ليبيا

«الباروني»: وفاة «الحداد» الغامضة تتطلب تحقيقًا دوليًا وقد تكون عملاً استخباراتياً

قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إلياس الباروني، إن رحيل الفريق محمد الحداد، ورفاقه في حادثة تحطم الطائرة، وقع في ظروف استثنائية تمر بها البلاد، وتتسم بتعقيد المشهد السياسي، واستمرار حالة الانسداد، إلى جانب تصاعد الصراع الإقليمي والدولي على الساحة الليبية.

وأضاف «الباروني»، في تصريحات لقناة «الوسط»، ورصدتها «الساعة24»، أن توقيت الحادثة فتح الباب أمام العديد من التكهنات، لا سيما تلك المتعلقة باحتمال محاولة اغتيال، مشيراً إلى أن هذه الفرضية ترتبط بعدد من التطورات السابقة وطبيعة العلاقات والأحداث التي شهدتها المرحلة الأخيرة.

وأوضح أن مؤشرات عدة تعزز هذا الاحتمال، خاصة بالنظر إلى الدور البارز الذي كان يقوم به الحداد في توحيد المؤسسة العسكرية الليبية وفاعليته داخل اللجنة العسكرية المشتركة 5+5، إضافة إلى مواقفه الرافضة لوجود القوات الأجنبية على الأراضي الليبية.

وأكد أن هذه المواقف جعلت الحداد هدفاً محتملاً في صراع النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية الساعية للسيطرة على ليبيا، ما يرفع احتمال أن تكون وفاته عملية مدبرة من قبل أطراف متضررة من دوره.

ولفت إلى وجود تساؤلات حول مواقف بعض الدول، من بينها فرنسا وألمانيا، إضافة إلى مؤشرات خطيرة مرتبطة بتفاصيل الحادث، خصوصاً في ظل غياب الوضوح بشأن تقارير السلطات التركية حول ملابسات الرحلة منذ الإقلاع وحتى سقوط الطائرة، مشدد على أن عدم وضوح الرواية الرسمية يستدعي تحركاً عاجلاً من السلطات الليبية، مع ضرورة قيام لجنة التحقيق والنيابة العامة بدورها في كشف الحقائق كاملة حول هذا “الجرم الخطير”، وفق وصفه.

وأشار إلى أن عملية فك شفرة الصندوق الأسود للطائرة واستخراج نتائجه قد تستغرق وقتاً طويلاً قد يتجاوز شهراً، بحسب ما أفادت به تقارير صادرة عن عدة دول، من بينها تركيا، وهو أمر متعارف عليه في حوادث الطيران المعقدة، لكنه أكد أن المصداقية تمثل عنصراً أساسياً، لا سيما وأن الحادثة وقعت خارج الدولة الأم للفريق الحداد، ما يستوجب اتخاذ إجراءات أكثر شفافية وعناية.

ودعا «الباروني»، إلى عدم اقتصار التحقيق على دولة واحدة، مقترحاً تشكيل شراكة دولية تضم خبراء من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إلى جانب تركيا، مع إشراك رسمي للجانب الليبي، خصوصاً أن الطائرة قديمة الصنع ومن صنع فرنسي.

كما أعرب عن تساؤلاته حول رفض فرنسا تولي عملية فك شفرة الصندوق الأسود، مشيراً إلى أن تركيا رفضت إجراء هذه العملية داخل فرنسا، وهو مؤشر يثير علامات استفهام ويستدعي توضيحاً للرأي العام.

وأضاف أن ليبيا تمتلك خبرة سابقة في التعامل مع حوادث مماثلة، مشيراً إلى وقائع سقطت فيها طائرات ليبية في ظروف غامضة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ما يجعل إشراك الخبرات الوطنية أمراً ضرورياً إلى جانب الخبرات الدولية.

وأكد أن القضية الجوهرية تبقى مرتبطة بمقتل الحداد ورفاقه، محذراً من السماح بتمرير الحادثة دون تصعيد رسمي وإعلامي، ودون مطالبة بتحقيق شفاف ومعلن أمام الرأي العام المحلي والدولي.

ومن جهة ثانية، اعتبر الباروني، أن المشهد الليبي الراهن لا يمكن فصله عن سياق الصراع والتنافس الإقليمي والدولي، محذراً من توجيه الاتهام مباشرة إلى تركيا، موضحاً أن ما حدث قد يكون نتيجة عمل استخباراتي دولي يهدف إلى ضرب وتشويش العلاقات “الليبية – التركية”، خصوصاً في ظل متانة هذه العلاقات على مستوي الشرق والغرب الليبي.

وبيّن الباروني أن تركيا مطالبة بالحذر والحرص الشديد في كشف الحقيقة كاملة، داعياً إلى تقديم المعلومات في أسرع وقت ممكن، والاستعانة بالقدرات والخبرات الدولية لضمان الوصول إلى نتائج واضحة وموثوقة تعزز الثقة وتضع حداً لحالة الجدل والتكهنات.

وأكد أن اهتمام الرأي العام بالقضية يسهم في دفع الجهات المختصة، سواء في ليبيا أو تركيا، إلى كشف الحقائق بسرعة وشفافية، موضحاً أن الضغط الشعبي والسياسي يشكل حافزاً قوياً لتحريك ملفات التحقيق.

كما أشار إلى مجموعة نقاط أساسية تستوجب التركيز، على رأسها سلامة النقل الجوي لكبار الشخصيات، مشدداً على أن السماح لقيادات الدولة بالسفر على طائرات قديمة، تقارب الـ39سنة، يُعد إهمالاً أمنياً جسيمًا ويستلزم متابعة دقيقة من السلطات الليبية، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية والأمنية التي تمر بها البلاد.

وبينّ أن الحكومة الليبية، وخصوصاً حكومة الدبيبة، تتحمل مسؤولية كبيرة في حماية مواطنيها وكبار المسؤولين، بما يشمل التهديدات التي تمس الأمن القومي وتأثيراتها على السياسات الخارجية والتعاون الإقليمي مع تركيا.

وأكد ضرورة الحرص الكامل على الأموال الليبية ومصالح الدولة، محذراً من الاعتماد على مواقف بعض الدول مثل فرنسا، التي وصف دورها في الملف الليبي بـ”السلبي”، إضافة إلى نشاط استخبارات إقليمية ودولية قد تهدف إلى تقويض الأمن الوطني.

وتابع: الحكومة ملزمة باتخاذ كل التدابير الاحترازية لحماية المسؤولين داخلياً وخارجياً، مع الالتزام بالمعايير الأمنية الصارمة ومراجعة سياسات السفر والتأمين، لضمان عدم تكرار حوادث مماثلة.

وأكد الباروني أن هناك “لعبة دولية خبيثة”، تخدم مصالح بعض الدول على حساب الحقائق والأخلاقيات السياسية، مشيراً إلى أن التدخلات الاستخباراتية الخارجية قد تسعى إلى زعزعة الاستقرار في تركيا أو دول أخرى، ما يزيد تعقيد ملف الحادثة ويستدعي حذر السلطات الليبية.

ورجح أن هناك احتمالاً قوياً لوجود طرف ثالث ذي خبرة دولية شارك في العملية بهدف خلق توتر في العلاقات الليبية – التركية، على الرغم من النجاحات التي حققتها أنقرة مؤخراً في تعزيز الحوار بين الأطراف الليبية في الشرق والغرب، مؤكداً أن هذا التوتر لا يخدم المجتمع الليبي بل مصالح خارجية ضيقة.

ولفت إلى الدور المحوري الذي لعبه الفريق الحداد في توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، موضحاً أنه كان عنصرًا موحدًا بين المنطقة الشرقية والغربية، وحظي باحترام واسع في المجتمع الليبي لما قدمه من جهود في تعزيز التقارب بين الأطراف المختلفة، مما جعله هدفاً لبعض القوى المعارضة لسياساته وإصلاحاته.

وأكد أن الوفاء لدور الحداد يتطلب توحيد الصف الليبي والحفاظ على استقرار الدولة، مع ضرورة متابعة التحقيقات بجدية وشفافية لضمان كشف كل الملابسات ومعاقبة المسؤولين عن هذا العمل الإجرامي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى