أغنية: التدخل الدولي لن يحل الأزمة واستعادة السيادة تبدأ بالانتخابات

اعتبر الكاتب والمحلل السياسي عبد العزيز أغنية، أن وجود الأمم المتحدة في ليبيا أصبح شرًّا لا مفر منه، نتيجة ما تمر به البلاد خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن البعثة الأممية أثبتت خلال إدارتها للأزمة الليبية عدم قدرتها على إيجاد حلول فعلية، مشيرًا إلى أن الوضع لم يختلف كثيرًا سواء في فترات البعثات السابقة أو الحالية، برئاسة “هانا تيتيه”، مؤكداً أن ليبيا مجبرة على التعامل مع البعثة والأطراف الدولية المؤثرة، ومجلس الأمن الدولي وغيرها من المؤسسات الدولية.
وأشار أغنية في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدته “الساعة 24″ إلى أن التعامل مع الأمم المتحدة يجب أن يكون على أساس ما هو واقع وملموس، وليس على النوايا، موضحًا أن الملاحظة العامة تفيد بأن البعثة تميل إلى المماطلة حتى عند الإعلان عن الانتخابات، في حين تقع المسؤولية الكبرى على المجموعات الموجودة في طرابلس، التي أصرت على تغيير رئيس المفوضية العليا للانتخابات، في لعبة تكتيكية، رغم دعوات مجلس النواب والقيادة العامة لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية وفق الإعلان الدستوري.
وشدد أغنية على أن الأطراف النافذة في العاصمة هي التي تعرقل العملية الانتخابية، لأنها مستفيدة من الوضع القائم، خصوصًا من خلال السيطرة التامة على مفاصل الحكومة، معتبرًا أن جميع هؤلاء يشكلون فريقًا واحدًا يعمل لاستمرار الوضع على ما هو عليه.
وأضاف أن الكتلة الموجودة في المنطقة الشرقية تستفيد من هذا الوضع، لكن الكرة الحقيقية تبقى في ملعب البعثة والأطراف المتواجدة في طرابلس، حيث الحكومة المركزية المعترف بها دوليًا، وهي مطالبة بالإشراف على الانتخابات والاستفتاء على الدستور.
وأكد أغنية أنه لا خيار أمام الليبيين سوى المضي قدمًا في الاستفتاء على الدستور أولًا، حتى وإن كانت هناك بعض المواد الخلافية التي تحتاج إلى نقاش، مع الحفاظ على المؤسسات السيادية والعمل على ضمان إجراء العملية الانتخابية بشكل نزيه وفعال.
وأضاف غنية أن خوف الأطراف النافذة في غرب البلاد من انتخابات جديدة ليس بالأمر البسيط، بل لأنها تعني نهاية مجلسي النواب والدولة، حيث سيؤدي انتخاب مجلس نواب جديد ورئيس منتخب إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي بالكامل، وهو ما لن يرضى عنه بعض المستفيدين من الوضع القائم.
وأشار المحلل السياسي إلى أن بعثة الأمم المتحدة، أطلقت ما وصفه بـ”رصاصة الرحمة” على الحوار الليبي قبل انطلاقه، عندما أعلنت أن نتائج هذا الحوار لن تكون ملزمة للأطراف الليبية، وبالتالي فإن أي توصيات تصدر عن هذه المجموعات أو النخب الليبية، بغض النظر عن تقييم أدائها أو نقاشاتها، لن تُفرض على الأطراف المشاركة.
وأضاف أن هذا الوضع منح الأطراف المتمكنة من المشهد السياسي الليبي هامشًا واسعًا للتصرف، خاصةً في ظل ما وصفه بمحاولات ستيفاني خوري البحث عن صفقة ما بين الأطراف الفاعلة، بينما الحوار المهيكل، وفق رأيه، لن يؤدي إلى تشكيل حكومة فعلية.
وأكد أن مجلس النواب، في هذه الحالة، لا يمتلك القدرة على فرض نتائج الحوار، وأن أي دور للبعثة في تسهيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية يظل محدودًا وغير فعال. لافتاً إلى أن حكومة الدبيبة ما زالت مستمرة في ممارسة عملها، ولن تترك مكانها بسهولة، وهو ما يثير تساؤلات حول من سيشرف على الانتخابات إذا أُجريت. وأضاف أن الحركة الاستباقية لمجلس الدولة، التي شملت انتخاب رئيس للمفوضية العليا للانتخابات، لم تغير الواقع الراهن، وأن التوصيات والإعلان الدستوري وموضوع الانتخابات موجودة لدى مجلس النواب وقيادة الجيش، إلا أن هذه التوصيات لم تُنفذ على الأرض.
وأشار غنية إلى أن الأزمة الحالية ليست وليدة مع الأمم المتحدة، بل هي استمرار لما بدأته أحداث فبراير نفسها، التي أفضت إلى تدخل الناتو والدول الأجنبية، بما في ذلك عدد كبير من الدول الأوروبية، والتي قصفت ليبيا تحت شعارات الديمقراطية، لكنها لم تحقق أي استقرار اقتصادي أو اجتماعي، ولم تحافظ على قيمة الدينار الليبي أو تؤسس لتداول سلمي للسلطة أو للنقاش بين المعارضة والسلطة الحاكمة.
وأضاف أن ليبيا اليوم تفتقد لأي سلطة فعلية، وأن الحكومات المتعاقبة لم تتمكن من وضع حلول، وأن المحاصصة السياسية التي فُرضت خلال الاتفاقيات السابقة مثل اتفاق الصخيرات، هي السبب الرئيس في تفاقم أزمة المشهد السياسي الحالي، حيث يسيطر على الحكومة والأموال والمفاتيح الاقتصادية عدد محدود من الأطراف، بينما الشعب يعاني من الفقر وتدهور قيمة الدينار، وسط تفاقم الوضع الاقتصادي والاجتماعي دون أي حلول فعالة على مدى أكثر من خمسة عشر عامًا.
وشدد غنية على أن الانتخابات المقبلة يجب أن تكون بيد الشعب الليبي وحده، مشيرًا إلى أن البرلمان الحالي وقيادة الدولة، بما في ذلك المشير خليفة حفتر، جميعهم يؤيدون إجراء الانتخابات، وأن الأمر متروك للصندوق ليقرر من سيربح ومن سيخسر، فالشعب هو الحكم الفعلي في نهاية المطاف
ورأى غنية، أن الليبيين اليوم يذوقون نتيجة ثورة فبراير على حياتهم اليومية من حيث الطعام والصحة والتعليم وندرة الوقود، في ظل فوضى اقتصادية واجتماعية، وهو ما يجعل المواطن قادرًا على تقييم أداء جميع القوى السياسية التي طالما وعدت بالتغيير والديمقراطية وإزالة الدكتاتورية.
وأشار إلى أن التدخل الدولي، بما في ذلك الناتو، كان يهدف إلى حماية المدنيين في بعض المدن مثل بنغازي، لكنه لم يعالج جوهر الأزمة السياسية أو يعيد السيادة الليبية، التي فقدت منذ عهد القذافي بحسب تعبيره.
وقال المحلل السياسي إن ليبيا اليوم، بعد 15 عامًا، لم تعد بحاجة للتذكير بالماضي، فالنظام السابق ذهب ولن يعود، والسيادة التي كان يتمتع بها الليبيون سابقًا لم تعد قائمة، وكل الاتفاقيات السابقة لم تعد صالحة في المشهد الراهن.
وأضاف أن التاريخ الليبي يمكن تقسيمه إلى مراحل: السبعينات وبداية الثمانينات، مواجهة الغرب وأمريكا، الاشتباكات مع الأسطول السادس، وما صاحب ذلك من أحداث محورية في تاريخ البلاد، والتي شهدها المواطن الليبي وشهدها المعارضون الذين تفاعلوا مع دعم الدول الخارجية في حينه.
وبينّ أن هذه التجارب التاريخية تضع الجميع، سواء من يؤيد سبتمبر أو فبراير، أمام مسؤولية التعامل مع المستقبل، فالانتقاد لا يفيد البلاد، وما ينفع هو البحث عن نقاط التقاء بين القوى الحقيقية المتمسكة بالسلطة والنفوذ والسلاح والمال، لتشكيل خارطة طريق وطنية تضع مصلحة ليبيا فوق الأنانية السياسية.
وأشار إلى أهمية احترام خصوصيات المجتمع الليبي، بما في ذلك العشائر والقبائل والمدن والسواحل والجنوب، مؤكداً أن أي شخص يطمح لحكم ليبيا عليه فهم هذه التركيبة جيدًا وتحقيق توازن بين جميع الأطراف، وإلا فإنه سيخسر البوصلة ويسقط، سواء بعد الانتخابات أو في حال استمرار الوضع الحالي.
وتابع: المشكلة الأساسية في ليبيا اليوم تتعلق بالسلطات التنفيذية والكتل المسلحة التي تعمل تحت شرعيات مختلفة، ما يجعل إجراء الانتخابات أمرًا حيويًا لإعادة ترتيب المشهد السياسي، معتبراً أن الانتخابات المقبلة يجب أن تؤدي إلى تشكيل مجلس نواب جديد ورئيس دولة منتخب، مشدداً على أهمية تحديد القوانين، سواء كانت قوانين فبراير، أو قوانين الدولة الليبية التي تجرم الفساد وتحمي الممتلكات العامة وتفرض الرقابة على مؤسسات الدولة.
وأكد أن فشل متابعة الجرائم التي ارتُكبت بعد 2011، مثل حرق تاورغاء ونزوح سكانها، وحرق خزانات النفط في راس لانوف، وضرب مطار طرابلس خلال عملية فجر ليبيا، جميعها يعكس ضعف العدالة الجنائية ومحدودية المساءلة، وهو ما أدى إلى استمرار الإفلات من العقاب وعدم حماية المدنيين والممتلكات العامة.
وأوضح أن إجراء العملية الانتخابية لا يعني استبعاد المؤسسة العسكرية أو غيرها من الأجهزة، بل يجب أن تكون جزءًا من العملية السياسية مع ضمان حيادها، بحيث لا تتحول إلى طرف في الصراع أو أداة لتحميل المسؤولية بشكل انتقائي. وأشار إلى أن لكل طرف أصدقاء وأعداء، وأن تحليل المشهد السياسي يجب أن يكون شاملًا وموضوعيًا، بحيث تصل الرسالة للجميع دون تحيز.
وأضاف أن المواطن الليبي هو الحكم النهائي، فهو الذي يدرك حقيقة الأوضاع اليومية، ويشهد بأم عينيه شح الوقود وانهيار قيمة الدينار والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ويعرف الأطراف المسؤولة عن خلق أزمات سياسية لتأمين مصالحها، أو للتأثير على نتائج الانتخابات لصالح طرف على آخر.
وشدد على أن التدخل الإقليمي والدولي لن يحل الأزمة، وأن استعادة السيادة الليبية تبدأ بالانتخابات، ومن ثم اختيار الأنسب لإدارة الدولة، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية بشكل تدريجي، خطوة بخطوة، بما يسمح بفرض إرادة الليبيين على القوى الأجنبية، بدل انتظار تصريحات مبعوثي الأمم المتحدة أو السفير الروسي أو الأمريكي.









