل بطبيعته إلى ورقة مساومة سياسية تُبنى عليها العلاقات بين الدول، كما ستُقاس من خلاله مستويات الثقة بين مسؤولي الدولتين وبين شعبيهما. معتبرا أن الحادث كارثي بكل المقاييس، إذ أودى بحياة خمس شخصيات، من بينهم أربع شخصيات رسمية، إضافة إلى مواطن ليبي يعمل في مجال التصوير الفوتوغرافي وكان مرافقًا دائمًا لرئيس الأركان، وربما مسؤولًا عن مكتبه الإعلامي.
وأوضح المسماري، أن الضحايا ينتمون إلى جهات سيادية ليبية تملك قرارات مصيرية تتعلق بالحرب والسلاح والتدريب والتجهيز والتسليح، مؤكدًا أن الليبيين توحدوا في الحزن عليهم، ونُكست الأعلام، وشارك في التعزية حتى الخصوم السياسيون، باعتبار أن هذه أرواح ليبية يجب أن تُصان، وأن الوفاة قضاء وقدر.
وأشار إلى أن حوادث الطائرات، سواء كانت عرضية أو متعمدة، تُعد وفيات ذات شبهة جنائية، تستوجب تنقيح هذه الشبهة عبر ما يكشفه الصندوق الأسود، إذ تتشكل من خلال القراءة الفنية له الرواية الأساسية للحادث، مشددًا على ضرورة الشفافية والنزاهة في عرض الحقيقة احترامًا لأرواح الضحايا وذويهم وأصدقائهم ومنتسبي المؤسسة العسكرية الليبية، داعيًا كلًا من حكومة الدبيبة وحكومة حماد في بنغازي إلى تحمل مسؤولياتهما والمطالبة بتحقيق شفاف وعادل ونزيه.
وتطرق المسماري، إلى مسألة الفراغ القيادي، معتبرًا أن الشخصيات الراحلة كانت تتسم بالعقل والحكمة، ولم تُعرف عنها تصريحات سياسية حادة أو مثيرة للانقسام، إلا أنه رأى أن غيابها لن يخلّف فراغًا فعليًا، نظرًا للصعوبات القائمة أصلًا في غرب البلاد بسبب انتشار السلاح والتشكيلات غير النظامية والمليشيات الخارجة عن السيطرة.
وأكد أن احترام الضحايا واجب وطني، مشددًا على أن توحيد المؤسسة العسكرية الليبية يجب أن يرافقه إنهاء الاعتماد على الطائرات الخاصة المستأجرة في تنقل القيادات العسكرية، داعيًا إلى امتلاك الدولة الليبية لطائرات رسمية تخضع للحماية والصيانة والسيادة الوطنية، أسوة بما هو معمول به في الدول الأخرى.
وأوضح أن أي خلل هندسي أو ميكانيكي أو ملاحي في الطائرة يُعد خطأً جسيمًا يترتب عليه مسؤولية قانونية، حتى في حال اعتبار الحادث عرضيًا، مؤكدًا أن المسؤولية لا تُرفع إلا في حالة القوة القاهرة فقط، وأن الجهة التي تُقر بصلاحية الطائرة تتحمل المسؤولية الكاملة عن سلامة أجزائها، وفقًا لمبادئ المسؤولية التقصيرية في القانون.
وعن التحقيقات، أشار المسماري، إلى وجود تحقيق أولي تركي، يليه تحقيق ثانٍ قد تطلبه ليبيا وفق اتفاقية شيكاغو، بمشاركة محتملة لشركات دولية متخصصة، مشددًا على ضرورة أن تكون هذه التحقيقات شفافة ودقيقة لإظهار الحقيقة كاملة. وأضاف أن جنسيات الطاقم والركاب، من بينهم فرنسيون وقبرصيون، قد تتحرك دولهم أيضًا لحماية رعاياهم والمطالبة بتحقيقات دقيقة.
وأكد المسماري، أن هناك مسؤولية قانونية كبيرة في حال تبين أن الطائرة غير صالحة للطيران أو تعرضت لخلل هندسي أو ميكانيكي، مؤكدًا أن طائرة عمرها 56 عامًا، حتى مع الصيانة المتكررة، تحمل خطرًا كبيرًا ويجب مساءلة المسؤولين عن قرار استخدامها لنقل شخصيات مهمة.
ولفت إلى أن المسؤولية في هذه الحالة تشمل المسؤولية المدنية، القانونية، وربما الجنائية والسياسية.
واختتم المسماري تصريحاته بالدعوة إلى توحيد المؤسسة العسكرية الليبية وضمان السفر على طائرات مملوكة للدولة لضمان السلامة، مؤكدًا أن انتظار نتائج التحقيق الرسمي، خاصة بعد تفريغ الصندوق الأسود، هو الخطوة الأساسية لكشف الحقيقة وضمان العدالة للضحايا وأسرهم.









