ليبيا

«أغنية»: القوى المسيطرة في طرابلس تعرقل أي مسار يؤدي للانتخابات

حمل الأكاديمي والباحث السياسي، عبد العزيز أغنية، المسؤولية الأساسية عن تأخير الانتخابات في ليبيا، للأطراف المستفيدة من استمرار المشهد السياسي القائم، مشيراً إلى أن إجراء الانتخابات أصبح مطلباً شعبياً عاماً عبر عنه المواطنون في مختلف المدن من خلال الاعتصامات والوقفات الاحتجاجية والمظاهرات.

وقال «أغنية»، في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، ورصدتها «الساعة24»، إن الجهات التي اختطفت القرار السياسي في العاصمة طرابلس، تعمل على عرقلة أي مسار جاد يؤدي إلى الانتخابات، مضيفاً أن حكومة الدبيبة باتت تتمسك بالسلطة خارج أي إطار توافقي أو شرعي، وبدعم من مجموعات ضيقة المصالح.

وأشار إلى أن التقارب الذي حدث سابقاً بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، ومحاولتهما الذهاب نحو انتخابات برلمانية ورئاسية متزامنة، شكّل تهديداً حقيقياً لهذه الأطراف، ما دفعها إلى اتخاذ خطوات اَحادية أربكت المشهد السياسي، من بينها التغيير المفاجئ في رئاسة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، موضحا أن هذه الإجراءات لم تكن تهدف إلى تنظيم العملية السياسية، بل إلى شراء الوقت ومنع الوصول إلى صناديق الاقتراع.

وأكد أن المجموعة المسيطرة، سواء في الواجهة أو من خلف الكواليس، هي المستفيد المباشر من استمرار المرحلة الانتقالية، لافتاً إلى أن المواطن يدفع اليوم ثمن هذا التعطيل في ظل تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية، وانخفاض قيمة الدينار، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، بالإضافة إلى تراجع الخدمات الأساسية في قطاعات الصحة والتعليم.

وانتقد أداء الحكومة الحالية واصفاً إياها بأنها «حكومة ميتة سريرياً»، معتبراً أن عدداً من وزرائها يواجهون قضايا قانونية أو غائبون عن أداء مهامهم، وأن استمرارها يعتمد على تحالفات أمنية ومجموعات مسلحة لإعادة ترتيب المشهد الأمني داخل العاصمة دون أي اهتمام بباقي مناطق البلاد.

وأوضح أن الصراع في ليبيا ليس بين شرق وغرب، بل هو صراع مع منظومة مصالح ضيقة وتحالفات قبلية متغيرة، مؤكداً أن الحكومة الحالية لا تملك حتى السيطرة الكاملة على العاصمة نفسها، وأن المعركة الحقيقية هي معركة الليبيين لاستعادة القرار الوطني والذهاب إلى انتخابات حرة تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة.

ونبه أغنية، إلى أن المواطن يتساءل اليوم، في ظل حالة التخبط الدستوري والسياسي، عن إمكانية أن تفضي الانتخابات المقبلة إلى مجلس نواب جديد، ورئيس قادرين على إعادة الأمور إلى نصابها وتحسين حياة المواطنين بسرعة، مضيفا أن الأزمة في ليبيا ليست وليدة اللحظة، بل أصبحت مزمنة على مدى 15 عاماً، وأن العودة السريعة والدراماتيكية إلى حالة استقرار كما في السابق أمر غير واقعي.

وأكد أن إصلاح الأوضاع يتطلب جهداً متكاملاً يرتكز على تحمل المسؤولية وتبني رؤى وطنية صادقة، مشيرا إلى أن وجود فريق وطني قادر على رسم سياسات اقتصادية واضحة، خاصة فيما يتعلق بالدينار الليبي، من شأنه تحقيق نتائج إيجابية خلال فترة قصيرة نسبيًا.

ورأى أن استمرار حالة التخبط السياسي يعود إلى صراعات الكتل السياسية التي لم تتنازل بعد عن أنانيتها لصالح الوطن، محذراً من أن هذا النهج سيبقي البلاد رهينة للأزمات ما لم يتم تجاوزه بإرادة وطنية حقيقية. وأوضح أن الحديث عن تحسين القوانين الانتخابية وتشكيل حكومة موحدة قبل منتصف عام 2026 أصبح بعيداً عن طموحات المواطن، وأن الشريحة الشعبية لم تعد تطمح بالضرورة لإجراء الانتخابات، بقدر ما ترغب في حكومة موحدة قصيرة الأجل تمهيداً للاستحقاق الانتخابي.

وانتقد «أغنية»، دور بعثة الأمم المتحدة في إدارة الأزمة، لافتا إلى أن الحوار السياسي الذي أطلقته البعثة كان يجب أن يشترط تشكيل حكومة انتقالية جديدة بدلاً من استمرار حكومة الدبيبة، لافتاً إلى أن الحكومة الحالية لم تلتزم بالتعهد بعدم الترشح للانتخابات، معتبرًا هذا الالتزام أخلاقياً لا قانونياً، ما انعكس سلباً على مصداقيتها.

وأفاد بأن الاتفاق على اللوائح والقوانين الانتخابية يتطلب توافقاً كاملاً بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، مستبعداً حدوث هذا التوافق في ظل الهيمنة الشديدة لرئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، وشراء الولاءات السياسية، لافتاً إلى أن الكتلة الحالية داخل مجلس الدولة جاءت أساساً لمعارضة مجلس النواب، لا للتوافق معه.

وحذر «أغنية»، من خطورة إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات في هذا التوقيت، مؤكداً أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى عدم إجراء الانتخابات على الإطلاق، معتبرًا أن إقدام مجلس الدولة على انتخاب رئيس للمفوضية بشكل منفرد إجراءً غير دستوري، ولن يتمكن هذا الرئيس من مباشرة مهامه بسبب رفض مجلس النواب.

واعتبر «أغنية»، أن الأطراف المسيطرة على طرابلس، وعلى رأسها عبد الحميد الدبيبة، تستخدم المال الفاسد للهيمنة على مفاصل الدولة، وتنظم «انتخابات مفصّلة» تخدم مصالح محددة وتستهدف السيطرة على المفوضية العليا والمؤسسات السيادية، بما في ذلك مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط قريباً، محذراً من كارثة سيدفع ثمنها المواطن.

وأوضح أن الصراع لم يعد داخلياً فقط، بل بات مرتبطاً بتدخلات دولية وإقليمية ساهمت في استمرار سيطرة الميليشيات على العاصمة، مؤكداً أن الوصول إلى انتخابات حقيقية واستقرار دائم لن يتحقق دون إنهاء التدخل الخارجي وتفكيك الميليشيات.

وأكد أن مجلس النواب، الحالي استطاع الحفاظ على استقلاليته نسبياً بعد نقله إلى طبرق، مشيراً إلى أن الانتخابات البرلمانية المبكرة ضرورة لتمكين مجلس النواب من قيادة المرحلة المقبلة، محذراً من استمرار «حكومة أمر واقع» تسيطر عليها مصالح محدودة دون وجود قرار مركزي، ما يعكس هشاشة المشهد السياسي الحالي في البلاد.

وأكد أن التعقيدات السياسية لا تزال تؤثر على حياة المواطنين اليومية، مشيراً إلى مشاكل السيولة، والخلل في السياسات، وغياب الرقابة الرادعة، إلى جانب استمرار بعض المسؤولين في مواقعهم رغم عدم اعترافهم بالبرامج الرسمية، موضحاً أن القوى الدولية تتعامل مع ليبيا وفق مصالحها الاستراتيجية وليس لصالح الليبيين، بينما يبقى الأمل في القوات المسلحة الليبية ومجلس النواب المنتخب شرط عدم شراء الأعضاء لتحقيق استقرار حقيقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى